خمسون سنة من الاندماج الأوربي والجمود المغاربي
د.فتح الله ولعلوخمسون سنة من الاندماج الأوربي والجمود المغاربي يحتفل الأوربيون بالذكري الخمسينية لتوقيع اتفاقية روما التي أبرمت في 25 آذار (مارس) 1957، والتي أدت إلي ميلاد المجموعة الأوربية وأصبحت في بداية التسعينات هي الاتحاد الأوربي. فكرة الوحدة الأوربية برزت في القرن التاسع عشر وبشر بها فلاسفة ومفكرون مثل سان سيمون وفكتور هوجو… لكن من المؤكد أن المواجهة الحربية بين مكوناتها في الحرب العالمية الأولي والثانية، وبروز الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي كقوي صاعدة هي التي دفعت بعد الحرب مبـشرين جددا مثل موريس شومان وونستون تشرشل وجان مونيه للدفع بالمسار الوحدوي للمجموعة الأوروبية. ولا شك كذلك أن اضطرار البلدان الأوروبية للتخلي عن المستعمرات في آسيا وافريقيا، فرض عليها البحث عن أسس جديدة للتنمية الاقتصادية من خلال مسلسل الاندماج.بعد الحرب العالمية الثانية بدأ التقارب بين البلدان الأوروبية عن طريق مساعدات مخطط مارشال بتأطير من الولايات المتحدة، وعبر تعاون قطاعي في ميداني الفحم والحديد خاصة بين ألمانيا وفرنسا. لكن هذا البحث علي أساليب التقارب أدي في آخر الأمر إلي اتفاق روما بين ست دول وهي فرنسا، ألمانيا، إيطاليا وبلدان البنيليكس.في البداية كانت المقاربة التجارية هي السائدة والهدف هو تحرير المبادلات بين مكونات السوق الأوروبية المشتركة. لكن ابتداء من 1962، ظهر أن التبادل التجاري وحده لا يكفي لإطلاق العنان للدينامية الوحدوية المنشودة. ومن هنا أقرت أسس سياسيات قطاعية موحدة وعلي رأسها السياسة الفلاحية المشتركة التي خلقت أسس التآزر المصلحي بين مكونات البلدان الست. وخلال السبعينات وصلت أوروبا إلي مرحلة النضج فانفتحت علي انكلترا والدانمارك وايرلندا (أوروبا التسع) ومعها نوع من الانفتاح نحو التوجه الأطلسي. لكن هذا لم ينقص من المقاربة التشاركية التي أدت إلي إنشاء الصندوق الأوروبي للتنمية الجهوية، وجعلت من مساندة المناطق الفقيرة إحدي أسس التضامن الأوروبي في حين برزت مؤشرات التعاون القطاعي، خاصة في المجال النقدي والعلمي.ومع انتهاء عهد الديكتاتوريات في الجنوب الأوروبي حدث توسع ثان نحو اليونان ثم بعد ذلك إسبانيا والبرتغال. ودخلت أوروبا مرحلة اندماج متقدمة مع إقرار ما سمي بالعقد الفريد في 17 شباط (فبراير) 1986 الذي أقر تقوية المؤسسات وخاصة البرلمان الأوروبي واللجنة التنفيذية. وتأكد مسلسل الاندماج بسن اتفاقية شنغن التي أقرت التعاون في مجال انتقال الأشخاص والأمن. وجاءت اتفاقية ماستريخت في 7 شباط (فبراير) 1992 التي رسخت مسلسل السوق الداخلي ووطدت كذلك ما سمي بالحريات الأربع، أي تحويل السلع والرأسمال والخدمات والموارد البشرية وبه كذلك سن الإطار المؤسساتي الجديد للاتحاد الأوروبي الذي أدي في ما بعد إلي مسلسل إحداث عملة موحدة الأورو في بداية القرن الواحد والعشرين، علي الأقل بين مجموعة من دول الاتحاد الأوروبي. إن هذه التجربة، والتي تعدّ تجربة فريدة من نوعها في مجال الاندماج طوال القرن العشرين، تمكنت من فرض نفسها كنموذج انطلاقا من بعض المسارات الأساسية:* توافق في الانخراط الملموس في قيم مشتركة أساسها الديمقراطية وحقوق الإنسان. * تحرير مطرد للمبادلات وتوجه نحو تبادل موسع للخدمات؛ * إقرار سياسات تضامنية وتآزرية لصالح المناطق الفقيرة؛ * وضع أسس سياسات قطاعية مشتركة بدءا بالقطاع الفلاحي إلي مجال العملة إلي سياسة إنعاش البحث العلمي الهادفة إلي تحسين تنافسية المجال الأوروبي.هذا ما جعل أوروبا مهيأة مع نهاية التسعينات لتستقبل بلدان أوروبا الوسطي والشرقية بعد نهاية الاتحاد السوفياتي ليصبح المجال متسعا إلي 27 بلدا ومطوقا بطلبات انخراط عدة بلدان.لا شك أن الأوروبيين وهم يحتفلون بالذكري الخمسينية، يعيشون نوعا من القلق الناتج عن شعورهم بغياب العمل الوحدوي في المجال العسكري والمجال السياسي. وهذا ما برز من خلال غياب النظرة الموحدة والتحرك الموحد لأوروبا إزاء ما حدث في العالم في السنوات الأخيرة وخاصة بالنسبة لقضايا الشرق الأوسط واحتلال العراق. هناك قلق آخر يخترق المجتمعات الأوروبية ويـتجلي في عدم مصادقة بعضها خاصة فرنسا وهولندا علي مشروع الدستور الأوروبي.ومع ذلك فالمشروع الأوروبي هو الذي سمح لأوروبا خلال الخمسين سنة الفارطة، وبكل مكوناتها، بأن تصبح قوة أساسية في عالم اليوم وعلي الأقل هذا هو شعورنا. خاصة إذا ما قارنا هذا المسار الاندماجي الكبير مع وضع التفرقة والتشرذم الدي ما زال يخيم علي عالمنا العربي وطبعا علي رأسه مغربنا العربي. ذلك أنه في السنة القادمة سيكون لنا أن نحتفل بالذكري الخمسينية لإلتئام مؤتمر طنجة في 26 نيسان (ابريل) 1958 الذي انطلقت منه فكرة تجسد بناء المغرب العربي حيث اجتمعت قيادات الأحزاب الوطنية الثلاث لتؤكد ضرورة الدفـع بالعمل الوحدوي المغاربي.فهذه الفكرة برزت في باريس منذ العشرينات داخل أوساط الطلبة المغاربيين ثم في القاهرة في الخمسينات بين حركات التحرير في تونس والجزائر والمغرب. ولقد وظفت كأداة لمواجهة الحضور الاستعماري المشترك في المنطقة، حيث خرج اجتماع طنجة بتوجه جوهري حول مساندة الثورة الجزائرية، وهو الذي كرس تأجج العمل التحريري بالجزائر وساعد علي إنشاء حكومة الجمهورية المؤقتة الجزائرية برئاسة الرّاحل فرحات عباس. لكنه في ذات الوقت استوعب ضرورة التعاون المغاربي بعد استقلال الجزائر كمنطلق لتحسين القوة التفاوضية لبلداننا إزاء المسلسل الاندماجي الأوروبي. واستقلت الجزائر في حزيران (يونيو) 1962 ومباشرة بعد ذلك بدأت المواجهات بين المغرب والجزائر، مواجهات حول الحدود لكنها أخذت بعدا سياسيا وإيديولوجيا ملحوظا منذ ذلك الوقت. وبعد معارك الرمال حاولت البلدان المغاربية بين 1964 و1970 أن تحدث مسلسل تعاون اقتصادي لم يكتب له النجاح، نظرا لعمق الخلافات حول الحدود طبعا وحول أنماط الحكامة وحول التوجهات الاقتصادية والإيديولوجية المعلنة.في 17 فبراير 1989 تـم الإعلان عن إنشاء اتحاد المغرب العربي في مراكش بعد لقاء قادة كل من المغرب، موريتانيا، الجزائر، تونس ولـيبيا. لكن لحد الآن وفي الواقع الجميع يعرف أن الأشياء لم تتقدم. فجاء إقفال الحدود من جديد في آب (غشت) 1994 بين المغرب والجزائر ومعها بروز استمرار التوتر بين البلدين ليـتـوقف المسار المغاربي وينطوي كل بلد علي نفسه، مما أوقف كل مساهمة في خلق دينامية جهوية والانتفاع منها. لذلك فإن المقاربة التي جاء بها المغرب اليوم، مقاربة إقرار الحكم الذاتي بالنسبة للأقاليم الصحراوية والتي تنخرط في مسار استراتيجية المصالحة والإصلاح التي يعرفها المغرب، هي أداة ونداء لإقرار المصالحة بين مكونات المغرب العربي، وهي بالتالي فرصة جديدة لكي لا نخطئ الموعد مجددا مع التاريخ كما اخطأناه في بداية الستينات وأواسط السبعينات وطيلة الثمانينات والتسعينات. وبالنسبة لمستقبل هذه المنطقة، ونحن نري ما حدث خلال الخمسين سنة الماضية في الجانب الشمالي للبحر الأبيض المتوسط، لم يبق من حقنا أن نخطئ الموعد ونحن ندشن بداية خمسين سنة جديدة في عالم لا يعرّف إلا بالمجموعات الإقليمية لتمكين مكوناتها من مواجهة تحديات العولمة، وتأثيرات التكتلات الاقتصادية في العالم غربا وشرقا. ہ وزير المالية المغربي8