نساء فلسطينيات في الانتفاضة (1)
باسماً قالها، وعيناه تحوطانني بالدفء والحنان، ثم ودعني وطبع قبلة علي جبيني ومضي، فقد كان علي موعد مع اللهباحث: مواقف المرأة الفلسطينية ينبغي أن تشعل الضوء الأحمر لدينا فمعنويات الفلسطينيين غير قابلة للتآكلنساء فلسطينيات في الانتفاضة (1)غسان دوعرهذه دراسة ترصد مواقف الامهات اللواتي فقدن ابناءهن في عمليات استشهادية ومواقفهن وتحلل عبر درس مسحي مواقف النساء المدفوعة بالحماس والحس بالفقد والشعور الوطني واجواء الانتفاضة، وتستند علي مواقف ووصايا الشهداء الذين قرروا القيام بعمليات استشهادية ضد الاحتلال الاسرائيلي. واهمية الدراسة تكمن في بعدها التوثيقي، اذ انها تقدم عددا من تمظهرات وردود الافعال بين الحزن والفجيعة والفخر، ولانها ترصد فصلا من تاريخ الانتفاضة الثانية، ومواقف النساء الفلسطينيات منها، حيث يطلق الشعب الفلسطيني علي المرأة التي تفقد ابنا استشهاديا اسم الخنساء تيمنا بالشاعرة العربية المعروفة. القدس العربي مدرسة الحياةفي أجواء الاحتلال والخوف والقهر، تُختصر حياة الأمهات في صور أبنائهن، وتغدو المسيرة كلها محطات متلاحقة لأطفال يولدون، ثم يكبرون يوماً إثر يوم، والعين والقلب والروح تحرسهم من رحيل إلي رحيل، ومن مدرسة إلي أخري، ومن طرف إلي آخر. ولئن أحدثت انتفاضة الأقصي المبارك نقلة نوعية هائلة في الفكر والنفسية فقد شقت الأم الفلسطينية طريقها لتتبوأ مكانتها الرائدة كمكون أساسي من مكونات الجهاد والانتفاضة والمقاومة.ولإدراك حقيقة الدور التربوي والأخلاقي للأم الفلسطينية، يمكن الإشارة إلي الأعداد الكبيرة من الشباب المتدين الطامح للجهاد والشهادة، المبادر للتضحية والفداء عن الأرض والعرض والمقدسات، المرتفع دوماً إلي مستوي التحدي، والجاهز للمقاومة والتصدي، وبقي علي عهده مع الله ووعده مع شعبه وأمته حتي فاز بالشهادة. وتظهر الكلمات الأخيرة لهؤلاء الشباب ووصاياهم التي خطوها أنهم يصنعون الحياة عبر بوابة الاستشهاد. وفي هذا السياق، يأتي الاستشهادي إسماعيل المعصوابي ليعكس في وصيته التي تفيض صدقاً وإيماناً توجهات جيل انتصر علي نفسه، وهانت عليه الدنيا، فجعل من جسده ودمائه جسراً للحرية والخلاص، فيتحدث بلهجة حازمة وواثقة قائلاً: إن حب الجهاد والاستشهاد قد ملك علي حياتي ونفسي ومشاعري وقلبي وأحاسيسي… وإنه من الصعب بمكان علي النفس التي تذوقت حلاوة الجهاد، واستعذبت المعاناة علي طريقه، وسعدت بتجرع الغصص علي جادته، أن تستريح إلا في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر .أما الاستشهادي نبيل فرج العرعير، الذي نفذ أول عملية استشهادية في انتفاضة الأقصي، فقد خط في وصيته قبيل انطلاقه: اسألك بالله يا أمي بأن تزغردي، نعم زغردي يا أمي، فان هذا اليوم يوم عرسي الذي كنت أتمناه منذ أن عرفت الشهادة في سبيل الله… أبي الحبيب: أوصيك بأن تكون أسعد الناس في عرسي هذا، وأن تقوم بالترحيب باخواني الذين يأتون إليك ليهنئوك بعرس ابنك نبيل الذي لم يمت، بل غادر إلي حياة جديدة مع الصديقين والنبيين والشهداء… عماتي الحبيبات: أسألكن بالله أن تكن بجوار أمي الحبيبة، أسألكن بالله أن تفرحن، وأن تزغردن وتوزعن الحلوي علي كل إنسان .هذه النماذج الرائعة وغيرها مما حفل به التاريخ الفلسطيني الحديث، وراءهم أمهات عظيمات أرضعن أولادهن لبن الجهاد والمقاومة والوفاء للدين والوطن والمقدسات، وغرسن في نفوسهم المباديء والأخلاق السامية، وزرعن في كيانهم قيم الثبات والإخلاص والتضحية. وكانت رعاية الأبناء، وتربيتهم التربية الجهادية الحقة، وإرسالهم إلي ساحات الوغي وميادين القتال مع العدو الصهيوني، أحد الأدوار البارزة التي لعبتها الأم الفلسطينية إبان انتفاضة الأقصي المبارك. وظن الكل أن هذا أقصي ما يمكن أن تقدمه الأم الفلسطينية، أن ترسل ابنها لكي يقوم بعملية فدائية ويستشهد، ولكن العالم وقف مبهوراً أمام ظاهرة أم نضال فرحات وأم محمود العابد وأم محمد حلس وغيرهن ممن احتضنت ابنها، ورعت جهاده، وباركت سعيه، ووقفت تودعه بكل عظمة وجرأة وشموخ علي أعتاب تنفيذه العملية، دون أن يبدر عنها أي تردد أو يخالجها تراجع أو نكوص، بل قالت لابنها وهي تودعه: ها هو الموعد أزف، وأنا أنتظر أن تعود إليّ شهيداً . وبعد أن قبلته بحرارة ودعت له بالتوفيق، قالت أم نبيل لابنها الاستشهادي محمد أحمد حلس، وهي تحتضنه وتقبله: كن صامداً وصبوراً وصابراً، وجه سلاحك بدقة في وجه الأعداء… خذ أمتعتك ولا تترك للأعداء الفرصة لقتلك قبل أن تثأر منهم لأبناء شعبك وأهلك . وكذلك كان حال نعيمة العابد، والدة الشهيد محمود حسن العابد، التي ودعت ابنها، وتابعت الأخبار حتي تتأكد من نجاحه في اقتحام المستوطنة، وحين علمت باستشهاده وزعت الحلوي ودعت النسوة إلي عدم البكاء علي الشهيد.خنساوات هذا الزمانخنساوات بلا عدد يقدمهن هذا التاريخ الفلسطيني الجديد، ومع كل واحدة منهن تنبت حكاية من رحم الجرح؛ لكنها تتمدد علي نحو أروع في فضاء من البطولة لا ينتهي، فيما لا تعدم الخاتمة الكثير من الحزن والقهر الذي لا يفضي إلي اليأس، في وعي أمة تدرك أن الدنيا محطة للآخرة، وأن الآخرة خير وأبقي للذين يتقون وعلي ربهم يتوكلون. ولذلك، وقفت أم نضال فرحات تصرخ ببيان الفصحاء ودماء الشهداء وعزم المجاهدين، لتؤكد للعالم كله أن فلسطين، من البحر إلي النهر، حق لن يتنازل عنه شرفاء الأمة، حين قالت: لا توجد أم في الدنيا يهون عليها ابنها، ولكن في سبيل الله ثم تحرير الوطن ترخص كل الدنيا. إذا أنا منعت أبنائي من الجهاد، وهذه منعت، وتلك منعت، فمن الذي سيدافع عن الإسلام وفلسطين، ويحرر الأقصي .ولعل الحياة التي تحياها الأم الفلسطينية تصعب الأمر علي الذي يحاول الكتابة في هذا الموضوع، فأي الكلمات ستعبر؟ ومن أين سنبدأ في الكتابة؟ فكلها محطات من الصعب المرور عليها مرور الكرام. ولربما الحزن في عيني أم صبحي، والدة الشهيدين والأسير لا يمكن وصفه، فكلمة الحمد لله التي خرجت منها ثم تبعتها دموعها، كانت كافية. فقد استشهد ابنها الأول صبحي أثناء تصديه لأحد الاجتياحات الصهيونية لمدينة رفح، وبعد فترة هدمت قوات الاحتلال منزلها في حي السلام علي الحدود الفلسطينية ـ المصرية، واعتقل في اليوم ذاته ابنها الأصغر سامي، ووجهت سلطات الاحتلال له تهمة الانتماء للمقاومة. ولم يتوقف سيل التضحية عند هذا الحد، فبعد فترة فقدت أم صبحي ابنها الثاني محمداً، وهو يؤدي واجبه الوطني بإسعاف المصابين. ولم يستطع جسم والد الشهيدين والأسير تحمل هذا كله، فوافته المنية بعد استشهاد محمد بأقل من شهر، لتبقي أم صبحي وحيدة في المنزل الذي استأجرته. جيني تونغحين قالت النائبة البريطانية عن حزب الأحرار جيني تونغ في اجتماع عقد بمجلس العموم: إنها لو كانت فلسطينية لسعت للانضمام إلي الفدائيات، فإنها لم تكن وحيدة في تفهمها لحقيقة التحدي الوجودي الذي يهدد الفلسطينيين. فقد كان هناك وعي بتلك الحقيقة بين بعض الإسرائيليين أنفسهم، ففي حديث أدلت به الكاتبة اليهودية إيلانا هوفمان للإذاعة الإسرائيلية، قالت: إنه من النفاق أن يدعي عدد من قادة الدولة استهجان أن تقوم أم فلسطينية بتنفيذ عملية ضد قواتنا. رغم أنه من الطبيعي أن يهب أي إنسان لقتل أولئك الذين يقتلونه، ويسلبونه الحق في العيش بكرامة، ولا يتغير الأمر كثيراً إذا كان الفاعل شاباً أو رجلاً أو طفلاً أو عجوزا، أو أماً ترعي أولادها .لم تكن إيلانا هوفمان وحيدة في شعورها بالخطر من اتساع ظاهرة قيام الأمهات الفلسطينيات بإرسال ابنائهن لتنفيذ عمليات استشهادية، إذ ان قيادات سياسية وعسكرية إسرائيلية رفيعة المستوي شاركتها القلق من تنامي هذه الظاهرة. وواصلت وسائل الإعلام العبرية الكتابة حول ذلك، معتبرة أن ظاهرة الأمهات أوصلت رسالة كبيرة من الخوف والهلع إلي نفوس المجتمع الإسرائيلي ، علي حد تعبير الكاتب الاسرائيلي إيغال سيرنا الذي كان يعلق علي مشهد أم نضال فرحات، وأضاف سيرينا: إن ما قامت به أم فرحات ينذر بمستقبل سيء لإسرائيل. لأن من يشاهد هذه المرأة وهي تودع ابنها بكل هذا الحماس، يصل إلي قناعة مفادها أنه لا يمكن إخضاع الشعب الفلسطيني بالقوة مطلقاً . وأما الكاتب الصهيوني شاؤل بريمان، فقد كتب: إن ما تمثله هذه المرأة ينبغي أن يشعل الضوء الأحمر في دوائر صنع القرار الإسرائيلية. فهذا الحادث يدل علي أن معنويات الشعب الفلسطيني غير قابلة للتآكل . وأضافت امرأة إسرائيلية وقد تملكتها الدهشة والإعجاب في أم نضال فرحات: ما هذا الدين، وتلك العقيدة التي تدفع هذه المرأة لكي تسلك هذا السلوك؟! أحد ابنائي جندي يخدم في منطقة الخليل، لكني تمنيت لو أني لا أعيش في هم حتي آخر يوم في حياتي .وتمضي صحيفة يديعوت أحرونوت ، فتقول: 120 استشهادياً واستشهادية لا يشكلون ظاهرة هامشية، بل يعكسون نموذجاً اجتماعياً يجسد الثقافة الفلسطينية الجديدة، إنها ظاهرة تحظي بتأييد الشارع الفلسطيني وقياسه ليس في استطلاعات الرأي فحسب، وإنما عبر مظاهر الفرح التي تلي كل عملية، وفي جنازات الاستشهاديين، وفي صورهم المعلقة في كل زاوية بالشوارع، وفي الأغاني التي تمجدهم. وتنعكس تعابير هذه الثقافة أيضاً، في المؤتمرات، وفي المسيرات التي يشارك فيها عشرات لابسي الأكفان الذين يعلنون: نحن اللاحقون. وكذلك في المدارس، وفي المخيمات الصيفية التي تقام في مناطق السلطة الفلسطينية. وخلال الشهرين الأخيرين، انضمت إلي مجموعة المشجعين أمهات الشهداء أيضاً، إذ يزداد عدد الأمهات اللواتي يتصورن مع أولادهن قبل خروجهم لتنفيذ العمليات، فيشجعنهم ويباركن طريقهم. فيوم السبت الماضي، وقبل خروج محمود العابد من بيته في حي الشيخ رضوان في غزة لتنفيذ العملية في مستوطنة دوغيت، التقط صوراً مع أمه وسلاح الكلاشينكوف، وبعد مقتله لم تحزن، بل علي العكس لقد احتفلت، ووزعت الحلوي علي أبناء عائلتها. كما فاخرت والدة حمزة السمودي من قرية اليامون بابنها الذي نفذ عملية مجدو في الخامس من حزيران (يونيو)، وقالت: لقد أراد حمزة إدخالي إلي الجنة، إنه يحظي بالنساء بحسان الجنة… لقد عاش ومات كالبطل.الشارع الفلسطيني يسمي والدة الشهيد الخنساء، تيمناً بالشاعرة العربية المعروفة الخنساء التي عاشت زمن النبي محمد، وشكلت مثالاً يحتذي، إنها بالنسبة للفلسطينيين مثل حانا وأولادها السبعة عند اليهود. وهذه الثقافة البطولية أحدثت انقلاباً في المجتمع الفلسطيني، ذلك أن العمليات الاستشهادية لم تعد تعتبر عمليات تنم عن اليأس أو الخيبة والانتقام، وإنما أصبحت عمليات تزرع الأمل. وحسب مفهومهم، فإن الهدف من الاستشهاد ليس هو القتل من أجل القتل، وإنما وسيلة من أجل تحطيم قوة الصمود الإسرائيلية، وتقويض المجتمع، وتدمير الاقتصاد، وإسقاط حكومة شارون، وإجبار إسرائيل علي تقبل شروط الفلسطينيين المتعلقة بالحل الدائم. ويشعر الفلسطينيون أنهم نجحوا في إحداث هزة أرضية خفيفة شقت الجدارين الاجتماعي والاقتصادي في إسرائيل، إنهم يؤمنون أنه مع بذل المزيد من الجهود سيحققون انهيار إسرائيل. لقد قال احد قادة حماس: إن الاستشهاديين هم السلاح الاستراتيجي من أجل تحقيق الردع والتوازن، الفلسطينيون يخلقون حياة جديدة عبر بوابة الاستشهاد .نودع الشهداء بالزغاريدالبطولة في الشعب الفلسطيني أنه كله صاحب بطولات، فليس الشباب أو منفذو العمليات هم أصحاب البطولات فحسب، بل ثمة تاريخ خاص تكتبه الأمهات في فلسطين، تاريخ لا يدركه مرددو مقولة المرأة نصف المجتمع أو الذين لا يعرفون المعني الحقيقي للأمومة والبطولة. فمع صعود البطل نحو معارج الشهادة، تبدأ بطولة الأمهات والزوجات ولا تنتهي إلا بتسليم الأمانة والالتحاق بالرفيق الأعلي، وشوق لقاء الأحبة يطير بالروح إلي عليائها. والجلد والصبر الذي تبديه الأمهات تجاه استشهاد أبنائهن لا يقتصر علي الصبر والسكوت والرضا بقدر الله، بل إن ثمة فرحاً وغبطة يكتنفان بعض النساء، وهذه درجة أعلي من الصبر، وهي تعبير أكبر عن أصالة الهدف لديهن. وبهذه الروح ردت ام عماد الزبيدي علي الصحافيين الذين جاؤوا ليبلغوها بأن ابنها هو الاستشهادي الرابع. وبدل أن تصرخ بوجههم منفعلة باكية، بدأت تزغرد فِرحة تتمني استشهاد أبنائها الآخرين، وزادت من ذلك أن خرجت في اليوم التالي، لكي تهتف بمسيرة ابنها الرمزية، وزادت أكثر عندما كبرت وحثت الجماهير علي المقاومة والاستشهاد في حفل التأبين.لقد مثلت أم الشهيد عماد الزبيدي النموذج النسائي الفلسطيني المقاوم، فالصبر جزء من المقاومة. ذلك أن هذا الدور للأم الفلسطينية يتفوق علي مقاومة الرجال بالحجارة والهاون والرصاص، لأنه يتعلق أساساً بالقاعدة المعنوية والأرضية الأولية التي تؤهل أشبال ورجال فلسطين للانطلاق نحو المعركة.وفي المقابل، تتحول بيوت التعازي لقاعات أفراح يقدم فيها التمر، وتصدح أصوات المنشدين بالنشيد والحداء المعبر عن الفرحة بالشهادة، وتمجيد الشهداء، وكأن الأمر تحول إلي عرس حقيقي. ولذلك، فاجأت والدة الشهيد جاسر سمارو النساء عندما كانت في استقبال المهنئين بقولها: أنا اليوم استقبلكن بعرس الشهيد، فهو لم يتزوج في الدنيا، وتزوج في مكان آخر هنيئاً له . ولم تختلف والدة الشهيد نسيم أبوالروس عن أم جاسر، عندما انطلقت الزغاريد من فمها لدي دخولها إلي ثلاجة الموتي في مستشفي رفيديا لتودعه فور علمها باستشهاده اغتيالاً علي يد القتلة، وأخذت تبارك له بالشهادة، في لوحة صمود تضاهي تلك التي قرأنا عنها في تاريخ الصحابيات الجليلات وصبرهن.كذلك مثل الشهيد عمر سلمان عابد حالة جهادية قائمة بذاتها، فقد استقل سيارة أجرة خاصة للذهاب إلي حيث المواجهات بالقرب من مستوطنة نتساريم، وطلب منه السائق شيكلاً نظير توصيله، إلا أن والدة السائق التي كانت تجلس بجوار ابنها عرضت 20 شيكلاً مقابل عدم توصيل الشهيد؛ فقام السائق بإنزاله من السيارة خوفاً عليه، إلا أن عمر أصر علي الذهاب؛ فاستقل سيارة أخري، وذهب إلي موقع المواجهة، ورشق الحجارة باتجاه الجنود الصهاينة. فقامت طائرة مروحية إسرائيلية بإطلاق النار عليه حتي ترجل شهيداً إلي عليين. ومثلت والدته حالة جهادية مماثلة، حين أكدت عزمها علي المضي قدماً، وبذل المزيد من التضحية من أجل تحرير القدس، وقالت: لقد زغردت مرتين، الأولي عند زفافه إلي عروسه قبل ستين يوماً فقط، والأخري أمس تكريماً للشهادة التي نالها من ربه، والتي سيدخل بها الجنة إن شاء الله . وما قالته أم الشهيد عمر سلمان لم يختلف عما قالته أم الشهيد عرفات الأطرش في الخليل، حيث قالت: ابني مهم بالنسبة لي، ولكن الأهم أن تحافظوا علي القدس والأقصي وحائط البراق .ما اجمل هذه الترنيمة حينما تطل من شفتي أم صابرة قدمت فلذة كبدها إلي العلياء، واستقبلت خبر استشهاده بالفرح والسرور! ولمثل هذه الأم حكايات تتجاوز بكثير روعة الاستشهاد، كأم الشهيد هاني أبوسخيلة التي استقبلت نبأ استشهاده بالرضا عليه وبالثناء والحمد لله علي استشهاد ابنها، ثم جلست تتحدث بنبرة قوية وهمة عالية، ويقين راسخ، رسوخ الجبال الراسيات، تقول: الحمد لله، هذا قدرنا، كلنا نتمني الشهادة في سبيل الله . وحين أتوا بابن الشهيد الرضيع، قالت بصوت عال: هذا ابن كتائب الشهيد عز الدين القسام، هذا هاني الزعيم رقم 2، سيكمل المشوار بعد أبيه!! هذا الطفل أمانة في أعناقكم، لازم يكون عضواً في كتائب الشهيد عز الدين القسام . البيت ليس مهماً ولكن المهم محاربة المحتلين:تميزت انتفاضة الأقصي المبارك بتأثيرها الاجتماعي، بمعني إحياء إيواء المجاهدين واحتضان الانتفاضة والمقاومة، حيث أخذ الشعب نصيبه من قوله تعالي: ( وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَـئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ). وكان لتبني هذا الركن الأساسي وتحمل تبعاته أن غدا إيواء المجاهدين ظاهرة بطولية تعطي مادة نادرة لمن يشرحون آيات الإيواء في سورة الأنفال وآيات النصرة في سورة الحشر. فلقد صبغت دماء الشهداء حياة الشعب الفلسطيني بأسره، إذ لم تكتف بعض الأمهات بالصبر علي فقدان ابنها، بل شاركت في تجهيزه في جهاده، وأخذت توصيه وتشجعه، حتي أضحت رؤية مشهد والدة شهيدين وأسيرين ومطارد، وهي تعطي الأمة كلها درساً في رسالة المسلم في فلسطين، فتقول: أنا لا تهمني الدور، والذي بناها يبني غيرها، فظفر طفل صغير تساوي كل الدور وكل الأرض . ومرة أخري، تثبت الأمهات في فلسطين أنهن لسن ككل الأمهات، ففي انتفاضة الأقصي المبارك غدت تلك الأم الشابة مدرسة للبطولة، حين دخل أحد الشبان إلي بيتها، فلحق به جنود الاحتلال مقتحمين البيت، فما كان منها إلا أن دفعت بابنها ليأخذوه بدلاً من ذلك المجاهد.كل أم فلسطينية لها ألمها ومعاناتها، لها قصة تدمع العين وتبكي القلب وتشغل الفكر. فأم علاء سنافرة، وهي والدة أحد قادة المقاومة، ولها ابن آخر أصيب خلال المواجهات مع الجيش الصهيوني، تقول لمراسل صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية بعد قرار وزير الدفاع الإسرائيلي بالتوقف عن هدم منازل منفذي العمليات الفدائية: حتي عندما هددوا بهدم منزلنا، وحتي بعد أن هدموه قلت لابني: كل الإسرائيليين وكل استخباراتهم لا يساوون حذاءك، ليذهب البيت، ابق كالشوكة في حلوقهم وقلوبهم . وتضيف أم علاء سنافرة: منذ أن هدموا البيت، تحولت حياتنا إلي جحيم بعد أن فقدنا خصوصيتنا، وتحولنا إلي عبء علي أقربائنا، لكن ولا في أي مرحلة، ولا في أي ثانية، ونحن في هذه المحنة لم أتهم علاء بهدم المنزل. نحن فخورون بما يفعله علاء ورفاقه، ونطلب من الله أن يحفظه هو ومن معه، إنهم يقاومون من أجل قضيتنا… إنه وقبل هدم المنزل اعتاد الجيش والشاباك اقتحام البيت وتوجيه تهديد للعائلة بأن البيت سيهدم إذا لم يسلم علاء نفسه… لم أفكر إطلاقاً في إرغامه علي تسليم نفسه من أجل إنقاذ البيت، الإسرائيليون لايريدونه حياً، إذ انهم كانوا سيقتلونه لو سلم نفسه، لم تنفع كل تهديداتهم، ولم نفرق بيننا وبينه. أخذنا بالحسبان بأن هذا سيكون مصيره، لكن هذا الثمن الذي من المفروض أن يدفعه شعبنا، أقدر ابني كثيراً وتضحيته بحياته من أجل كفاحنا العادل. البيت ليس مهماً، المهم أن يبقي الشباب سالمين، ويواصلوا محاربة المحتلين .عطاؤها بلا حدودالاشتياق، الحنين، كلمات ربما لا تعبر عما في قلب أم الشهيد؛ فما بداخل هذه الأم أكبر من هذه المعاني، فهي التي حملت وأنجبت طفلاً عاشت معه ساعة بساعة ولحظة بلحظة، تتمني أن تراه رجلاً تفخر به أمام الناس، ولكن رصاصات أنهت هذه الأحلام وقضت علي شاب كان أمل والديه. والأم الفلسطينية معني مختلف عما يعرفه البشر، هي رمز العطاء اللامحدود، قدمت فلذة كبدها مرفوعة الرأس عالية الهمة تزغرد يوم تزفه إلي الجنة وتبكي حين تخلو بنفسها! قلبها يتمزق وتبدو صامدة قوية تنافس الخنساء في صبرها، تواصل تربية أبنائها علي حب فلسطين؛ الأم الحقيقية لكل متعطش للحرية، لكل طالب للشهادة لكي تضمه بصدرها الواسع، ثري الوطن. ومن هنا، أثارت الأم التي تظهر علي قسمات وجهها علامات الفرح عندما يبلغونها بشهادة ابنها حيرة العالم أجمع، فمنهم من فسرها علي أنها نعمة من الله تعالي لأنه ينزل الصبر والرحمة علي قلب الأم ولا يجعلها تشعر بمرارة هذا الفراق. وأما الذين لا يؤمنون بهذا القدر، فقد فسروها علي أنها أم قاسية القلب متحجرة المشاعر، ترمي بفلذة كبدها للموت دون أي رحمة أو شفقة. ولهذا سنبدأ بحديث أمهات الشهداء عن هذه التجربة المختلطة المشاعر، كيف حدثت وما وقعها عليهن، وكيف استطعن التعايش معها؟ عيون ملؤها بريق حزن، ونظرات حملت في طياتها آلاف المعاني، وتنهيدة قلب مذبوح خرجت من صدر أم الشهيد عماد أبوسمهدانة (22 عاماً)، الذي نفذ عملية فدائية في مستوطنة موراج، فبدأت حديثها بالقول: إن ولدي فدائي، قام بتنفيذ عملية فدائية داخل موقع عسكري إسرائيلي، إنه جندي فارس، دخل الموقع وقال لجنود الاحتلال: نحن جئنا لننتقم لإخواننا الشهداء؛ أنا لا أريد البكاء علي ولدي، بل إنني فرحة والسرور يملأ قلبي، لقد رفع رأسي في كل الحي، وكرمني عند ربي بأنه استشهد في سبيل الله ، واستكملت أم الشهيد عماد كلماتها قائلة: إن جيراني في حيرة مني، لأنني لم أبكِ ولدي كثيراً، ولكنني أقول: إن الجرح في القلب، وإنه ولدي نعم، أي أنه روحي وأكثر، ولكنه أحب لقاء ربه، فهل أبكي لذلك؟ بل إنني صامدة صابرة، وأدعو له بان يلقي إخوانه الشهداء. نعم، إن دماء ابني روت أرض فلسطين، وربي يصبرني علي ذلك الحزن والحرقة التي تمزق قلبي؛ وعيوني تلتهب تريد أن تنفجر بكاء، ولكنني وإن بكيت فإنها دموع الفرحة، لأنني أم الشهيد الذي تحدي الاحتلال وأوفي بعهده مع ربه .وبلحظة صمتت تلك الأم الفلسطينية، ونظرت بشموخ إلي السماء، وقالت: إنه ولدي وفلذة كبدي، إنني أفتقده، ولكنني أقول: لو كان بمقدوري كامرأة أن أذهب للمشاركة في مقاومة الاحتلال فإنني لن أتأخر لحظة واحدة، ولكن كل ما بيدنا كأمهات فلسطينيات هو أن ننجب هؤلاء الأبطال . نعم، إنها الأم الفلسطينية التي أنجبت الأبطال، فأم الشهيد خالد أبوعلبة أكبر أبنائها وكان عمره 15 عاماً الذي استشهد خلال مواجهات مع قوات الاحتلال في بلدة بيت لاهيا بشمال مدينة غزة، جسدت هذه المعاني بكلمات بسيطة لتقول: كثيراً ما تشاجرت مع خالد قبل استشهاده، حتي إنني قمت بحبسه داخل غرفته ومنعته من الخروج، لأنه كان يذهب كثيراً لكي يلقي الحجارة علي جيش الاحتلال مع رفقائه، كنت أخاف عليه من أن تصيبه نيران قوات الاحتلال التي لا تعرف الرحمة ولا تفرق بين الصغير والكبير؛ من داخلي أتمني الشهادة لي ولأبنائي، ولكن يظل الخوف والفزع يتملك الأم من أن تفقد فلذة كبدها وهي التي تعبت في حمله وولادته وتربيته، ولكن هناك أيضاً ايماناً بأن حب الله والوطن والمقاومة هي فرض علي كل مسلم، ولكني كنت أري ابني خالد أنه ما زال صغيراً لا يقدر علي هذه المواجهة الغير متكافئة، ولكن قدر الله ومشيئته أقوي وأكبر من أي شيء، فقد كتب لابني أن يستشهد، ولا أنكر أنه دائماً طلب هذا الشيء، وكان دائماً يقول لي: إننا شعب محتل ونحن جزء من هذا الشعب، فلماذا لا نشارك جميعاً في مقاومة هذا الاحتلال حتي يذهب عن أرضنا؟ فهذه الحجارة التي أقوم برميها عليهم كثيراً ما تقوم بإصابتهم، وما ادراكي؟ ربما تكون هي السبب في جلائهم، وهنالك شيء آخر إن الذي يموت وهو يدافع عن بيته وأرضه هو شهيد عند الله، فما أجمل هذا، ولذلك لا اطلب من الله إلا أن يتقبلني شهيداً . تتذكر أم خالد هذه الكلمات، ووجها يضيء بابتسامة، وحين سُئلت: كيف استقبلتِ هذا النبأ؟ وكيف استطعت أن تقومي بضبط عاطفة الأمومة؟ أجابت: لا أنكر بأنني أصبت بصدمة في بداية الأمر، لأن خالد كما قلت سابقاً ما زال صغيراً، ولم يكن ينضم إلي مقاومين، ولم يكن يخطط لتنفيذ أي عملية ضد قوات الاحتلال. فقد كان مثل بقية الأطفال يقوم برجم الحجارة، فقد ظل خالد ثلاثة أيام في مستشفي الشفاء علي اثر إصابته البليغة في رأسه، واستشهد في اليوم الرابع، فهذه الأيام الثلاثة مرت علي وأنا في حالة ذهول، لم أكن أدري ماذا يحدث، ولم أستوعب حقيقة ما جري، فقد كنت أري ابني أمامي وما زلت حتي الآن أراه بجواري، فابني شهيد حي عند الله، فما أقسي مرارة الفراق، ولكن ما أحلي الصبر والإيمان الذي يلف قلب المؤمن بالله! وهذا ما شعرت به عندما جاؤوا لي بخالد لكي أودعه قبل دفنه، فقد وجدت نفسي أقوم بقراءة القرآن عند رأسه، وأقوم بتوديعه وكأنه نائم، فما كان أجمله في هذه اللحظة، صدقوني ليس من السهل علي الأمهات أن يعشن لحظات فراق أبنائهن، ولكن الأعظم من هذا هو الصبر الذي ينزله الله علي قلب الأم والذي يجعلها تري ابنها في كل دقيقة تحياها، هذا ما جعل الابتسامة تضيء وجهي وقت وداع ابني، وهو الشيء الذي جعلني لا أقبل التعزية، بل كلمة مبروك ، لأنه عرس ابني الذي جاء مبكراً .اللي من الله يا محلاه:هذه الكلمة التي قالتها أم الشهيد نائل شحدة اللداوي (22 عاماً) وهي تتحدث عن ذكري ولدها الذي استشهد بتاريخ 22 تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2000م، وتقول: 22 سنة عشتها مع نائل، كل يوم فيه ذكري، ابني نائل هو البكر. كان أول فرحة فرحتها، كان نور عيني، ولكن أنا سعيدة بشهادته في سبيل الله وسبيل الوطن . وتضيف والدة الشهيد حسني، التي استشهد ابنها البكر (23عاماً) أثناء قصف قوات الاحتلال لبناية في منطقة الشيخ رضوان بمدينة غزة، في حين اعتقل ابنها الأصغر سناً علي (21 عاماً) معني جديداً من معاني الصمود والصبر، فتقول: الشيء الوحيد الذي يعزيني هو إيماني بالله، وأنه قدر كتب علي كل مسلم، وأن ابني لم يمت إلا شهيداً. فلوعة الفراق يعيشها كل إنسان، فما بالك بالأم التي حملت ابنها وأنجبته وكبر وترعرع أمام عينها؟ فليس من السهل أن تخسره بين يوم وليلة، ولكن الآن وبعد انقضاء فترة علي استشهاده يزيد الصبر داخلي الذي أنزله الله علي منذ استشهاد ابني، وشيئاً فشيئاً أصبحت أكثر قوة وعزيمة وصبراً بإذن الله، وقد عدت حديثاً من عمرة أديتها طلبت من الله أن يجزيني بها خيراًُ ويعوضني عن لوعة فراقي لأولادي . بإمكانك يا أمي أن تنجبي آخرين، وعندك الآن ستة أولاد يكفيك منهم ثلاثة، وهبي لله ثلاثة . وتكمل والدة الشهيد مهند سويدان حديثها، حيث عششت مشاعر متداخلة، ربما الحزن، وربما الفرح، ولكن المؤكد أنها كانت مشاعر بطعم الصبر: باسماً قالها، وعيناه تحوطانني بالدفء والحنان، ثم ودعني وطبع قبلة علي جبيني ومضي، فقد كان علي موعد مع الله، وذهب ليلقاه شهيداً مساء يوم الخميس 21/6/2001م في كمين نصبه له جيش الاحتلال أثناء محاولته تسلق جدار مستوطنة كسوفيم جنوب مدينة غــــزة . وتتحدث أم مهند عن ولدها مفاخرة، وشاكرة للـــــه علي قضائه: الحمد لله الذي شرف ابني بشــــهادة في سبيل الله، فقد أوصاني ألا أبكي عليه، وإذا رزقني الله بطفل فلتسميه يحيي تخليداً لذكري الشهيد يحيي عياش. فقد كان مهند يحب الشهادة ومكانة الشهداء .7