رحيل الملحن السوري الكبير محمد محسن في صمت مريب!
لحّن لفيروز ووديع الصافي ووردة وسعاد محمد: رحيل الملحن السوري الكبير محمد محسن في صمت مريب!دمشق ـ القدس العربي ـ من أنور بدر: سيد الهوي قمري لفيروز، ما أصعبك عالقلب يا يوم السفر لنصري شمس الدين، النجمات صاروا يسألوا عنا لوديع الصافي، مظلومة يا ناس لسعاد محمد، دق الحبيب دقة لوردة الجزائرية… وعشرات الأغاني الأخري الجميلة، مازلنا نرددها بشغف ونوستالجيا لزمن غابر، تألقت فيه الأغنية العربية، كما تألقت حياتنا الغنية بالأحلام.لكن القليلين ممن يحبون هذه الأغاني، أو يرددونها الآن، يعرفون أنها من ألحان الفنان السوري الكبير محمد محسن، الذي رحل مؤخراً بصمت مريب عن عمر يناهز (88) عاماً. أمضي خلالها ما يُقارب نصف قرن من العطاء في عالم الموسيقي والغناء. محمد محسن واسمه الحقيقي محمد الناشف، بدأ حياته مطرباً وملحناً بآن ٍ معاً، وكان من المساهمين في تأسيس الإذاعة السورية عام 1947، كما انتقل إلي إذاعة القدس ثم إذاعة الشرق الأدني في قبرص وصولاً إلي إذاعة القاهرة، وهو في رحلته هذه كان يبحث عن المصادر الموسيقية الحقيقية لينهل منها، وليؤكد استقلاليته في ألحانه التي تنوعت من الطقطوقة إلي القصيدة الكلاسيكية وفن الموشحات، وقد تتلمذ علي يدي صحبي سعيد في دمشق، وحنا خالد في القدس، ولم يخف ِ ميلاً إلي التعامل مع الكلمات التي تصنف حالياً ضمن قائمة الفصيح المبسّط، رغم أنه لحّن من شعر الزمخشري، لكنه لم يغرق في أتون العامية الرثة، لإيمانه أنّ الفن رسالة تطوير وتحديث للذائقة وللإنسان، بينما حافظ في ألحانه علي الإيقاعات الشرقية انطلاقاً من الموروث الفلكلوري والشعبي، مُبتعداً عن الإيقاعات الغربية أو الهجينة.أدي محمد محسن من ألحانه (29) أغنية، قبل أن يهجر الغناء إلي التلحين، ويتفرّغ له كليّة، فقدّم ألحاناً جميلة لرفيق شكري، ومها الجابري وسواهما، لكن أول مطربة اكتشفت أهميّة ألحانه كانت ماري جبران اللبنانية فأعطاها لحن حبايبي نسيوني ولحن لجميل العاص أغنية زفة العروسة ، ثم جاءت المطربة سعاد محمد إلي دمشق فأعطاها أجمل ألحانه دمعة علي خد الزمن و مظلومة يا ناس والتي ساهمت بشهرتهما كمطربة وملحن، فتابع معها أغنيات غريبة والزمن قاسي و الله زماني ثم لحّن لها من شعر بدوي الجبل قصيدة جلونا الفاتحين .كل هذا قبل أن يسمع فايزة احمد التي كانت تؤدي حتي تاريخه أغنيات أسمهان وليلي مراد، فأعجب بمساحة الصوت لديها ودفئه، وكان أول من قدمها عبر أثير إذاعة دمشق في أغنيات ليش دخلك، درب الهوي، ما في حدا يا ليل ، والابتهال الديني يا رب صلي علي النبي . ولحّن لها متأخراً أغنية شفتك.. حبيتك يا سمارة .أما في بيروت فقد التقي وردة الجزائرية عام /1957/، وكانت أيضاً تقلد ما شاع من أغاني أم كلثوم، فلحّن لها الأغنية الشهيرة دق الحبيب دقة ، والتي أذيعت من دمشق، ثم تتالت أغانيه أنا من الجزائر، علي باب حارتنا يمّة، علي بعدك، مراسيل من ريحة الحبايب، مش قادرة علي قلبي، ولو.. لا طلة ولا زيارة، يا أغلي الحبايب ، وأخيراً لحّن لها بعد استقراها في مصر أغنية روح يا هوي .في عام /1971/ لحّن لفيروز موشح سيد الهوي قمري بناءً علي طلب من عاصي الرحباني، بعد أن سمع موشح يا غزالا بصوت المطربة حنان، إذ كان من أهم الذين طوروا فن الموشحات الأندلسية من الغناء الجماعي باتجاه الصوت المنفرد.وقدّم لاحقاً لفيروز أربع أغاني جميلة من الشعر القديم هي لو تعلمين، جاءت معذبتي، ولي فؤادٌ، أُحبّ من الأسماء ما شابه اسمها وهي تؤشر علي الاتجاه الحداثي في التعامل مع اللحن الشرقي، دون اعتماد الإيقاعات الغربية، كذلك غنت له كل من نور الهدي ومها الجابري بعض الموشحات ربما يكون أشهرها بالهجر ما كان أظلمك .كذلك اشتهرت أغنية نجاح سلام الليلة الليلة سهرتنا حلوة الليلة ، ولحّن لكل من وديع الصافي ونصري شمس الدين وصباح ونازك وطروب وسميرة توفيق.قدّم خلال إقامته في مصر مابين عامي /1963-1959/ حين عمل في إذاعة القاهرة، جملة من الألحان الشهيرة لمحرم فؤاد، نجاة الصغيرة، محمد قنديل، محمد عبد المطلب، شريفة فاضل، محمد رشدي، وسواهم. كما غني له محمد عبده وطلال مداح من السعودية، ومن سوريا تتسع القائمة لكل من صباح فخري ومها الجابري إضافة إلي أصالة نصري وياسين محمود وفتي دمشق وسواهم.كرّم الفنان الراحل محمد محسن في مهرجان الأغنية السورية العاشر في مدينة حلب. وهو الذي حاول أن يشتغل علي هوية مميزة للأغنية العربية، وتعتبر ألحانه التي أشرنا لبعضها من أهم الألحان العربية، لكنه رحل مؤخراً بصمت مريب، كما قلت، جازماً أنه لو استمر في مصر مثلاً لكان حظيّ بشهرة أوسع بكثير مما عرفه في العقود الأخيرة من حياته، ومع ذلك يتساءل البعض إن كان رحيله مؤشراً علي أفول الزمن الجميل من حياتنا، علي أفول الأغنية التي تجذب مستمعيها، والتي تصنع مساحة لها في عالم الغناء والطرب.رحل محمد محسن دون أن يعرفه أو يعرف عنه معظم الشعب السوري، رحل بصمت كما رحل من قبله نجيب السرّاج وصبري مدلل وقائمة طويلة من المبدعين، وربما يكون الرحيل هو الأفضل في هذا الزمن الذي تسود فيه الأغنية الهابطة، والثقافة الهابطة، والأحلام الهابطة!!2