شام ألفة الإدلبي
صبحي حديديشام ألفة الإدلبيليس أشدّ مدعاة لحزن الشام ـ كما يحلو لنا، نحن السوريين، أن نسمّي عاصمة بلدنا ـ من أنّ ألفة الإدلبي (1912ـ2007)، الروائية والقاصّة الرائدة، وأديبة الشام بامتياز، أغمضت عينيها للمرّة الأخيرة في صقيع العاصمة الفرنسية باريس، وليس وسط عبق الياسمين في حيّ الصالحية الدمشقي العريق، حيث وُلدت. وليس أكثر أسي في المغزي من أن ترحل الإدلبي في هذه الأيام بالذات: حين يتهيأ ضباع النهب إلي تهديم المزيد من تاريخ الشام العتيقة الحيّة والحيوية، تلك التي التقط أدب الراحلة العديد من معالم أحيائها وأزّقتها، وخلّد حياتها اليومية في أكثر تقاليدها أصالة، وأغني طقوسها وأعلي عاداتها تمثيلاً للإنسان وظاهرات العيش وشعائر الوجود. والإدلبي تنتمي إلي جيل أدب الخمسينيات السوري الذي شهد نهوضاً ملموساً، ومميّزاً تماماً، في عدد النساء كاتبات القصة والرواية من جانب أوّل، والنوعية الفنّية العالية والمفاجئة لتلك الكتابات من جانب ثانٍ. بين أبرز الأسماء كانت ماري عجمي (1888ـ 1965)، نازك العابد بيهم (1887ـ 1959)، وداد سكاكيني (1913ـ1991) صاحبة أروي بنت الخطوب الذي يُعدّ أوّل عمل نسوي جديرا بحمل صفة الرواية بالمعني الفنّي للمصطلح، وسلمي الحفار الكزبري (1923ـ 2006) وهذا هو الرعيل الذي سيمهّد الدرب لكاتبات الجيل التالي، الستينيات والسبعينيات، من أمثال قمر كيلاني، ناديا خوست، دلال حاتم، ليلي صايا سالم، غادة السمان، وسواهنّ.جيل الإدلبي كان قد مثّل أطوار التأسيس والريادة في الجانب الفنّي، كما تولي تقديم المزيد من مبادرات تحرير المرأة وانعتاقها في الجانب الاجتماعي، وراكم بالتالي الكثير من المدلولات الثقافية ـ السياسية الناجمة عن ائتلاف هذين الجانبين. وبالطبع، من المفيد التذكير بأنّ مجرّد توقيع امرأة علي قصة قصيرة، كان كافياً بذاته لكي يؤشّر علي اقتحام حقل ظلّ لزمن طويل حكراً علي الرجال، قبل أن يكتسب علي يد النساء صفات خاصّة لم تكن الريادة سوي مفهومها الظاهر والأكثر وضوحاً فقط. وأطوار التأسيس تلك كانت أيضاً مراحل متدرجة في ترسيخ الشكل وتطوير الأدوات والموضوعات، وكانت مجموعة الإدلبي الأولي قصص شامية ، 1954، هي الأنضج في مستويات فنّية عديدة تشمل تحرير اللغة من إسار البلاغة التقليدية، وتخليص الحكاية من التضخيم العاطفي الميلودرامي، واقتحام موضوعات شبه محرّمة، واعتماد ضمائر سرد متغايرة متبادلة الوظائف…وقصّة يا نايم وحّد الله ، من مجموعة يضحك الشيطان ، 1970، واحدة من أفضل ما كتبت الإدلبي في القصة القصيرة، بل هي ربما أحد أبرز النماذج الرائدة في الكتابة القصصية النسائية علي امتداد الوطن العربي بأسره، وليس في سورية وحدها. وعلي هذا الصعيد تحديداً، أي ريادة الإدلبي في القصة القصيرة النسائية السورية والعربية، نتذكّر أنّ القاصّ المصري الرائد محمود تيمور كتب، في تقديم قصص شامية : سوف يفرغ القرّاء من هذه المجموعة وقد اختلفوا أذواقاً وأهواء، تتفاوت مراتب إعجابهم بهذه القصة أو تلك، ولكنهم سيتفقون جميعاً علي أنّ كاتبة قصصية قد بزغ نجمها ي أدبنا العربي الحديث، وأنّ هذا النجم قد أخذ يبعث في عرض الأفق ضوءه الوادع اللمّاح . والحال أنه يصعب علي المرء، إذْ يقرأ هذه القصة البديعة العذبة، يا نايم وحّد الله ، أن لا يتذكّر العمل الفذّ قنديل أمّ هاشم ، للأديب المصري الكبير الراحل يحيي حقي. هي حكاية شرق وغرب، إذاً، ومنذ السطور الأولي تضعنا الإدلبي في سياق هذا التناظر: كان هو من صميم الشرق، ومن أقدم مدن العالم، كان من دمشق الخالدة. وكانت هي من العالم الجديد، من بلاد ناطحات السحب والإنسان الآلة. وحينما تزوّجا كان يحمل كلّ منهما في أعماقه أمنية تعاكس الأمنية الأخري . كانت ترغب في زيارة الشرق، أرض الأنبياء، ومهبط الوحي، ومنبع الأساطير ، وكان و قد بهرته مدنيّة بلادها يؤثر أن يظلّ فيها . وحين يروي الشرقيّ لزوجته الغربية تقاليد شهر رمضان، وتجربة الصيام الجسدية والروحية، وطقس المسحّر وطبلته وأغنيته الشائعة يا نايم أذكر الله، يا نايم وحّد الله ، واجتماع الأسرة في البيت الشاميّ القديم قبل مدفع الإفطار، وليلة القدر، والرقص الدينيّ ـ الصوفيّ الذي يؤدّيه رجال الميلوية . .. تقع ابنة الغرب في عشق هذه المناخات الشرقية الخلابة، وتحثّ زوجها علي اصطحابها إلي دمشق. وإذْ يفرح الأهل بخبر الزيارة التي يزمع ابنهم وزوجته القيام بها إلي دمشق، فإنّ أوّل قراراتهم من أجل الاحتفاء بالزائرين، وحُسْن استقبال الزوجة الأجنبية خاصة، كان… هدم البيت القديم وبناء آخر علي الطراز الحديث ! والإدلبي لا تكشف هذا المآل الدرامي العنيف، والمباغت تماماً، إلا في السطور الأخيرة من القصة. وهي في ذلك ترجيء توتّر السرد، وتسير في بناء عناصر الحبكة علي مهلها، بتؤدة بارعة وصبر مدهش، دون أن توحي البتّة بما تخبئه في الصدمة الختامية ذات الدلالات الثقافية والوجدانية المؤثّرة: الشرق يتصالح مع الغرب، عن طريق تدمير السبب ذاته الذي يجعل الغرب منشدّاً إلي الشرق.أليس في قلب هذه المفارقة الأليمة أنّ ضباع النهب الكاسرة وقطط الفساد السمان تعلن اليوم الرغبة في مصالحة دمشق مع الحداثة (الاستهلاكية، المبتذلة، المفتعلة)، عن طريق التهديم الهمجي لأوابد التاريخ في شام العمارة والمناخيل والقيمرية، شام الفة الإدلبي؟0