عن الموافقة والمغالبة ومعارك الإرهاب

حجم الخط
0

عن الموافقة والمغالبة ومعارك الإرهاب

عادل الحامديعن الموافقة والمغالبة ومعارك الإرهاب ما ان تقذف بي تصاريف الزمن اللندني الذي اغتالت بعض جمالياته أدخنة العراق السوداوية، حتي ألجأ إلي صومعتي وأجدد اللقاء مع الكتاب العربي الذي تراجعت قيمته مع الفتوحات الإعلامية المتواصلة، لأستعيد بعضا من الأيام الخوالي، يوم كان صدور كتاب يقيم الدنيا ولا يقعدها، فقد غدا الكتاب العربي اليوم كما صناعه ورواده غرباء علي العصر، وضيوف ثقال علي الشاب العربي، الذي حاصره الاستبداد الفكري والثقافي والسياسي والاقتصادي من كل جانب، ولم يعد أمامه إلا العلامة الصورية ليقف متسمرا أمامها يرثي زمانه ويكتم أحلامه حتي علي أسوار بيته، خوفا من زوار ليل أصبحت قوانين مكافحة الإرهاب الدولية تبيح لهم كل المحظورات… لن أكتب عن وزارات التربية والتعليم في عالمنا العربي ولا عن وزارات الثقافة، أو الثقافات عفوا، وعمن يتولونها ويخططون لها ولبرامجها وللمعايير التي يستندون إليها، فتلك قصة كارثية لم تنتج لنا إلا أشباه مثقفين، وملثمين مستعدين لفعل انتحاري لا سبب له إلا رد الفعل علي ضيق مساحة الرأي، وسيطرة رأس المال الإقتصادي العلماني علي كل دواليب الدولة، حتي لكأنها ليست عربية، وإنما أجنبية تنساب إلي جسم الثقافة العربية عبر شرايين الدولة ومواردها الاقتصادية المقتطعة من لقمة عيش المواطن…عندما أقدم المتطرف المتلبس لبوس الدين علي ما أقدم عليه ذات يوم من ايلول (سبتمبر) عام 2001 في الولايات المتحدة الأمريكية، وقف العالم كله صفا واحدا ضد الإرهاب، ورصدت أموال طائلة لمكافحته وتطويقه وتخليص البشرية في كل أنحاء العالم من ويلاته. يومها نطق الليبراليون قدماؤهم وجددهم واليساريون بمختلف انتماءاتهم والإسلاميون المعتدلون بصوت قائلين: إن تحويل إدارة الخلاف من مستواها الفكري والسياسي إلي مستواها الأمني والعسكري كارثة ما بعدها كارثة ولذلك لا بد من المواءمة بين المعالجة الأمنية والسياسية، فكانت فكرة الديمقراطية الفاتنة التي يسيل لها لعاب العرب وأشقائهم من أبناء العالم الثالث.. وانطلق فريق من النخبة الأمريكية وأنصارها من العرب والمسلمين للترويج إلي المشروع الديمقراطي بديلا عن الظلامية المتمردة والزاحفة للسيطرة علي العالم…الدم الأمريكي الحرام الذي انساب في نيويورك وواشنطن يوم الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) اللعين، تداعت له قارات العالم كلها، لكن الدولة العربية أبت إلا أن تتعاطي مع هذا الإنذار الخطير وفق رؤيتها التليدة، لا أريكم إلا ما أري ولا أهديكم إلا سبل الرشاد الواحد الأحد، فقد شددت من قبضتها الأمنية وخاضت حروب داحس والغبراء ضد خصومها ممن ثبت أنهم ذوو أصول فكرية إسلامية أو أنهم غامروا يوم كان يحق لهم أن يغامروا فارتادوا المساجد، مستغلين بذلك انشغال العالم المتقدم برسم سياسته لمحاربة الإرهاب وأهله، واستخدموا في معاركهم المباح وغير المباح، فكانت وزارات التعليم والإعلام والثقافة وكل ما يتصل بها تحت تصرف التنويريين الذين لم يتركوا مجالا إلا غزوه، حتي الذوق الفني العربي الأصيل الذي يحن لصوت أم كلثوم أو محمد عبد الوهاب أو ناظم الغزالي والشيخ إمام وغيرهم، قطعوا أوصاله وأحالوه إلي الرفوف…غابت الثقافة ومنع التساؤل وأغلقت نوافذ الكلام في المسجد والصحيفة والإذاعة والتلفزيون، بل وحتي في المقاهي التي اعتاد المثقفون أن ينسجوا فيها خيوط مقالاتهم وكتبهم، وأغلقت مواقع الانترنت الجادة أمام المثقفين العرب، إلا ما تعلق منها بقصائد المدح وأمثالها من التي تضحك الحاكم ولا تبكيه… لا أريد بذلك النبش في السيئات العربية، وترك المحاسن، فما كانت مهمة الصحافي ذات يوم تقتصر علي الرثاء، فلطالما أشعل شمعة وسط الظلام، ونظر إلي الخفي من الأحداث، ونبه إلي مواطن الخلل..أقول ذلك وأنا أتابع بألم شديد كيف يقبل شاب مغربي في مطلع عمره علي ارتداء حزام ناسف، ليدخل مقهي للانترنت قبل أن يقدم علي تفجير نفسه فيرحل إلي الديار التي لم يعد من الذاهبين إليها أحد، ويجرح أربعة آخرين… الحادث لم يكن مفاجئا لأجهزة الأمن المغربية المتربصة بالإرهابيين، فقد سبق أن رفعت درجة تأهبها إلي أعلي مستوياتها، وحذرت من أنها لا تستبعد إقدام بعض الظلاميين وأعداء الحداثة والتنوير الذي يقوده المغرب علي توجيه ضربة قصد عرقلة عجلة الإصلاح والتحول الديمقراطي الذي بدأه المغرب منذ جاء العاهل المغربي الشاب محمد السادس إلي الحكم، بل وقبل ذلك حين بدأ التفكير في لجان الإنصاف والمصالحة، لتعويض المتضررين من العهد السابق…شاب في مطلع العقد الثالث من العمر، وفي المغرب الأقصي، حيث قادة المعارضة القدامي وشعراء الحداثة والحرية يقودون الحياة السياسية والثقافية والإقتصادية والأمنية، حتي لكأن المغرب الأقصي تحول إلي واحة للديمقراطية لا يظلم فيها أحد، يفضل الموت منتحرا بحزمة من المفجرات عن الحياة تحت ظلال الديمقراطية الفاتنة… تعجبت للأمر وأنا الطائر المهيض الجناح المسافر بحثا عن تربة تمنح لمدادي أن ينساب من دون خشية مقص الرقيب، أو زيارة الغرباء في أواخر الليل، حتي حط بي الرحال في قلب عاصمة من عواصم أمة النبي عيسي عليه السلام، حيث أمكن لي أن أجلس وأتأمل مشهدنا السياسي والعربي والإسلامي من علي البعد… وأعيد قراءة أسس ثقافتنا العربية الإسلامية المتسامحة المعتدلة التي أشرقت بضيائها علي العالمين، كيف تنتهي في القرن الحادي والعشرين إلي إنتاج انتحاريين فارين من جنة الديمقراطية والتنوير إلي بطن الأرض، وفي أذهانهم أن جنة ملؤها الأرض والسماوات في انتظارهم…لا دين في السياسة، ولا سياسة في الدين، موقف أجمع عليه قادة الفكر المتنور، وفريق من الإسلاميين الذين ذهبوا إلي اعتبار أن تسييس الدين أضر بالإسلام والمسلمين أكثر مما نفعهم، وأن الأمة العربية والإسلامية تحتاج إلي عقد اجتماعي مدني يحفظ للمتدينين حقهم في ممارسة طقوسهم الدينية، ويوفر لأمثالهم ممن ارتضي العقل مرجعا مكانا مناسبا للفعل والمساهمة من دون مضايقة ولا ترهيب… لكن السلطان العربي والإسلامي لم يستطع أن يتخلي عن دوره الديني، فهو حامي الحمي والدين، وهو خليفة المؤمنين، وهو الراعي الأول للشعائر الدينية، من دون أن يعترض أي أحد علي أن هذا يمثل مظهرا مصغرا لاستغلال الدين في السياسة، إذ ما ضر رئيس الدولة أو ولي أمر المؤمنين لو كان مقتنعا بأن الدين لا علاقة له بالسلطان أن يجعل صلاته واحتفالاته الدينية بينه وبين ربه، فلا يظهرها للناس علي أساس أنها التزام من الدولة الرسمية للاستمرار في حماية الدين، ومع ذلك لا دين في السياسة!هذا الدين المناسباتي تحول في كثير من الأحيان إلي سبب مباشر للصراع السياسي، واستحال في أحيان كثيرة إلي نوع من الطلاق البائن بين الدولة وأجهزتها المتقدمة، ونخبها المفكرة المتنورة، التي نهلت من أكبر جامعات العالم تقدما وتنوعا، وبين غالبية المجتمع العربي الغارق في همومه الحياتية اليومية، غير آبه بخطاب مستورد عجزت وسائل الإعلام وعدسات الكاميرا التي تنقل للمشاهد العربي صورا أقرب للمشاهد التمثيلية أكثر منها للخطاب العقلاني الواقعي، وفشلت هي وما معها من آليات الإغراء المختلفة في إقناع الرأي العام بمفرداته، وبدا العالم العربي في لحظته الراهنة كما لو أنه يقف علي فوهة بركان قابل للإنفجار في أية لحظة، حتي ولو كانت القيادات الفعلية والواقعية لهذا الإنفجار لا توجد إلا في المخيلة الوهمية لغالبية أرهقتها سنوات الجفاف الفكري والمادي، فألقت بطموحاتها بين أكف قيادات سياسية ودينية ظنتها جسرها إلي الرفاه…ليست الساحة العربية والإسلامية سوداوية علي هذا النحو الذي أبدته فاجعة الدار البيضاء في المغرب الأقصي، فقد حملت أخبار المشرق بشري سارة يوم أن اصطف قادة الحياة السياسية الفلسطينية من مختلف الطوائف والمذاهب خلف اسماعيل هنية الذي لم ير حرجا ولا مانعا من أن يحافظ علي إطلاق لحيته ويرتدي معها رباط عنق أحمر اللون في غير خوف ولا تردد ليعلن بعد البسملة وحدتهم في وجه المخاتلة الإسرائيلية والممانعة الدولية لشعب ليس له من ذنب إلا أنه استجاب لنداء الدول المتقدمة، في الاحتكام لصناديق الاقتراع فقرر أن يجربها… لكنه تمني لو أنه لم يفعل فلا كان الحصار ولا كانت حروب غزة ولا كانت معارك رام الله… بل ولما كان الاقتتال الداخلي علي مغانم سلطة زائفة لم تأت للفسطينيين إلا بالحروب والمعارك…نقطة ضوء جاءت بعد عناد سياسي احتكم فيه الخصوم للسلاح، وتحول فيه الفلسطينيون من خيار المغالبة إلي خيار الموافقة بعد أن سالت الدماء وجرت في أزقة غزة، لكنه مع ذلك كان التحول الفلسطيني مبكرا وهم تحت الاحتلال، لكنه في باقي الدول العربية المحررة لا يزال في البداية، وسجونها تشهد أنها لم تبرح بعد متردم ما أريكم إلا ما أري.ہ كاتب وإعلامي تونسي يقيم في بريطانيا8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية