مبادلة السلام المنفرد بالسلام الشامل

حجم الخط
0

مبادلة السلام المنفرد بالسلام الشامل

نقولا ناصر عشية قمة الرياض العربية تصاعدت الضغوط الدولية لانتزاع تنازلات تقود إلي تعديلات في مبادرة السلام العربية تفرغها من محتواها وتفقدها قوة الدفع الكامنة في الإجماع العربي وشبه الإجماع الفلسطيني عليها، مما يحقق الأهداف الإسرائيلية ـ الامريكية المتمثلة في إجهاضها كبديل لـ خريطة الطريق أو تحويلها إلي نسخة عربية مكملة لها، ولا يبدو في جعبة القادة العرب لموازنة هذه الضغوط سوي اللجوء إلي مبادلة معاهدات السلام المنفردة الموقعة مع إسرائيل بالسلام الجماعي والشامل الذي يقترحونه في مبادرتهم.في ضوء عدم وجود خيار عسكري رسمي عربي نتيجة للخلل الساحق في موازين القوي لصالح إسرائيل وعدم وجود خيار دبلوماسي في ضوء التطابق الكامل بين مواقف إسرائيل وبين مواقف حليفها الامريكي، القوة الأعظم الأوحد في العالم، واستبعاد خيار حرب الشعب الذي أثبت جدواه في قطاع غزة وجنوب لبنان والعراق وكذلك في معركة الكرامة الأردنية التي صادفت ذكراها قبل أيام، في ضوء ذلك لا يبقي إلا استثمار الإجماع العربي علي السلام الشامل كـ خيار استراتيجي كبديل لمعاهدات السلام المنفردة التي وقعتها مصر والأردن وموريتانيا ومنظمة التحرير الفلسطينية مع إسرائيل.فكل الدلائل الراهنة ودروس التجربة التاريخية تجزم بأن إسرائيل لا تريد تسوية شاملة ولا مفاوضات جماعية كما لا تريد للدول العربية التي وقعت معها معاهدات سلام أن تعمل من أجل السلام، إلا بشروطها، وأن يقتصر دور هذه الدول علي أن تكون وسيطا ضاغطا علي الأطراف العربية المرشحة إسرائيليا للحاق بركب المفاوضات الثنائية الهــــادفة إلي إبرام اتفاقيات صلح منفردة.وكانت إسرائيل قد استنفدت كل موارد تفوقها العسكري ونفوذ حليفها الإستراتيجي الامريكي لمنع عملية التسوية السياسية التي انطلقت جماعية من مدريد عام 1991 من التحول لتسوية إقليمية شاملة عبر مفاوضات عربية جماعية معها ونجحت في تحويلها إلي مفاوضات ثنائية علي تسويات جزئية كررت مأساة سياسة الخطوة خطوة التي استنها وزير الخارجية الامريكي الأسبق هنري كيسنجر لتوريط مصر في صلح منفرد مع عدو لم يفكر في العرب يوما إلا بصفتهم عدوا واحدا لا بد من تفتيت وتجزئة أي موقف عسكري أو سياسي موحد له كشرط لا غني عنه للإنتصار عليه.وإذا كان من اللاواقعية السياسية مطالبة الأطراف العربية الأربعة بإلغاء معاهداتها مع إسرائيل فإن من الواقعية مطالبتها بتجميدها من جانب واحد، أو تعليق العمل بها أو ببعض بنودها، أو في الأقل باستخدام التهديد بذلك أو ببعضه كسلاح سياسي يضغط علي إسرائيل للتساوق مع الدعوة العربية الرسمية الجماعية للتفاوض علي سلام شامل لا ثنائي وعلي أساس الندية لا علي أساس الإملاءات، وكذلك يوازن الضغوط الامريكية بخاصة لكي تتوجه نحو الطرف الإسرائيلي لحثه علي التساوق مع المبادرة العربية بدل مواصلة الضغط علي الجانب العربي للتساوق مع الإملاءات الإسرائيلية حد الإستسلام لها.وللأردن ومنظمة التحرير بخاصة كل المسوغات لذلك في ضوء الإنتهاكات الإسرائيلية لكل بنود السلام الموقع معهما تقريبا. لقد كان قرار القيادة الأردنية بتوقيع معاهدة السلام مع إسرائيل عام 1994 في جوهره خطوة استراتيجية دفاعية تستهدف إنتزاع اعتراف إسرائيلي ودولي بأن الأردن ليس فلسطين، ينبني عليه واقع سياسي علي الأرض يؤجل عمليا إلي أمد بعيد الخطر الإستراتيجي الإسرائيلي الكامن في خطط اسرائيلية معدة بانتظار فرصة سانحة لتنفيذ الفكرة التي راودت وما تزال تراود قيادات إسرائيلية استراتيجية تسعي إلي تصفية إستراتيجية للقضية الفلسطينية بالترويج لفكرة أن الأردن هو فلسطين، وهي الأطروحة التي ما زال قطاع هام من القيادات الإسرائيلية، بالرغم من توقيع معاهدة السلام، يروج لها كسيف مسلط لتهديد النظام في الأردن كلما تحرك الأردن لضمان تنفيذ الشق الثاني من استراتيجيته الدفاعية المتمثل بانتزاع اعتراف إسرائيلي ودولي مماثل بحق الشعب العربي الفلسطيني في تقرير مصيره فــــــوق أرضه، وهذا، بالإضافة إلي حث الأردن علي المقاربة الإقليمية الجماعية للتــــــوصل إلي حل شامل للصراع العربي ـ الإسرائيلي، هو السبب الحقيقي للحملة الإسرائيلية التي أعقبت الخطاب الذي وجـــــهه الملك عبد الله الثاني لمجلسي الكونغرس الامريكي في السابع من آذار (مارس) الجاري.ويتضح من مفردات هذه الحملة أن المعاهدة الأردنية ـ الإسرائيلية ليست ضمانة كافية للأمن الأردني: فقد صرح رئيس الوزراء الإسرائيلي، إيهود أولمرت، الأسبوع الماضي بأن النظام في الأردن مهدد بـ الإنهيار في حال انسحاب قوات الإحتلال الامريكي بشكل متسرع من العراق، قبل أن يتمكن هذا الإحتلال من ترسيخ أقدام نظام في بغداد يرثه في حماية المصالح الامريكية الإقليمية. وقالت وسائل الإعلام الإسرائيلية إن تصريح أولمرت استند إلي تقرير للإستخبارات الإسرائيلية إستغرق إعداده سنتين خلص أيضا إلي ادعاء أن الأردن في تحالف سري مع رئيس المكتب السياسي لحماس خالد مشعل، وأن الأردن لا سورية هو الراعي لحماس، لأن الأردن يساهم مع بريطانيا وكندا في تنظيم قوة عسكرية فلسطينية أصبحت حماس تشارك في قيادتها، وهي التي تملك جيشا جهزته إيران ليكون أقوي وأكبر من القوات التي تقودها منظمة التحرير الفلسطينية، كما أفاد الجنرال كيث دايتون المبعوث الخاص للرئيس الامريكي جورج دبليو. بوش في تقريره للكونغرس يوم 20 آذار (مارس) الجاري!إن المحاولات الإسرائيلية لربط الأردن بـ الإرهاب لأنه يتصدر الحملة العربية لإقناع المجتمع الدولي بالإعتراف بحكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية التي ترفضها إسرائيل لأنها مع حليفها الامريكي تصنف الحركة الإسلامية التي ينتمي إليها رئيس وزرائها إرهابية ، وكذلك التلويح بأن النظام في الأردن مهدد بـ الإنهيار ، هي محاولات وتلويح لا يمكن تفسيرهما إلا كتمهيد إعلامي وسياسي يهدد الأردن بعمل عدواني إسرائيلي قد يتخذ هذا الشكل أو ذاك لكنه في النهاية يستوجب الحذر الشديد، بخاصة إذا اقترن بالعودة إلي الترويج الإسرائيلي لفكرة التقاسم الوظيفي بين الجانبين في الضفة الغربية.علي سبيل المثال، كتب أحدهم (ديفيد سينغر) يوم 18 الجاري إن علي الأردن منح الرباعية الدولية فرصة تجديد مسار خريطة الطريق بإعلان استعداده للتفاوض علي تقاسم السيادة في الضفة الغربية بين الأردن وبين إسرائيل غير أنه من الواضح أن الأردن لا يملك القوة لإعلان مفاوضات كهذه والدخول فيها من تلقاء ذاته ! صحيح أن هذه الدعوة ليست سياسة إسرائيلية رسمية معلنة لكن تكرار ظهور أمثالها إلي العلن في وسائل الإعلام الإسرائيلية كلما اختلفت مقاربة الجانبين لعملية السلام هو أمر مثير لشكوك مشروعة حول علاقة الحاكم الإسرائيلي بها.ولا يمكن تفسير حملة التحريض الإسرائيلية علي خطاب الملك إلا لأنه قد تجاوز الدور الذي يتصوره قادة تل أبيب للأردن بموجب معاهدة السلام، ولأنه يتصدر الحملة الدبلوماسية لجامعة الدول العربية للضغط علي إسرائيل للتعاطي مع مبادرة السلام العربية والسعي الأردني لترجمة رؤية حل الدولتين إلي واقع علي الأرض قبل أن يفوت الأوان، مما وضع المملكة في مواجهة لم يكن منها مناص مع الإستراتيجية الإسرائيلية الساعية إلي الإستفراد بالفلسطينيين لفرض الحل المؤقت طويل الأمد عليهم وإلي الإستقواء عليهم بـ الحياد العربي وإلي مقاربة ثنائية للسلام مع كل طرف عربي علي حدة. وقد وصف بعضهم الخطاب بـ المخيب للآمال و المحبط لأنه كما قالوا لم يتطرق إلي ذكر حماس بينما روج لمبادرة عربية زعموا أنها تهدد بالقضاء علي الدولة اليهودية لأنها تدعو إلي حل متفق عليه وعادل علي أساس قرار الأمم المتحدة رقم 194 لقضية اللاجئين الفلسطينيين، ولأنه تجاهل علي حد زعمهم عدم وجود محاور فلسطيني يكون مؤهلا كشريك تفاوضي، ثم زعموا أن خطاب الملك كان مؤشر يأس قبل أن تنسب وسائل الإعلام الإسرائلية إلي أولمرت قوله في 16 آذار (مارس) إن المملكة مهددة بـ الإنهيار . إن استمرار التحريض الإسرائيلي يتعارض مع معاهدة السلام الموقعة بين الطرفين، وهي معاهدة يلتزم الأردن ببنودها كاملة التزاما ما زال يوسع فجوة الخلاف بين الحاكم والمحكوم عليه، لكن المراوغة الإسرائيلية في الإلتزام بالعديد من بنودها ما زال يزود المعارضة الشعبية لها بالمزيد من المسوغات المقنعة لتشديد مطالبتها بإلغائها. وطبعا لن يبلغ الشطط بأي محلل موضوعي لكي يستنتج بأن المعاهدة الأردنية مع إسرائيل مهددة نتيجة لهذا التحريض، فهذه المعاهدة مقدسة كما سبق أن قال نائب رئيس الوزراء الأردني السابق مروان المعشر وهي رصيد إستراتيجي كما يقول القادة الإسرائيليون. إضافة إلي التحريض، ما الذي أبقته إسرائيل للأولوية الفائقة التي تمنحها المعاهدة للدور الأردني التاريخي في رعاية المقدسات المقدسية، وكيف يتفق ضم الأمر الواقع لغور الأردن غربي النهر مع نص المعاهدة علي عدم ترسيم هذا الجزء من الحدود المشتركة إلا بمشاركة السلطة الفلسطينية، وكيف يتفق النص علي تطبيع العلاقات مع سياسة التأشيرات التي لا تمنحها إسرائيل للمواطنين الأردنيين مما حوله عمليا إلي تطبيع من جانب واحد، وماذا حل بـ لجنة المطالبات لتسوية مطالبات الأردنيين من أصل فلسطيني من إسرائيل، ثم ماذا حل باللجنة الأردنية المصرية الفلسطينية الإسرائيلية المنصوص عليها لبحث قضية اللاجئين الفلسطينيين في إطار متعدد الأطراف في مفاوضات الوضع النهائي التي تسوف إسرائيل وترفض الخوض فيها منذ استحقاقها في تموز (يوليو) 1999، بل كيف يتفق التزام إسرائيل بالمعاهدة مع رفضها مبادرة السلام العربية لأنها تحديدا تنص علي حل متفق عليه وعادل لقضيتهم؟!أما مسوغات منظمة التحرير الفلسطينية فهي غنية عن البيان، خصوصا بعد إعادة احتلال مناطق الحكم الذاتي في الضفة الغربية عام 2002 والوضع الراهن الذي لم يبق لسلطتها الوطنية أي سلطة. وإذا كانت المطالبة بـ حل السلطة تحمل القيادة الفلسطينية مسؤولية تاريخية فوق طاقتها فإن سحب السلطة أو التهديد به يظل خيارا واقعيا ممكنا لإرغام إسرائيل علي احترام إتفاقيات أوسلو أو تتحمل مسؤولياتها مباشرة كقوة احتلال طبقا للقانون الدولي دون وكيل واجهة !ولا شك أن إسرائيل تحرص علي الحكم الذاتي الفلسطيني المنبثق عن اتفاقيات أوسلو، الذي اعفي الحاكم العسكري الإسرائيلي من المسؤوليات الأمنية والمالية التي كانت لإدارته المدنية الملزم بها بموجب القانون الدولي، وكذلك علي المعاهدة مع الأردن، باعتبارهما رصيدا استراتيجيا مثلهما مثل معاهدتيها مع مصر وموريتانيا. كما أن الضمانات الامريكية لهذه الإتفاقيات دليل علي كونها رصيدا مماثلا لواشنطن. ومن هنا فإن الدعوة إلي استخدام تجميد هذه المعاهدات أو تعليق العمل بها، او في الأقل التهديد بذلك، كسلاح سياسي يكتسب صدقية يعزز اللجوء إليها غياب الخيارات العسكرية والسياسية الأخري. ويمثل مثل هذا الخيار محكا لقدرة كما لصدقية معسكر المتعاهدين مع إسرائيل، لأن نجاحهم في انتزاع إجماع عربي علي التسوية السلمية للصراع بالتفاوض كـ خيار استراتيجي يرتب عليهم التزامات لتمكين هذا الخيار من تحقيق الحد الأدني من الأهداف التي أعلنوها له.إن الأردن ومصر وموريتانيا ومنظمة التحرير الفلسطينية مطالبة الآن بالتنسيق لما هو أكثر من مجرد البحث عن التقاطع مع الإستحقاقات الدولية لتلبية الشروط الإسرائيلية إذا كانوا حقا معنيين بتسوية شاملة تضمن الأمن لاتفاقياتهم المنفردة مع إسرائيل، ففي النهاية كان انفرادهم في التصالح معها هو المثال الذي تتذرع إسرائيل به لرفض التسوية الشاملة كما كان السبب الرئيسي في حالة العجز والتشرذم التي يعاني منها الوضع العربي الراهن لأنهم أعطوا الأولوية لاحترام المعاهدات التي وقعوها علي أي عمل عربي مشترك يتعارض معها.وهذه الأطراف الأربعة، بسبب ما تتمتع به من صدقية في السلام لدي إسرائيل وراعيها الامريكي المهيمن علي المنطقة والعالم، يمكنها الآن التنسيق فيما بينها لكي تستخدم مجتمعة معاهداتها كسلاح سياسي ودبلوماسي، لدفع إسرائيل إلي التعاطي بجدية مع مبادرة السلام العربية التي يروجون لها لوضعها أمام خيار السلام الشامل أو اللاسلام الشامل، فربما يكمن في ذلك الشرط المسبق لإنجاح مبادرتهم التي يضعها الإستقواء الإسرائيلي بالدعم الامريكي أمام طريق مسدود، حيث قد لا تكتسب الحملة الدبلوماسية التي ستطلقها قمة الرياض أواخر الشهر الجاري أي صدقية دون موقف جاد كهذا، إذ عندئذ فقط يمكن أن توصف هذه الحملة بأنها هجوم دبلوماسي. كاتب عربي مقيم في فلسطين8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية