ظاهرة اللسان الداشر
نادر قريطظاهرة اللسان الداشرنقل عن جحا قوله: عن أبي عن جدي عن كتب الحكمة عن أخبار الأولين سمعت: أن الواقف ليس كالجالس، والصاحي ليس كالنائم، والجائع ليس كالشبعان، واللابس ليس كالعريان…بهذه المقدمة (الفلسفية العتيدة) أؤكد عظمة الموروث الذي أخبرنا أيضا أن الكلام (ببلاش) وأن كثيرا مما تصوغه الأقلام، لا يزيد دلالة وعمقا، عما ذكره جحا (رضي الله عنه).. وامعانا مني في البلاهة، أحيطكم علما (خصوصا لمن يجهل لهجات أهل الشام) بأن لفظ الداشر (في العنوان)، يعني السائب أو الفالت، والولد الداشر يعني بلهجة أهل مصر: الواد الصايع، والبنت الداشرة، هي الماشية علي حل شعرها.. وقبل أن أدخل الموضوع أستميحكم عذرا فيما لو تدشرت قليلا، أوانزلقت في فلتان لساني… فالقضية برمتها قد تخرج عن حدود المنطق والمألوف!!لا أخفي بأني مواظب علي قراءة مسلسل ظاهرة اللسان الداشر للدكتورة وفاء سلطان، وانتظر بلهفة مقالاتها، لأشبع جوعي ونهمي للمعرفة، ولاأخفي أن الحلقة السادسة والسابعة قد شدّتني أكثر من غيرهما، وجعلتني أتيقن أن القضية دخلت عالم الطرافة والدعابة، وبوسعي من الآن وصاعدا، أن أشتري كيسا من البوب كورن (الذرة) أثناء القراءة، وأحذو حذو الأمريكيين في صالات السينما!! فالقضية لا تتعدي كونها تسلية بتسلية.تقول الحلقة السادسة (حرفيا): الواقع الذي يعيشه أي انسان هو نتاج حتمي لسلوكه وتصرفاته، وهذه نتاج حتمي لبنات أفكاره، فلكي تغير الواقع عليك أن تسعي لتصحيح السلوك البشري المسؤول عن هذا الواقع وتحفر عميقا في البنية الفكرية للانسان…. تغيير الواقع المخزي الذي يعيشه العالم الاسلامي يمر بتغيير سلوك الفرد المسؤول عن خزي الواقع.. الغزو ليس طريقا صحيحا للكسب، والغنائم ليست وسيلة مشروعة للعيش (انتهي).. وملخص القول: علي الرجل المسلم أن يكف عن النهب والسرقات والرشوة والطمع، ويقتدي بالحضارة الغربية التي تقدس العمل المثمر، الذي تمثلته من تعاليم الكتاب المقدس!! ومقولته: بعرق جبينك تأكل خبزك؟ عظيم… انه لعمري درس أمريكي بليغ، وضربة قاضية تكاد تجندل كل العلوم وتطرحها أرضا.. لكن قبل ذلك اسمحوا لي أن أتمهل قليلا أمام عبارة تستحق سيجارة وفنجان قهوة (أنقل حرفيا): الأزمة في العالم الاسلامي أزمة أخلاق والأمة برمتها تعيش حالة من الانهيار الأخلاقي (انتهي). ألا تذكّر هذه الجملة بالخطاب الاخواني من حسن البنا الي حسن الترابي وما بينهما من أخلاق القرية للسادات؟ ما هذا الحب العذري بين من يشكو أزمة الأخلاق ويقول: الاسلام هو الحل وبين آخر يبكي علي الأخلاق ويقول: الاسلام هو المشكلة؟ المصيبة أن الاخوان قد نسوا (أزمة الأخلاق) وبدأوا يتحدثون بمكر عن أزمة الديكتاتورية، والاحتلال وأزمة المواصلات والسكن وكفاية، في حين توقظ المصطلحات الميتة من قبورها.. فأية لغة عربية فضفاضة، تلك التي ترتدي الشيء ونقيضه؟ بعد الرشفة الأخيرة أخذت أتساءل عما سنفعله بهيغل أو بصاحب رأس المال أو بكاتب أصل العائلة والملكية والدولة؟ ماذا نفعل بماكس فيبر وابن خلدون وغيرهم؟ فكل ما تعلمناه من هؤلاء (الحمقي) ليس أكثر من مضيعة للوقت!! فملخص القضية بناء علي طريقة استدلال (التيك أوي) الأمريكية الجديدة: أفكار تؤدي الي سلوك ثم الي واقع!! فاذا راود بنات أفكارك شيطان المال وأغراهن، وفكرّت أن تصبح مليونيرا، فما عليك الا أن تتمثل سلوك الوليد بن طلال، فواقعك سيتغير لا محالة، وسوف ترقص من حولك الدنيا والحسان (وربك الوهاب)!!أتذكر أني كتبت يوما شيئا مشابها لهذه الفكرة، حينها كنت يافعا ومفتونا بنبيّ جبران ونزعته الصوفية.. وعندما جاء دوري وقرأت، أوقفني المدرّس بخشونة وقال لي: يكفي شعرا وانشاء وفذلكة؟ الواقع هو صيرورة تاريخية.. بعد ذلك بأعوام عديدة فهمت أيضا أن الوعي (الفردي والجمعي) وأنماط السلوك.. هي نتاج للأطر الاجتماعية للمعرفة، وأنساقها، ولو قدر لآنشتاين أن يولد في دمشق (القرن 19)، لما عرفنا نظريته النسبية.. وربما رأيناه كبائع متجول ينادي (ريّانة يا بندورة وأسود يابيتنجان)، ولو قدر لمئات الجراحين والعلماء أن يلتقوا في الربع الخالي، لعجزوا حتي عن حلق ذقونهم.. فالحداثة والنهضة هي تراكم معرفي ومادي، ومنظور ورؤية كونية، تخلقها الحاجة والضرورة والمسارات القسرية للتاريخ، ..لذا فان مقولة: الحفر في بنيتهم العقلية وتغيير سلوكهم.. هو عبث يشبه محاولة اقناع راعي الابل بأهمية موسيقي باخ. لكني طربت، أيما طرب، وتمايلت كأحد عشاق أم كلثوم، الذين تأخذهم النشوة، وضربت كفا بكف وقلت (عظمة علي عظمة يا ست) فمشكلة الرجل المسلم، هي عقلية الغزو والنهب!!! والسبب أنه فطم منذ طفولته (قبل 14 قرن) علي فكرة الغزو!! وهكذا استطيع أن أتخيّل القاهرة والرباط ودمشق وبغداد وطهران وتونس وكل هذه المدن المليونية.. وهي تتمدد علي فراش وثير وأرائك حريرية، وتنظر باحتقار الي عبيد الأمم المغلوبة الذين ينقلون لها الغنائم المنهوبة والسبايا، لا بل ان مخيّلتي دفعتني الي ما يشبه أحلام اليقظة، فتخيّلت أهل الأنبار وهم يحاصرون سان فرانسيسكو ويفرضون عليها الجزية ويأمرونها بخراج الأرض! وتخيّلت طائرات تكريت وهي تشن الغارات علي مدينة ديترويت، وجماعة الصدر وهم يضعون الحجاب علي رأس تمثال الحرية.. هكذا كان عليّ أن أفكر بالمقلوب لأفهم الدلالة العبقرية والمغزي العميق لما قرأت.. أما مقولة التوراة: (بعرق جبينك تأكل خبزك)، واعتبارها أساسا لحضارة الغرب، وقيم العمل المثمر.. فهي صفعة لكل علماء الاجتماع، تثبت بالبيّنة مدي حماقتهم، وغيّهم وجهلهم!! ألم يلاحظوا عظمة هذه الفكرة (المحركة للسلوك ثم للواقع)؟ أم أننا نستطيع أيضا أن نلتمس لهم العذر، فالمساكين تعلموا التاريخ بغثه وسمينه.. هم عرفوا (لفرط جهلهم)، بأن هذه المقولة، وردت في سفر التكوين، في نسق قصصي أسطوري، كان يتحدث عن طرد آدم من الجنة، بسبب عصيانه الأوامر الالهية، وليكون العمل درسا أبديا في الشقاء، وفي نفس السياق تلقت ماما حواء جزاء فعلتها النكراء اذ قال لها الرب: بالآلام تحبلين وبالأوجاع تلدين، أما الحيّة (وهي ثالثة الأثافي في المؤامرة) فقد أمرها أن تلدغ نسل آدم، الذين بدورهم سوف يسحقون رأسها.. لكن السؤال الأهم: أية قيمة فعلية لهذه (الحتوتة) التي خصّت قبائل اسرائيلية تائهة في البرية؟ قبائل قامت أساسا علي فكرة غزو كنعان، ونهب أرضهم، التي تسيل لبنا وعسلا؟ وما علاقة الانجيل بكل ذلك، خصوصا اذا عرفنا أن دعوة الخلاص المسيحي تقوم علي نكران الدنيا وانتظار ملكوت السماوات، اذا يقول الانجيل: انظروا طيور السماء، انها لا تزرع ولا تحصد ولا تخزن في الأهراء، فأبوكم في السماوات هو الذي يرزقها (بالمناسبة هذه دعوة جيّدة لي ولكل عشاق الكسل والتثاؤب!!).من صراع الحضارات الي صراع التواليتاتفي الحلقة السابعة من ظاهرة اللسان الداشر، تمحورت القضية حول ظاهرة الطهارة والنجاسة، ونرجسية المسلمين واحتكارهم لفكرة النظافة البدنية، ونظرتهم الاستعلائية التي تستبطن نجاسة الآخرين.. أولا، لا بد من الاعتراف بأن هذا الطرح يحمل مشروعية ما، ولا يمكن استنكاره بالمطلق، وتأكيدا لذلك فاني أتذكر بدويا كان يعتزّ ببداوته!! وأتذكر أنه تنجس وكاد يتقيأ من أكل المعكرونة (الديدان حسب رأيه) رغم علمي اليقين بأنه اغتسل مرتين في حياته، وفي المرة الثالثة والأخيرة غسله الآخرون دون علمه، وهذا يعادل نسبيا عدد المرات التي استحم بها الملك الاسباني فيليب صاحب أسطول الأورمادا الشهير (في القرن 16).. ولأهمية القضية، وبناء علي النظرية الأمريكية القائلة: أرني تواليتك أقل لك من أنت…. ولأني استفززت شخصيا (باعتباري حورانياً) عاش كافة المراحل الانتربولوجية للتقذر… ابتداء من التبعر في الهواء الطلق مرورا بمراحيض دمشق القديمة (عبارة عن حفرة عميقة، تتلصص في قعرها الجرذان) ثم مراحيض دور الطلبة في بغداد (وهي تحتاج الي كمامات وجزم مطاطية، كالتي يرتديها رجال المطافئ) وصولا الي دورات المياه الأوروبية ذات مقاعد الجلوس الصدفية الرخامية.. وزيادة في التبحر فقد اطلعت علي فقه الاستنجاء الاسلامي وروايات الحجر القالع الطاهر النظيف، ومررت علي الظاهرة التقذرية (عند فرويد) وملاحظاته للأطفال الذين يستأنسون ويعبثون (بمنتجاتهم الوطنية)، وكذلك ملاحظة الحيوانات، التي تشمّ الروث بتلذذ، ثم ترفع رأسها في الهواء (شاكرة علي النعم).. ورغم كل هذا (القرف) الذي ذكرته، أقرّ وأعترف بأن الحلقة السابعة لظاهرة اللسان الداشر، كانت أشد قرفا، واثارة للاشمئزاز. فمن البديهي أن أمريكا قد طوّرت وسائل التعقيم والنظافة ومبيدات البكتريا (والبشر) ومن البديهي أن شوارع لاس فيغاس أنظف من ذقن (ملا عمر) وأن الطفل الأمريكي لايغطي وجهه الذباب كالطفل الأفغاني، لكن من العبث أن يصبح التواليت الأمريكي بروتستانتيا، والمرحاض الأفغاني اسلاميا، ومن العبث أن يقال أن محمدين يتوضأ بمسح رقبته ثم يبول في النيل ويمشي، وأن جرجس لا يفعل الشيء عينه، وكل هذا الكلام سفسطة عقيمة!! ..فهل يختلف التواليت النيجيري في الأجزاء المسيحية البروتستانتية عن نظيره النيجيري في المناطق المسلمة، وما هي امتيازات التواليت الماروني الكاثوليكي عن الآخر الدرزي أو المسلم؟ وماذا فعلت الثقافة المسيحية العريقة لأثيوبيا؟ هل ساعدتها في اطلاق مكوك فضائي؟ ألا يمارس مسيحيو الشام والعراق جرائم الشرف وغسل العار كمحيطهم الاسلامي تماما؟ وهل وهل؟ ملاحظة: تذكرت فيصل القاسم وأنا أكتب (وهل وهل)، ففقدت شهية الكتابة.كاتب من سورية0