النص التشكيلي في تجربة عدنان معيتيق: بين ملحمية التكوين ومعاناة الهوية الحضارية

حجم الخط
0

النص التشكيلي في تجربة عدنان معيتيق: بين ملحمية التكوين ومعاناة الهوية الحضارية

عبد السلام أبوخزامالنص التشكيلي في تجربة عدنان معيتيق: بين ملحمية التكوين ومعاناة الهوية الحضاريةالبشر يفرون في اتجاهات شتي، كأن الشارع بعد حين سيخلو، لكنه يبقي هكذا، فيه البشر يفرون في اتجاهات شتي، ولا يخلو.وأنا هنا / هناك.. امتطي الرؤي العابرة، أداهن المرور المغبر لساعات النهار المفضية إلي تشرب الانخطافات المتتابعة لمكونات اللوحة قبالتي.. اللوحة متغيرة في مضامينها، تمد خطوط الاتصال في عنف، بحيوية مطردة للتواصل في مجال الرؤية.ففيما بين انفعالية الحركة المفترضة للتكوينات (العناصر)، والدلالة الرمزية للتكوينات الجزئية المترابطة في مجموع التكوين الكلي للوحة، يوجد الفنان مجالاً خصباً للاتصال اللامتناهي مع اللوحة، بممارسته الإسقاط الفلسفي المكون لمساحات التواصل المتواسعة طردياً إلي ما بعد اللوحة، مع المطروح المتعامق ذاته.فما الدلالة الرمزية لتكوين عنصر الجسم مبتور الأطراف، في حركة تفاعلية انسيــــــابية مقصودة إلي ما بين الخفوت باتجاه خلــــفية اللوحة، وميله الجانبي باتجاه فراغ المحيط في انحناءة مجهَد، إلا إسقاطاً لمضمون (العجز) اللامعقول، عن بلوغ المأمول بتشكيل ملمح الـ(فعل الحضاري المعاصر) لهوية الفنان الحضارية.ما تؤكده الدلالة الرمزية لتكوين الثور ذي اللون الأحمر، بحركة (مفترضة) (القوة الحركية الكامنة في عنصر التكوين) في اتجاه ما بين تكوين العنصر السابق وبين جانب فراغ محيطه المعاكس، بحركة افتراضية أخري ملتوية مع التفاتة رأسية للرأس في وضعية رغبة انقضاض دائري، علي الذات الملونة بالأحمر، عبر الضحية المرموز لها بالجسم المبتور الذي يسير علي أطراف نهائية مرموز لها بالسحاب كأنه يسير في هذا الفراغ الأبدي وحيداً حائراً يبحث عن أشياء يعلمها ولا يعرفها، هذه الحركة المؤكدة أمام خلفية انتشــــرت خلالها عناصر رموز ساكنة مُفعِـــــــلة لتكوين حركة الثور (المفترضة) والمتفاعلة مع فراغه المحيط، وكأن الثــور (الأندلسي) ذا اللون الأحمر، هذا الحيوان الذي يعتبر رمزاً واضحاً في التفكير (الميثولوجي)، وقصص ألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة، يقبل ويتراجع في حركة انفعالية، مكبلاً داخل ذاته في المكان المحدد بإِحْكَام تكوينه، والمحبـوس ضمن الزمن المعين المرموز له بدائرة الضوء السليط، كما ترصد لنا العيون المتوجة بأسي مشوب بالألم في اتجاه مجال الرؤية من اللوحة، أحاسيس عاطفية أصيلة في تكوين العنصر، وهنا يبدو الإسقاط الثاني واضحاً لحالة احتباس (الفعل الحضاري) لهوية الفنان الحضارية في زمن الماضي.هذه الانحناءة الرمزية المشتركة بين النقيضين في البعد المنظور والتكوين الجزئي، المتكاملين في البناء الكلي للنص التشكيلي في اللوحة، تُوجد تكوينا لقوة حركية افتراضية أخري مقصودة ضمن إطار النص التشكيلي، مجالاً تري فيه بوضوح مفردات تواصل تحت الإنجاز المرموز له بالزهرة القائمة المُجهدة، في منتصف الفراغ التقابلي بين كلا طرفي تكوين مجال الحركة المشتركة، وكأن الفنان يرصد حالة من الاستيعاب الجمعي لهذا الطرح الفلسفي من خلال هذا البناء في سردية ملحمية متتابعة المرور من خلال عموم البناء والتكاوين المتكاملة في بناء النص التشكيلي.فبالإمعان الإيجابي في هذه اللوحة ذات العلاقات الغريبة حسب ما تعودناه من أحاسيسنا البدائية، إذ ان اللوحة مشبعة بالأحاسيس (الميتافيزيقية) الجديدة، نري صاحب النص يقدم لنا حقيقة الإدراك الحسي عند الفنان، الذي يكون دائماً في نمط الإنسان غير العادي، حيث ملئت أحاسيس البشر بكل ما هو جديد وثائر علي ما حققته رغبة المتزاحمين علي مصالحهم، المتناسين لدقيق المشاعر التي ينشدها ويصر عليها الفنان عدنان معيتيق من خلال تجربته التشكيلية، التي تتسم بعذوبة التفكير نحو أرقي المشاعر الإنسانية المعذبة بأفكارها وأحلامها.إن اللوحة من حيث التعبير المجازي الفني تعتبر تخيلاً يفوق الخيال الواقعي، فهي ليست بالخيال وليست بالحقيقة، بل هي شحذ ذاتي للفنان يصب بكل أحاسيسه الجوانية والعاطفية فيها مرة واحدة، ونستطيع إدراك التعبير الحسي عند عدنان بأنه إحساس مجازي ليس لهُ بديل آخر، بمعني أن الحس عند عدنان ليس هذا الحس الإنساني العادي، الذي يتداوله الإنسان في حياته اليومية المعاشة، ولكن حسه هو فقط الذي يملكه وقد رشح من خلاله هذا الحس البشري (الجمعي)، أي أن إحساسه هو إحساس الآخرين، وقد يكون طرح إحساسه بهذه اللغة التعبيرية أو لنقل النصية التشكيلية في تجربته غير المرتهنة لأسلوبية مدرسية معينة، طرحاً متأصلاً في ذات الفنان، لما يملكه من مخزون ثقافي متفاعل وفاعل في آن واحد، مع ذهنية متفتحة علي ملامح الآخر الثقافي، وسيولة حسية طبيعية يختفي وراءها هذا الوجدان المعبر عن الحالة الثقافية لمواطن الشرق الخاضع بلا انقطاع للتعقيم والإخصاء الفكري إما نتيجة لقمع أو لهيمنة ثقافة مزورة في ظل تغييب منطق الحوار، هذا الشرق الحالم في طفولته بمستقبل تندرج داخله أمةٌ وشعب في أمسّ الحاجة إلي بناء الذائقة الحسية العالية، وعدنان في تجربته هذه إنما يثري الإنسان داخله، مع سبق الإصرار والتحري بكل المقومات الإبداعية للفنان والفن، فهو ونحن علي أبواب عالم نسمع عنه، يقودنا بأسلوبيته الإبداعية إلي لغة نقدية جديدة لقراءة النص التشكيلي، تعيد القراءة تدريجياً من حضارة الشخص إلي حضارة النص.فعدنان من هنا يتجول بخفة المحترف وحركة المتيقن حول الأفكار والأحلام والمعاناة البشرية، ويعبر عنها بصياغة تجريدية تلهب المشاعر الخفية فينا، لكي ينير لنا ظلام الليل وظلام العقل، ويشف العقيد إلي بسيط بحسٍ يحمل أحاسيس أمة تخرج علي التاريخ إلي أبواب التاريخ.وليبقَ عدنان معيتيق ياقوتة الوطن الزرقاء.ناقد وتشكيلي ليبيQTS0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية