صامويل بيكيت: هذه الرغبة المبهمة في أن تكون لا شيء

حجم الخط
0

صامويل بيكيت: هذه الرغبة المبهمة في أن تكون لا شيء

بقلم : جون رودو ترجمة : د. سعيد بوخليطصامويل بيكيت: هذه الرغبة المبهمة في أن تكون لا شيءلا يشغل أبطال روايات صامويل بيكيت Becke مكانا، بل يتدحرجون علي متن دراجة، أو يتأبطون عكاكيزهم. حينما يتجمدون، لأنهم فقدوا وسائل نقلهم وأرجلهم وأياديهم، فلا يمكثون بسبب ذلك عاطلين لكنهم يجوفون حفرهم. منغمسون في الوحل، لا يشعرون بفقدان الأمل أو السأم، فهم يتلذذون. يظهرون شعورا بالسعادة، وهم يخلقون الفراغ في ذواتهم. يتطلعون إلي هدوء الروح، من خلال اللامبالاة. وربما أيضا بتفعيل ما يناقض الإبداع، بأن يعيد إلي كيسه الليلي ما تم استخلاصه من العدم : (( فليحيَ الظلام !))، ينادي إيمانويل Emmanuel الله، بطل جاري Jarry، في بداية :l’amour absolu. أصدر شوبنهاور سنة 1819 كتابه المعنون : le monde comme volontژ et comme reprژsentation. والذي سيعرف في فرنسا أواسط القرن 19، وأثر قويا علي نهاية القرن بأكمله. يوطد بشكل مضمر النصوص البوذية. نعاين إذن انفجارا فوضويا وحتي قنابل، بضربات كتب. يتعلق الأمر، بشكل أقل عند الأدباء بتغيير المجتمع مقابل الاندثار علي طريقة Siddharta . منظور بارتلبي Bartleby بطل ميلفيل Melville نموذجي لمثل هذا العزوف. يعترض علي كل إغراء بجواب أصبح أسطوريا : أفضل أن لا . يحجم عن كل شيء، من خلال رفض مطلق للقيام بأية مبادرة. ذلك الذي جعل منه ليرمونتوف Lermontov بطلا لعصرنا، يتسلي بأن لا يكون مجديا لشيء ما. يتجلي الطموح دوما، بأن تعيش بتعاسة أقل، لكن ليس دائما علي نفس المنوال.إذا عمل أدب القرن السابع عشر علي تثمين حياة المجتمع، آخذا علي عاتقه واجب الإرضاء (يعمل ألسيست Alceste علي الإضحاك، لأنه يزعج Cژlimڈne سيليمين)، فإن أدب القرن الثامن عشر، أكد علي دوره لكي يساهم في سعادة عامة. في القرن التاسع عشر، سنعاين انبثاق التيار الغنوصي : يحتم إدراك العالم السماوي والمتخيل، تهميش الوجود الأرضي. أن تعيش، يعني تتقزز. فلا يمكننا الشعور، إلا بالاشمئزاز من وجودنا، وكآبة الحياة. يعتبر الروائي نفسه، شيطانا يظن بأنه في منفي، وقد تخيل وطنه في موضع آخر. تخلي أبطال بيكيت Becke بسرعة، عن هذا الحلم اليقظ المسلي : ((إيجين l’Egژen متعطش للدفء والنور، سأقتله. لقد مات باكرا داخلي)) يؤكد مولو Molloy. أن نحيا في القذارة، لا يخول في أي شيء السعي إلي عالم للأجنحة والملائكة. وجود بدون وهم لذة العيش (العنوان الذي أعطاه زولا Zola بقلب للمعني، لإحدي رواياته) يؤدي إلي الغثيان. لا يبالي أبطال بيكيت بالحياة : متسكعون ومهمشون، يرفضون الحياة الاجتماعية وبالتالي لا يشعرون بأي ذوق أو نزوة. أحاسيسهم بدائية لا تخرج عن الأكل أو القتل، لا يتجه انتباههم إلا لقبعاتهم ومذكراتهم. يعيشون يوميات، دون جداول في فضاءات غامضة. الملذات المألوفة عند الكائن الحيواني، كملامسة الآخر وممارسة الجنس أو تلك الخاصة بالعنصر البشري، مثل التحادث بمرافعات وتمتمات، تظهر لهم سخيفة. الدرس الأخلاقي الوحيد، الذي يعتقد جاك موران Moran بأن له الحق في تقديمه لابنه يتعلق بـ فظاعة الجسد ووظائفه . يتعب مولو Molloy سريعا في الرواية التي تحمل اسمه، من خدمة روث Ruth، فهي : (( لعبة أحمق، يقول، ومتعبة للسان)). (يعتبر ألفريد جاري jarry، بأن الحاجة الدائمة للمجامعة كانت حقا دليلا، علي أن الأمر يتعلق بفعل تافه). إنه دائما، الشـيء ذاتـه Quousque eadem حسر سينيك Sژnڈque وهو منشغل بهدوء النفس. يربط الفيلسوف الضجر، بعجز الشخص عن السيطرة علي عواطفه من الاستسلام للذة، مما يقود إلي كره الذات. لا يعرف أبطال بيكيت مثل هذا الإضراب، لأنهم أبعد عن كل ارتباط. الحياة بأكملها للتثاؤب، تعيق نومين وابتلاعين داخل العدم. ليس لهم هم سمو ذاتهم، نظرا لعدم استعدادهم للتجاوز.إذا كانت السعادة نقيضاً للضجر، فمن الضروري أن نلاحظ، بأن أبطال بيكيت ولدوا طبيعيا متقززين. لا هوس لهم، بحنين (فقط يستحضرون بالسخرية جنة مفتقدة). يبقي طموحهم الوحيد رؤية نهاية لمغامرتهم. وحده السأم يشغل أجسادهم.يتأتي تعبهم، من حكمهم بعدم جدوي استيقاظهم في العالم والإقامة فيه. الوجود نكبة كبيرة، والولادة مصيبة كل واحد. بهذا المعني، يستدلون فعلا علي الضجر، مثلما عرفه بيشريل Bescherelle في معجمه : ((حالة إحباط وفتور. نوع من الوهن المعنوي يتأتي من الفراغ، وكذا غياب للتسلية أو التنوع في الانشغالات والملذات)). لا يبدو أن الكوكب الذي نسكنه هو مصيرنا، إننا تائهون فيه. غياب الحب، وحتي الرغبة الجنسية (عاجز، فإن الملك المذنب يترك علي الرغم منه، مملكته للإهمال) يقود إلي شعور بالفراغ. الأرض رمادية، وأزقتها شبيهة بالرماد. كل شيء فيها متماثل : (( أين أذهب، إذا أمكنني الذهاب؟ ماذا سأكون، إذا أمكنني أن أكون؟ وماذا أقول، إن كان لدي صوت يتكلم قائلا أنا ؟)). لذا، فإن الراوي في عمل: des textes pour rien لاحظ، عدم جدوي كل مسعي. كل شيء مبعثر، دون رابط، وليس هناك كل إلا بعد الوفاة. لا يوجد مبرر لكي نضع نهاية للوجود : يجب أن يمر الوقت بسرعة. كما أننا نفتقر : (( للشجاعة أو القوة لكي نستمر)). السعي فقط للموت، وذلك بالتوقف عن التنفس، بقطع طويل للنفس.بما أن أي فعل، لا يمكنه أخذ قيمة عمل. فلم يعد بالإمكان غير انتظار النهاية دون شغف أو تصفيق. وفي كل الأحوال، فإن نهاية الحياة، تثير الانتعاش . هكذا يستغرق بطل : Malone meurt وقته في سرد وقائع، ليست بالجميلة أو القبيحة، ستكون تقريبا بدون حياة، مثل الفنان . الكاتب أيضا، يمكنه شغل وقته بوضع جرد لممتلكاته، وهو يمرر الحصي من جيب إلي آخر وفقا لقواعد رياضية معقدة، علي وزن نقيق الضفادع. اللغة بالنسبة للحيوانات الناطقة ذات استعمال لا نهائي : تثرثر، تهذي. لا تكمن قيمة الخطاب في تأكيداته، أو في الأحكام، والأوصاف. شخص يتكلم : (( لكنه، لا يمكنه تثبيت أو نفي أي شيء. وليس لما يحدث أن يقوم بطريقة أخري)). يلغي خطاب بيكيت العلة والنتيجة، ويحتفي بالانفكاك والتشتت. تتأتي نشوة الرواة من تأثيرات أصواتهم، يتغنون بمأتمهم علي طريقة الإوز. شيء بلا معني : ترقب النهاية، يثير بالتأكيد السأم. لكن هذا السأم متعة : الموت مترقباً، نتلذذ بقدومه. يبدأ منذ الولادة تقهقر طويل ومبهج، يمكننا أن نسعي إلي مزيد من التفاقم : ((لدي عقل يتحلل حين أفكر. فقد مطلق للكلام ! وربما صمم كلي ! ومن يدري شلل في شبكية العين ! وبشكل محتمل جدا فقدان للذاكرة ! وبالضبط يبقي الدماغ سليما بما يكفي لكي يتمكن من الابتهاج ! وحتي يخشي من الموت باعتباره ولادة ثانية)). يتكهن مولو: سيتجلي الأسوأ فعلا، في أن تكون له حياة أخري شبيهة بهاته، أو بتلك التي يقوم بها الخالدون عند قمة جبل الأولمب.إذا كان من المؤكد، بأنه ليس هناك شيء في الفكر لم يتم أولا إدراكه بالحواس، فإن فقدان الكلام، السمع، البصر، الذاكرة، من الضروري أن يقود إلي فراغ ممتع للفكر. التاريخ الذي يرويه مورفي Murphy، هو ذلك المتعلق بانقضاء كائن يتوخي الوصول تدريجيا وبانتظام إلي : ((شيء بلا هدف، وعموما بدون معني)). يحول أبطال بيكيت السأم، كعياء مألوف إلي غزو. إنه أول لحظة للوهن.من بين الكتاب المفضلين عند بيكيت، علاوة علي دانتي Dante وبرونو Bruno، وفيكو Vico ثم جويس Joyce نجد أيضا الفيلسوف الديكارتي الجديد Geulincx حيث استشهد مورفي بمقولته : ((هناك حيث لا تساوي شيئا، لا يمكنك أن تتوخي أي شيء)). بناء علي انثروبولوجية، يستنتج الأبطال عبرة تنشد عدم الفعل. إجمالا، يتركون الأمر للزمان. فقط في ميدان الكلام كل واحد يخضع مثل القذر L’innommable لـ نظام السيد، أي تابعوا . لن يكون، أي نشاط إنساني إلا أقل تفاهة من أنشطة أخري. يجب أن تتكلم، ثم تتكلم، تخضع لنداء باطني : ((علي دائما أن أقول نفس الشيء، وهو في كل مرة مجهود […] هناك علاقة ضيقة بين الخطاب والموت : النهاية غير متلفظ بها))، وبالأحري فالنهاية تعطي دلالة للكلمات . غياب النهاية، يجعل كل شيء متكافئا : الاستبدال أو النفي، بدون نتائج. مع ذلك، إذا كان من المستساغ التفكير في أن نهاية الحياة تقود إلي الانتعاش، فيمكننا أن ننتظر من ذلك سعادة شبيهة بتلك التي يوفرها انغلاق جسد ما عن العالم الخارجي : سعادة ظرفية، بأن تكون ميتا حيال الأشياء الحسية . مما يكفي لكي يظل الفكر فارغا، وهو ما يستشفه مورفي. أن تكتب، معناه علي التو، القيام بما يتجاوز ذلك التمرين الذهني للموت بالمعني الذي أخذ به مونتين Montaigne فعل تفلسف، أي استيطانه.لا شيء يفتقده أبطال بيكيت، يمتلكون وبوفرة. لكن ليس لديهم أية رغبة، بل فقط الخواء موضوع طموحهم. يعيشون حياة تقود إلي الخبل. قدرنا دخولنا مبكرا إلي الموت، دون أن نفهم ذلك، لقد خرجت الأرجل سابقا من هذا العبث الكبير للوجود يلاحظ الراوي في malone meurt . يمكننا بالفعل، في ظل هذه المفارقة أن نقرأ في le calmant : ((أنا لا أعرف متي مت)) أو أنا ميت في موقع آخر من Textes pour rien . كل شيء يتم، كم لو أن الرواة وهم في سبات يعرفون بأن الكتابة إسراع بالاحتضار. كذلك، نري تخلص العمل تدريجيا مما قد يجعل الأدب جميلا. الشخصيات تسكن خيما، الدسائس قذرة، المشاهد مضحكة، التطورات معقدة. إلي أن يستهلك هذا العمل التفتت : (( وإذا تكلمت فلكي أمارس الهذيان، نعـم لا أقـول شيئا ؟)) يدرك القذر، بأن ذلك ليس بالشيء اليسير. الملل يفتن، حياة في موت، تتلاحق الحياة من خلال غيابها، مما يمثل لحظة أولي للعودة إلي العدم : ((في سكينة التعفن، أتذكر الإحساس الطويل بحياتي المضطربة)) يؤكد مولو. الكاتب، هو ما بعد وفاته. عليه الخضوع لمجهود الكتابة، قصد الوصول إلي الجهل، وكذا عدم القدرة أو توخي غاية ما. أقصي سعادة بالنسبة له هي أن تدرك عدم قدرتك علي معرفة أي شيء .لقد اعتبر الرواقيون، أن هدوء وتوازن النفس حصيلة إصرار أخلاقي. في حين وجد أبطال بيكيت، ذلك في إنكار الذات : (( كل حياة هي عبودية))، حسب سينيك Sژnڈque، وينظر إلي الكائن كأسير لجشعه وأهوائه. يؤكد رواة بيكيت، علي فظاعة عبودية كونك كائناً حياً. يبعد الضجر عن القائم، ويثير الرغبة في التفاهة، حينما يلامس الوعي حرية كتلك تبتهج الشخصيات ثم يستبسل الرواة من أجل المهمة.كاتب من المغربQMK0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية