شلاح الطربوش مسرحية تنتقد الطائفية في لبنان
عرض مباشر بلا طبقات يستغل الواقع قبل أن يبسّطه: شلاح الطربوش مسرحية تنتقد الطائفية في لبنانبيروت ـ القدس العربي ـ من ناظم السيد: من البداية، من الجمل الأولي التي يطلقها المحكوم بالإعدام غالب عبد النور بتهمة الدفاع عن اللغة العربية والحرية والتبولة (كفولكلور للمطبخ اللبناني) بدت مسرحية شلاح الطربوش مسرحية موضوع. هذا أمر لا يخفيه الكاتب والمخرج إيلي كرم الذي سبق له تقديم مسرحية لاقت نجاحاً لافتاً تعا كول مجدرة يا صبي إضافة إلي عمله كممثل تحت إدارة نضال الأشقر في تصطفل ميريل ستريب المأخوذة عن رواية لرشيد الضعيف بالعنوان نفسه. لا يخفي كرم موضوع مسرحيته بل يدفع به إلي السطح ربما في محاولة لشدِّ الانتباه إلي عمله هذا الذي يتداخل فيه السياسي بالاجتماعي، أي الوطني، إذا كان لا يزال لهذه المفردة مكان في الفن والأدب عموماً. المسرحية ـ إذاً ـ تسعي للاستفادة من المناخ العام الذي يسيطر علي اجتماع الناس في لبنان منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري. بهذا المعني بدت المسرحية نوعاً من الخبر العاجل. إنها لا توظف الواقع فحسب، وإنما تستغله من غير أن تتخذ مسافة تأويلية من هذا الواقع. أي انها تعيد إنتاجه ـ كنص علي الأقل ـ بلا مساحات وبلا طبقات.تحكي مسرحية شلاح الطربوش التي تُعرض علي خشبة مسرح المدينة في شارع الحمراء، قصة عائلة عبد النور التي يموت أبناؤها بدءاً من الأب غالب الذي قضي شنقاً دفاعاً عن اللغة العربية عام 1916 إلي الزوجة التي تموت انفعالاً رغبة في تغيير لقب العائلة (المشنوق) إلي الابن ميخائيل الذي قضي إرادياً في سبيل الفتاة التي أحبها من غير دينه أو طائفته إلي الحفيدة التي تقرر السفر إلي باريس مطلع السبعينات. هي عائلة شهادة وتضحية تختصر العائلات اللبنانية عموماً. لهذا تنتهي المسرحية بتعداد عشرات الشهداء من صحافيين وسياسيين وحزبيين ومواطنين أمثال سليم اللوزي، رياض طه، صبحي الصالح، عباس الموسوي، هادي نصرالله، رفيق الحريري، جورج حاوي، سمير قصير، جبران تويني، بيار الجميل وغيرهم الكثير. أحداث ومحطات وأسماء جري إقحامها بواقعية خام في هذا العمل لتغدو مجرد كليشيه. لكنَّ الكليشيهات لا تتوقف عند هذا الحد، بل تتعداه إلي الصيغة التي جري بها سرد تواريخ البلد، كأن يتم وسم الخمسينات بالأحداث الدامية (1958)، أو اقتصار بداية السبعينات علي الحداثة والتغريب في اللغة والملبس وعلاقات الناس، أو استخدام التأريخ عبر سجائر البافرا وغير ذلك. بالطبع قد يكون هذا التأريخ محلَّ نقد إيجابي لولا تلك الطريقة الاختزالية التي تعمم تفاصيل معينة علي زمن كامل بدل إبرازها. وربما كانت الحالة التي تتحكم بالنسيج اللبناني ـ منذ ما قبل 1916، أي منذ نظام القائممقاميين وعهد المتصرفية مروراً بلبنان الكبير والجمهورية الأولي (1943) وصولاً إلي جمهورية الطائف (1990) ـ أي الطائفية، هي التي تبرر هذا السياق الإطلاقي للمسرحية. لكنَّ هذا الواجب الأخلاقي سيظلُّ مسألة ثانوية في الحديث عن عمل فني وإن تصدّر الواجهة.بعيداً عن الطرح والنص، يبدو عمل إيلي كرم الأساسي في شغله الإخراجي (رغم حضور كرم ككاتب مسرحي بالعربية والفرنسية، ونيله جائزة ومنحة بومارشيه علي نص بعنوان كلمني عن الحرب لكي أحبك الذي سيتم عرضه علي مسرح الأوديون و الرونبوان و مسرح 13 في باريس). ثمة شغل سينمائي في شلاح الطربوش من خلال عرض لوحات خلفية ضخمة لشوارع بيروت في الفترات الزمنية التي تغطيها المسرحية. بدت الخلفية بهذه الصور الحقيقية مفتوحة كأن الأحداث التي تجري علي الخشبة تجري فعلاً في شوارع قديمة عمرها قرن تقريباً. لكن مرة أخري ظهرت هذه الصور كمشهد جاهز تماماً كجهوزية النص. ورغم نجاح هذه السينوغرافيا التي تضع المتلقي في جو الأحداث، إذ تنقله من زمن إلي آخر عبر صيغة بصرية مؤثرة، إلا أن هذا النجاح غالباً ما تخلله تراخ في العرض وبطء في الإيقاع. بالأحري ثمة إيقاعان: إيقاع بصري بطيء يغطي الفترة الممتدة من 1916 إلي 1972، وإيقاع نصي غير بصري سريع واختزالي يقفز علي الفترة الممتدة بين 1975 إلي 2007، أي فترة الحرب الأهلية حتي بداية التسعينات، وزمن السلم الأهلي البارد (بتعبير حازم صاغية) الذي تلا الحرب. هنا يكتفي المخرج بتعداد لائحة من الشهداء في فعل يحيل علي الخطاب أكثر مما يحيل علي المسرح.في كل حال، سحبت الصيغة المباشرة للمسرحية فرصة التأويل وحرية التلقي أمام الجمهور. نحن أمام عمل يفكر عن الجمهور ويقرر عنهم، جاعلاً أزمة لبنان الوحيدة في طائفية أبنائه من دون الأخذ في الاعتبار عناصر أخري تفرض علي المواطنين التواطؤ مع طوائفهم سواء كانت بسيطة كالإقطاع السياسي واحتكاراته الخدماتية أم كبيرة كالموقع الجغرافي القدري لهذا البلد. هذا أيضاً شأن آخر. لكن ما لا يجوز أن يكون شأناً آخر أن يخرج الجمهور بانطباع واحد من عمل فني بسبب غياب المساحات والطبقات كما سبق. وهذا ما يتوافق مع فكرة المؤلف والمخرج عن المسرح كفنٍّ للعرض أو كمساحة للإبهار بقدر ما يختلف معها.يبقي الممثلون الذين تفاوت حضورهم علي الخشبة من زينة دكاش الأكثر عفوية وتلقائية إلي يوسف فخري المنضبط في إخراج انفعالاته بتحديد ودقة إلي زينة ليون التي بدا أداؤها خافتاً مقارنة بحضورها الشكلي. أما رندة كعدي فاستطاعت التمايز جسمانياً عن صورتها التلفزيونية. QMS0