حكايات من البر الإنكليزي: حكاية عالماشي
جمعة بوكليبحكايات من البر الإنكليزي: حكاية عالماشي أتذكر انني حينما كنت تلميذاً بالمرحلة الإعدادية كرهت حتي الموت دروس مادة الهندسة لا لشيء سوي أنني كنت خلال تلك الحصص (زي الأطرش في الزفة) رغم جهود وقدرات وإمكانيات المدرسين. بمجرد أن يدق الجرس وتبدأ الحصة ويبدأ المدرس في الشرح ورسم الخطوط علي سواد السبورة ببياض الطباشير أصاب بنوع من اكتئاب غريب وضيق غير عادي، واظل مبحلقاً بعينيّ في المدرس وما يرسم من خطوط ومثلثات ومربعات ومستطيلات غير مستوعب لشيء. خلال فترة الإمتحانات كنت اكتفي بما حفظت من نظريات وحقائق هندسية وقيئها في ورقة الإجابة وأترك بقية الأسئلة الأخري التي كانت تتطلب نوعاً من التفكير البسيط، ثم، عقب ذلك، أكرس كل جهدي علي نيل أكبر قدر من الدرجات في مادة الجبر حتي أضمن عدم رسوبي في مادة الرياضيات. وبالفعل تمكنت من الإفلات بأعجوبة من الرسوب، وحققت خطتي الهدف المرجو منها حتي نهاية الصف الأول من المرحلة الثانوية حيث التحقت بالقسم الأدبي وتخلصت نهائياً وغير آسف من كابوس مادة الرياضيات. من أهم الحقائق الهندسية التي ظلت عالقة في ذهني حقيقة بسيطة وسهلة تقول ان الخطين المتوازيين لا يلتقيان أبداً. ثم حين طالت قامتي، وبدأ قلبي يتآكل من الهموم والأسئلة والحسرات وذقت طعم الخيبات علي كل المستويات، وبدات لعنة الإحباط ملاحقتي والتشبت بجلابيبي ضاعت هذه الحقيقة البسيطة والسهلة في موجة من موجات الوقت مثل غيرها ولم أتذكرها إلا ذات يوم وأنا ملقي في زنزانة قذرة مختنقاً بالحر والرطوبة في السجن مع أحد عشر شخصاً آخر، جالسين علي بطاطين سوداء قبيحة وقديمة وقذرة (رغم جهودنا الدائمة وحرصنا علي تنظيفها) مفترشة علي ارض إسمنتية صلبة ومتحلقين حول جهاز مذياع صغير نستمع، في غفلة من الحرس، إلي الشاعر مظفر النواب وهو يقرأ قصائد جديدة له، من ضمنها قصيدة لم أعد اتذكر منها إلا تساؤلا طرحه بشيء من شقاوة ونزق: ألا يلتقي المتوازيان إذا سقينا أحدهما خمراً؟؟ . أتذكر اننا أعجبنا بنزق التساؤل الذكي وضحكنا له. إلا أن ذلك التساؤل ظل مختمراً في ذاكرتي لسنوات طويلة حتي بعد أن اصابها الوهن، (وبدت زي الغربال ما تشد شي). حين دارت عجلة الوقت وحطت بي الرحال في لندن، وتقلبت مثل غيري في دروبها ووهادها ومروجها ووديانها، وتعثرت في حقائقها وما القت في طريقي من موانع علي شكل اسئلة حائرة محيّرة، وما فتحت أمام قلبي وعقلي من آفاق لا عهد لي بها اكتشفت أن لندن ليست قادرة علي تغيير البشر فقط بل أيضاً حقائق الهندسة، وتبين لي فعلياً ذلك حينما رأيت رأي العين ولمست باليدين أن الخطين المتوازيين لا يلتقيان أبداً إلا في لندن!!!!إكتشفت أن العرب واليهود لا يمكنهما العيش جنباً إلي جنب، والعمل معاً، إلا في لندن، واكتشفت أيضاً أن القبارصة اليونان وإخوانهم من القبارصة الأتراك تضيق باختلافاتهم بلدهم قبرص، لكنهم في لندن قادرين علي تناسي خلافاتهم والعيش المشترك مع بعضهم البعض ليس في مدينة غريبة واحدة بل في منطقة معينة منها والشيء نفسه ينطبق علي الهنود السيخ والهندوس والهنود المسلمين والباكستانيين والبنغلاديشيين. ألا يعني ذلك أن الخطوط المتوازية يمكنها التقابل دون الحاجة الي إستخدام وسيط كالخمر كما اقترح مظفر النّواب؟ وكيف يمكن لاناس علي هذه الدرجة من التناقضات والعداوات التاريخية والدماء التي سكبت القدرة علي العيش المشترك بسلام تحت سماء مدينة غريبة وتناسي عداواتها وتفشل في تحقيق ذلك في أوطانها؟ ألا يدعو ذلك إلي الإستغراب والدهشة والتساؤل؟ وما السر الذي يهب مدينة كلندن القدرة علي لي هذه الخطوط المتوازية ودمجها في بوتقة واحدة دون مشقة ولا جهد؟ هذا التنوع والمزيج الغريب من البشر والثقافات منح لندن غنيً وخصوبة، وأمدها بدينامية لا توصف، وفرضت الرغبة في العيش واقعاً قائماً علي ثقافة ليبرالية أساسها التسامح وقبول الآخر: عش ودع غيرك يعيش .ذات نهار، بينما كنت أجلس مع صديق لي جزائري، في مقهي بمنطقة كوفنت جاردنز جرنا حبل الحديث إلي التمازج والتعدد العجيب الذي يميز لندن، فلفت نظري إلي المكان الذي نجلس فيه قائلاً أن المقهي الذي نحن فيه الآن يملكه إيطالي، ويعمل به عرب وأنكليز وهنود، وزبائنه من عشرين جنسية أخري مختلفة. ثم إذا خرجت إلي الشارع ستجد نفسك محاطاً بجنسيات أخري عديدة وتسمع أناس يرطنون بلغات لا تستطيع حتي تصنيفها!! أذكر أنني سألته عن السبب أو الأسباب التي تكمن وراء ذلك. وأتذكر أن صديقي نظر إليّ بشيء من ريبة وكأنه لم يتوقع مني سؤالاً كهذا ثم قال: اسأل نفسك ياحبيبي، وإذا لم تصل إلي إجابة ترضيك تعلم أن تعيش حياتك في لندن وراقب ما حولك وانا واثق أنك ستصل إلي ما تريد معرفته.ہ كاتب من ليبيا0