الكتابة والجسد: أيّ رهان لسلوي النعيمي؟
أحمد المدينيالكتابة والجسد: أيّ رهان لسلوي النعيمي؟من يفرغ من قراءة كتاب الأديبة سلوي النعيمي الجديد برهان العسل (دار رياض الريس، بيروت، 2007) سيجد نفسه مرتبكا بأسئلة شتي، متنازعا بين اعجاب، وحيرة، وقلق، وغيره، وفي كل حالة له ما يبرر موقفه، أو طبيعة تلقيه.ذلك أن تلقيّ الكتابة، وهذا النوع من الأداء التعبيري الذي انخرطت فيه كاتبة لا تريد أن تحفل بالمألوف سلفا، عنادا وتحديا، لا يفلح في مرماه/مراميه، الا اذا وجد الحظوة المتوقعة علي المستويات السيكولوجية، والخلقية ـ الثقافية، في بيئة معينة، والأدبية، من غير شك، ان أدخلت في الحساب، ولا مناص من ذلك، طالما النص يتنزّل أو ينزله مؤلفه مقام الرواية.من البداية تراهن صاحبة النص علي التلقي، ايجابيا كان أو مضادا، دعك من الاواليات المعرفية والفنية التي يختص بها منتوج هذا الفعل كوضع نصي؛ تلق ُمحرَّض بالاستنفار، للحواس (اللبيدو) والذاكرة (التراث)، والمخيال (المكبوت والممنوع) وصولا الي المعيش (خلقا ومواضعات) هي التي تدخل أخطر مناطق التراث (Territoire) الثلاث المحرمة، زعما، عند العرب، المعلومة بـ الدين والجنس والسياسة بنيّة مواصلة خلخلة ما تراه في قلبها، نعني بنية الجنس أو بالأحري اثاراته وكوابحه، امتدادا الي رغبة تسفيه بنيةِ استعماله الجسدية والثقافية المركّبة، والخاضعة، تبعا لذلك لعديد المكونات حسب المرحلة التاريخية وفي اطارها.سينصرف ذهن من يقرأ حديثي الي أنني أكتب عن أطروحة، لنقل عن مداخلة نظرية أكثر من أي شيء، لا عن نص يحسم غلافه، جدلا، بتجنيسه، نعني رواية ، بما يفترض البدء بطرح أسئلة أسبق وأجدر. والحق ليس أنا، ففي فعل التلقي المعلوم لدي ايزر و ياوس ، معا، يقتفي المتلقي خطي النص الي حد معين ليعيد انتاجه عبر تركيبه مجددا بالتأويل، التأويل العارف، طبعا. انها المؤلفة التي تستهل كتابتها بفرضية، لا، بل باقرار لا تترك فيه مجالا، فسحة شك حيث يرفرف الخيال عادة، بقولها: هناك من يستحضرالأرواح، وأنا أستحضر الأجساد. لا أعرف روحي ولا أرواح الآخرين، أعرف جسدي وأجسادهم . (ص13). وبحكم المعرفة المعلنة بلا تحفظ ودون أيّ تنسيب تنطلق سلوي النعيمي في سرد قصتها، وعرض ــ دعم أطروحتها في آن، هما عندها يتبادلان الأدوار ويتكاملان، لنتعرف علي بطلتها المؤشرة بضمير المتكلم، لنسمها (س، أو ن أو هما معا!) كيف عبرت، تعبر أجساد الآخرين، حسب تصريحها، واستعملتهم، عبر جسد كلي يحمل اسم شخصية، ربما رمز، تدعي المفكر ، معه ستتعرف علي عالم الشهوة أو اللذة الجنسية، واشتعالات الشبق بأشكال وأوضاع، ومن خلاله ستستدعي ذكريات وتنسج خيوط حكايات تطرّز حكايتها الأصل مع تشخيص جسدها، استعرائها، الجهر بالاستعراء والاستلذاذ أكثر من تشخيصهما ما دامت نيتها، ومنزعها، أيضا، أن لا تمارس، بالأحري أن تتنكب طريق البورنوغرافيا، مع اعلان ولاء صريح لا غبارعليه لنزعة الباهولوجيا من باب التحدي أو السخرية. ولا شك أن القارئ الذي سيبحث عن قصة بالمعني التقليدي، عن أي سرد ذي حكاية وحلقات متماسكة بالتمثيلات المعروفة للرواية لن يظفر بكثير، فالكاتبة رغم ورطة التجنيس تبدو من البداية غير معنية بهذا المنزع، وهواها في جهة أخري، وان وُجِد سردٌ فجله للتسويغ، نعني للدفاع عن أطروحة جدارة الجسد، والاحتكام الي برهان العسل (مكمنه، باللذة، الايلاج، بعلامتهما الخ..) أواستنادا الي قولة لابن عربي (هكذا!) أنا العسل بالدلالة الموظفة هو برهانه (كذا).قولة تراثية، منتزعة من سياق، تضاف الي أقوال، عبارات، توصيفات عدة متخللة تلوينات تارة، وسنادات تارة أخري، نحتاج الي تجميعها كلها، ومنها نصنع متنا مستقلا، أو نحاول باعتبار أنه يتعذر تكوين متن منسجم وذي منطق داخلي من أمشاج، اذا أردنا أن نستقرئ حقا البنية العميقة التي يصدرعنها، لا الأقوال، ما يجري مجري الأمثال، أو الأوصاف السائرة علي أي لسان، لكن هذه مسألة أخري. هذا المتن علي علاّته قرأته صاحبة النص، وهو حافل بالمعاني التي تمجد لذة الجنس، وتعلي من الشهوة الجسدية، وتتوفر علي قاموس خصوصي للأعضاء الجنسية ولأوضاعها ومظاهر الشبق المخصوصة بالجماع، سواء ما هو مبذول في كتب متداولة، أو دفين في بطون كتب التراث، حسب ما تعرض له من مواضيع. تستعيده بطلتها (س.ن) أمامنا نحن القراء (من نحن؟) لتقنع نفسها، وهي التي تتوهج بعلاقتها الشهوانية مع عشيقها المفترض المفكر الذي لن نعرف عنه شيئا، لا لون، لا قامة، لا ملامح، الي أن يرحل عن حياتها، سوي أنه لا يكف يدخل و يخرج فيها ليذوق في كل مرة عسلها من عسيلتها، ويزيد ويستعيد ـ هما معا ـ طلبا للبرهان؛ هو عضو جنسي، دون أن يكتسب تلك الشخصنة الفريدة، كما في رواية ألبرتو مورافيا العجيبة أنا وهو ، وليس المطلوب منه ذلك لأنه تعلة، مطية لتمجيد اللبيدو أولا وأخيرا. بيد أن ما تعتني به الكاتبة، عبر بطلتها، ان لم يتماهيا تماما في تلك اللعبة الأجناسية المسماة التخييل الذاتي، لهو الكتابة علي الطرس ((Palimpsete اذا أخذنا في الحسبان والاعتبار، أيضا، أننا ازاء نصين، يتساندان ويتبادلان الدور والتأثير للتأكيد والبرهنة علي أنه:ــ لا شيء الا الجسد، وأمر الروح غير وارد، بما يعني طرد النزعة العاطفية، وكل رومانسية. الحب للروح والشهوة للجسد(…) لا روح لي (…) كنت أعرف أني جسدي فقط (…) جسدي هو ذكائي ووعيي وثقافتي. من يشتهي جسدي يحبني. من يحب جسدي يشتهيني. هذا هو الحب الوحيد الذي أعرفه، والباقي أدبيات (35).ــ ومنه، لا شيء الا الشهوة العسل دليل قوة الحياة ، اعلاء للـ ايروس ونبذا لـ التناتوس . ــ كان العرب والمسلمون قديما ـ حسب المتن المكون ـ جسدانيين، شهوانيين، ونصوص ديانتهم، وأدبهم (بالمعني العام للأدب) حافلة بالعلامات الدالة، وغير طهرانية، متسترة، كما يدعي الخطاب الديني الرائج حاليا، فالعبرة، اذن، بالأصل الأصيل لا الفرع الزائف والمشوه. ــ و قياس الشاهد علي الغائب هذا، كما عند الفقهاء، يفترض أن يعيد الأمورالي نصابها، فيقر بطبيعة الوجود الحقيقية عند البشرية جمعاء، منها العرب والمسلمون كافة، حسب الكاتبة أو بطلتها؛الطبيعة التي لم ينبذها القدماء وينبغي أن يعاد لها اعتبارها.ــ الطرس اعتراه الخدش، بل المحو، وساده ادعاء الحياء واخفاء العلامة، الأيقونة الشهوانية، فلزم التصحيح والترميم، بتكليم المسكوت عنه، وفضح الخلق الزائف، وتسميةالأشياء بمسمياتها انصافا، عند الكاتبة للطرس، من جهة، ولحق الجسد، الحياة، الواقع، ثقافة الجسد، من جهة أخري.يتم تنفيذ هذه الأغراض وسواها، المعلن والمضمر، والمتوهم، أيضا، بالكتابة علي الطرس، وهي مسطرة سجلها القدماء، مثلا، في باب السرقات، للألفاظ والمعاني، (سنتذكرهنا أباتمام، خاصة) واستعادهاالنقد السيميائي الجديد من منظور جيرار جنيت ، في كتابه الشهير بالاسم ذاته، مع الفارق، طبعا، ولذا نكتفي بالتلميح علي تصريح، لوشئنا، سيطول. وهو ما اختارت له سلوي النعيمي لونين من الكتابة:1 ـ تطريز النثر الحديث، ـ وحتي تلغيمه، بالسرد المفترض، بالمتن القديم.2ـ وضع هذا النثر الملغم، أي ستر معانيه وفواحشه بانزياحاته القصوي (كذا) بالباسه، ستر عورته، يا للمفارقة، بالشكل السردي، وكما الرجال لباس للنساء للستر والحماية، يهب الجنس الروائي ـ اقرارا بالموضوع علي غلاف الكتاب ـ ليحوي الجنس الأنثوي، ويمظهره، يصّنعه في لبوس التخييل، وعندئذ ستخرج كاتبة النص من الباب الواسع، كما نقول نحن المغاربة، الذين عرفنا، منذ الأزل، كتاب الروض العاطر ، قبل أن يقيم حوله عبد الكبير الخطيبي، وجماعة ثقافة الجسد، تلك القيامة التي كانت منذ عشرات السنين قائمة في جامع الفنا بمراكش، بأجمل حكيٍ، وأمهر راوٍ، وبألطف الصور، وعلي رؤوس الأشهاد! فيما نري أن أهم ما في صنيعها هو كتابتها بالجسد وعليه، وانه لرهان صعب حقا أن نحول الجسد نصا، وبالعكس، لامجازا، بل بتحقيق جسدنة فائقة للغة، للكتابة، لقول يتخطي عتبات كلٍّ توافقيٍّ، الي آخر قائم بذاته، تعبيريٍّ بحسه وفي آنه، ويجازف في الأفق المدلهم للأحكام والتقويمات المعلّبة عن الأخلاق والحب والسلوك القويم، وعن مفهوم ووضع المرأة تحديدا. ان نص برهان العسل هو بالضبط محاولة القبض علي هذا الرهان كيفما كانت النتائج، لا يعير مجترحه أهمية لها، بالأحري يعلم سلفا أنه أحرق السفن وهو يشهر في وجه مجتمع، قراء مفترضين كالعادة، زيفه وغروره، وشوهات فحولته الخرقاء مطرزة علي جلد النص المسحور.لنقل انه ِقصاصٌ وردّ للصاع صاعين من نفْس فاض احتقانُها بغبن لا طاقة بعد علي احتماله عن صورة رجل، ذكورة، فيزيقية، وفحولة تسلطية اجتاحت أمما وثقافات، وانطبعت علي نسيجها الفكري والابداعي، ومنذ العقود الأخيرة وهي تولد ردود أفعال، منها الحركات النسائية بعديد منازعها، وفيها الكتابة سجالية كانت أم تعبيرا أدبيا أو ما في حكمه.حين يصل القارئ الي نهاية نص برهان.. سيتأكد من نزعة الكاتبة، وربما يتخفف من أسئلة ووساوس شتي ساورته، متراوحة بين همّ الرؤية الأعمق ترسب في قاع كل كتابة متمكنة، وبين مطلب الاحكام الفني لدي من يشغله وسواس الفن، ليصادق علي قول (س.ن) أو ضمير المتكلم لا يجد مناصا من الاعتراف في خاتمة الكتاب: يخطر لي، وأنا أعيد قراءة ما أكتب، أن المفكر كان حيلة من حيل الكتابة وأنه لم يوجد أبدا، ولذلك لا بد لي من أن أخترعه . (ص147). سأعوض كلمة حيلة تحيل الي الخيال، بكلمة ذريعة تحيل علي الحِجَاج (Argumentation) وتبويب الكتاب (أحد عشر باباً) علي الطرزالقديم، انسجاما مع التضمينات المتناصة أو المحشورة، والسجال العقيدي اللغوي مضافا اليه محاولة تجفيف الاستيهامات كلما طفت علي الواقع، والالحاح علي واقعية تشييئية، وغيره، هو لنظم المكتوب في السلك الحجاجي أو قول الجسد بمنطقه الشكلي، لا بمنهجه/ مناهجه، طبعا. الأمرالذي يقود قارئا تقليديا، أي محترفا، مثلي الي اعتبارهذا النص ـ وستظهرمفارقة صارخة لصاحبه ـ عملا أخلاقيا، ذلك أن كل ما يأتي ليضاد ويناهض سلوكا، عقلية، أخلاقا بعينها في الأخير، ولا علاقة لهذا بأي مضمون أو أحكام قيمة، دعك من العبارات ـ اللافتات ـ الشعارات، كل كتابة من هذا القبيل هي بدورها أخلاقية، خلافا لمن سيتعجل بنعتها بالاباحية أو الاستعرائية الفجّة، وصولا الي الاستنساخ الاستشراقوي لكسب جمهورمن طينة معلومةالخ..واذا كان هذا هو رهان سلوي النعيمي، فانها ستضطر قارئها الي تلقي مكتوبها بمسطرة ايديولوجية الحركات النسائوية، ما سيحشر النص في زاوية دعاوية، وان كان رهانها روائيا فلا مندوحة من الاحتكام الي أدوات واجراءات هذا الحقل، أما ان قصدت الجمع بين الحسنيين فذلك رهان آخر، وفي الأحوال كلها فأي رهان هو صعب، والمثل المغربي يقول: من أراد العسل، ليصبر علي قرص النحل! .كاتب من المغربQMK0