يوميات التسكع العربية..
يوميات التسكع العربية.. عندما تغادر وطنك توُلي ظهرك لشجرة كانت صديقة لصديق كان عدوا.. هكذا قالت روائية عربية في تعبير لها عن الهجرة من الوطن الي بلاد الغربة، شاء لي القدر أن تسكعت ذات مرة عند عتبات السفارة الاسبانية في احدي الدول العربية، طبعاًً طلبا للتأشيرة (الفيزا).. هذه المرة الهجرة معاكسة علي ما يبدو، فهي ليست من أجل تحرير الارض من براثنهم الاسبان لكن هرباً من معاناة كانوا لاشك همزة وصل في رسم فصولها.بعد أن تـُذل بباب السفارة لكن بأسلوب مهذب، وذلك من خلال تفتيشك قبل الدخول تشعر لحظتها وكأنك محض لـِص جئت لتأخذ تأشيرة عبور الي الاندلس لتـنـتزعها أو تستردها ثانية من أيدي اللصوص ، حينها يتبادر تلقائيا الي ذهنك جدلية تستطرد سؤال، أيهم الاول (البيضة أم الدجاجة) لنا الاندلس أم لهم؟شرد بـِي ذهني قليلا فجأة اُلـقي اليّ سؤال من سيدة طاعنة في السن هي التي تـتولي المعاملات، لـُغة طارق بن زياد لديها مكسرة حتي النخاع بحيث تشعرك لغتها وكأنها عجوز أُجتـُـثـت من غرطبة بين الزمنين فلا هي أتقنت العربية ولا هي أجادت تركها، قالت من أين أنت تقصد وطني، فقلت بيني وبين نفسي أنا من بقايا جلد نهشتموه أنتم ذات مرة ، آه قالت بعد أن قرأت أوراقي: صحراوي وأردفت قائلة مُداعبة علي ما يبدو ماذا تريد أن تـُقدم للشعب الصحراوي، أيضا بيني وبين نفسي ما سلبتموه انتم منه ذات مرة ، وبعد ملاسنة غير متكافئة قدمت أوراقي أنا وجموع العرب الحالمين برغيف أفضل، وأفرقنا ما في جيوبنا لهم لقاء ما فعلوه! أو سيفعلوه لنا ؟وذهبنا علي أمل أن نعود أدراجنا اليهم بعد أسبوعين، ولكنك وأنت تصطف في طابور طويل كله من رفاق التسكع، تستمع أُذنك الي تمتمات خافتة بالكاد تـُسمع، وتنظر عينيك الي ملامح باسرة، تـُرجـِعك الذاكرة مرغماً سنوات الي الوراء، وكأن أيام الانتداب قد ولـّـت، حيث وأنت واقف في رواق، سياج سجن أشبه منه الي ممر سفارة، الي جانبك طبعا يمنة ويسرة جموع المنتصبين من أجل فيزا، حيث لا يمكنك في حرم (الرواق ـ السياج) أن ترفع صوتك، أو أن ترد علي مكالمة هاتفية قد تكون أهم مما أنت منتصب عنده ! وتحمد الله أن باءمكانك أن ترد علي أسئلـتهم (المهذبة) دونما حاجة الي أن يستنطقوك بطريقتهم غير المهذبة زمن الاستعمار.واستمرت يوميات التسكع..انقضت مدة الاسبوعين أو أكثر عُدنا أدراجنا ورجعنا نجرجر أذيال الذاكرة الملطخة بأيديهم مرة أخري اليهم.. وببساطة كأنها شبه معتادة بالنسبة لهم رُفض منحنا التأشيرة، دونما حاجة منهم لاعطائك مبررا لسبب الرفض أو أدني الايمان أن يُسمعوك كلمة أسف، ولكن تقرأ من ملامح وجه العجوز جواباً يُـعفيك من مرارة طرح السؤال وكأني بها تقول من أنت حتي نضطر نحن لاعطائك مبررا أو تقديم سبب لرفضك؟ لم أسألها ويممت وجهي شطر باب الخروج، و أنا أُتـمتم لقد لـُدغت الضحية من جحر مرتين لقد أُذللنا مرتين الاولي عندما أتونا والاخري عندما أتيناهم . وخرجت معتقداً أن يوميات التسكع البغيضة بابهم قد انتهت الي غير رجعة وبأن خيط العار اللعين الذي بيننا وبينهم انقطع، فاءذا بمشهد تسكعي آخر يظهر لم يكن في الحسبان، وكأنه كان خلف الستار ينتظر الي حين انتهاء جولة الذل الثانية ليظهر بعدها مباشرة دونما حاجة منه لاعطائنا وقتا مستقطعا للاستراحة.حمادي عبدالرحمن موسي الصحراء الغربية [email protected]