حديث عن الأغلبية المرتعشة في مصر!

حجم الخط
0

حديث عن الأغلبية المرتعشة في مصر!

سليم عزوزحديث عن الأغلبية المرتعشة في مصر! في الانتخابات الرئاسية التي شهدتها مصر قبل أكثر من عام، تم رفع لافتات تقول: الجنين في بطن أمه يقول نعم للرئيس مبارك ، وبالقياس فإننا نقول في ثقة ان الجنين في بطن أمه لا يمكن ان يصدق ان أعداد الذين شاركوا في الاستفتاء علي التعديلات الدستورية، قد تجاوزوا تسعة ملايين مواطن، علي النحو الذي أعلنته السلطة ممثلة في وزير عدلها، والذي يترأس اللجنة العامة المشرفة علي هذا الاستفتاء، حتي وان ظهرت للرجل كرامات كتلك المنسوبة لكبار المتصوفة، وحتي وان رأيناه يطير في الهواء ويمشي علي الماء!فنسبة الذين تم حشدهم بسيف المعز وذهبه، لا تتجاوز في احسن الأحوال الخمسة في المئة من أعداد الذين لهم حق الانتخاب، وقد هبطت في بعض اللجان لتمثل واحدا في المئة، وكنا نظن ان القوم لن يصل بهم الحال الي حد ان يعلنوا ـ بدون ان يهتز لهم رمش ـ ان نسبة المشاركة قد تجاوزت الـ ( 27) في المئة، حتي وان دغدغوا مشاعرنا الجياشة بالقول بان نسبة الذين صوتوا بـ (لا) ارتفعت الي اكثر من مليونين، بما يمثل 24.1 في المئة، وان نسبة الأصوات الباطلة ـ التي يعدها البعض ضمن الأصوات الرافضة في معظمها ـ الي اكثر من 250 ألف صوت بما يمثل 2.1 في المئة من عدد المشاركين!نعلم ان نواب البرلمان من أعضاء الحزب الحاكم تنافسوا في حشد الناس للمشاركة، لاثبات الولاء والطاعة لقادة الحزب، ونعلم ان هذا الحزب قد قام برشة جريئة علي الموظفين الحكوميين، تمثلت في اختصار يوم العمل الي نصف يوم، وتم شحنهم في الحافلات العامة للجان الانتخابية. لكن علي الرغم من الحشد والشحن الا ان كثيرا من اللجان بدت خاوية علي عروشها. ومثلي يستبعد تماما ان يكون قد شد اكثر من مليونين إنسان في مصر الرحال ليصوتوا بـ(لا) في استفتاء يعلمون نتيجته مسبقا، بعد ان اعتبر أهل الحكم في مصر ان إقرار تعديلاتهم انها مسألة حياة او موت، وكانت دعوة المعارضة وقوي المجتمع الحية بالمقاطعة! ولا يكون المرء متجاوزا اذا قال ان هذه الأحزاب، وتلك القوي الرافضة للتعديلات الدستورية كان قرارها بالمقاطعة، مع ان المشاركة بالرفض أجدي، مرده الي ان المقاطعة في هذه الظروف تتماشي مع المزاج المصري العام!يقولون: كن مع الكذاب الي باب الدار، وعليه فاذا سلمنا جدلا بان عدد الذين شاركوا في العملية الانتخابية قد اقترب من العشرة ملايين ناخب، فكيف يكون لعاقل او حتي مجنون، ان يقبل هذا الرقم، في حين ان الذين شاركوا في الانتخابات الرئاسية تجاوزوا الستة ملايين ناخب بقليل، علي الرغم من عملية الشحن الاعلامي وحالة الاستقطاب السياسي في انتخابات تعددية، نافس الرئيس مبارك اثنان من المرشحين، أحدهم خاض الانتخابات بشكل جاد، والثاني وان كان لم يخضها بنفس الجدية فانه قاتل ليكون ترتيبه الثاني بعد مرشح الحزب الحاكم بما يليق بمكانة حزبه (الوفد) صاحب التاريخ العريق، ويتسق مع مكانته هو كاول عميد لكلية الحقوق بجامعة القاهرة يتم اختياره بالانتخاب، وكان العامل الشخصي هنا ليس بعيدا فهو قد فصل المرشح الآخر الدكتور ايمن نور من عضوية حزب الوفد قبل ان يشكل حزب الغد، وكان طبيعيا ان يبدد خمسة ملايين جنيه علي دعايته في هذه الانتخابات!لقد ظلت الدعوة الي حشد الجماهير للمشاركة في الانتخابات الرئاسية، اكثر من شهر، ومع هذا فان نسبة الحضور كانت علي هذا النحو (وقد قيل انها مع ذلك مبالغ فيها)، فكيف يمكن ان نقبل تضاعف النسبة إلا قليلا في استفتاء تم تحديد موعده علي عجلة، وبدون سابق إنذار، والمدة من إعلان الموعد، الي إجراء الاستفتاء لا تكفي للمواطن للعثور علي بطاقته الانتخابية التي بمقتضاها سيتمكن من الإدلاء بصوته، بل لا تكفي لنواب الصعيد والأقاليم ان يتمكنوا من حشد ذويهم لهذا الاستفتاء، فلم يكد ينتهي مجلس الشعب من اقرار هذه التعديلات الا وتم تحديد موعد الاستفتاء بعد خمسة أيام لا اكثر، هذا إذا سلمنا بان هؤلاء لديهم القدرة علي الحشد، بعد أدائهم الرائع المنحاز للدولة البوليسية، ولتغول السلطة في مواجهة الجماهير!حسنا سنسلم بنسبة الحضور كما أعلنها وزير عدل حكومة الحزب الحاكم في مصر، فالانتخابات لم تكن تحت رقابة القضاء، وحرمة اللجان الانتخابية تم انتهاكها من قبل رجال الشرطة، لدرجة انهم كانوا يجلسون بداخلها بالمخالفة للقوانين والأعراف، وقد سمعنا عن أحد أقسام البوليس الذي علق لافتة تدعو الناخبين للمشاركة، وهذا يمثل خروجا علي مقتضي الواجب الوظيفي، لكن لا بأس فالذين شاركوا هم قرابة العشرة ملايين ناخب، والذين قالوا بالفُم المليان نعم ونعمين تجاوزوا سبعة ملايين مواطن، فهل هذه نسبة تليق بالحزب الحاكم في مصر الذي يدعي انه حزب الأغلبية، وصدع رموزه طوال الفترة الماضية رؤوسنا عن ديكتاتورية الأقلية، والمعني ان المعارضة التي تمثل الأقلية تريد ان تفرض قرارها في التعديلات الدستورية علي الأغلبية الكاسحة، بما لا يتسق مع الأعراف الديمقراطية الراسخة، وعلي الأخص في فرنسا!هم الان يحشرون اسم فرنسا في الطالعة والنازلة، ففرنسا لا تعرف الإشراف القضائي علي الانتخابات ولا يوجد فيها قاض لكل صندوق، ولا أي بلد اخر، وفرنسا لا يوجد فيها تحديد مدة الرئاسة، وذلك في مواجهة الذين طالبوا بتحديد فترة الرئاسة في مصر بدورتين، مع ان القوم تجاهلوا ان فرنسا التي لا تعرف الإشراف القضائي لا يوجد فيها خلط بين الحزب الحاكم ومقدرات البلد، ولم نشاهد الحزب الحاكم هناك يستغل اعلام الدولة وإمكانياتها وموظفيها في توجيه الناس الي حيث يريد، وفرنسا التي لا يحدد دستورها فترة الرئاسة لا يوجد فيها حاكم يحكم منذ اكثر ثلاثين عاما، ويقول هل من مزيد؟ وجاك شيراك بعد انتهاء دورتين لم يقل ان الشعب يحبه، وانه سيواصل المسيرة ما دام هناك نفس يخرج وقلب ينبض. وفرنسا النموذج لم يحدث في طول تاريخها ان تخطي ابن رئيسها الرقاب، وأدار البلد، وتصرف فيه تصرف المالك فيما يملك بسلطان ابيه!لقد كرهونا في فرنسا يا قراء، لكن هذا ليس موضوعنا ، فموضوعنا هو التسليم بنسبة الحضور كما أعلنها وزير عدل الحزب الحاكم المشرف علي الاستفتاء، فهل هذه النسبة تمنح شرعية تليق بالحزب الحاكم في مصر، وهو حزب الأغلبية الكاسحة كما يقول رجاله، وكما لتوا وفتوا في مواجهة المعارضة الرافضة للتعديلات الدستورية!بمقاييس هذا الحزب نفسه فإننا إزاء شرعية منقوصة، ولعلنا نذكر انه عندما نجحت جماعة الإخوان المسلمين في الفوز بأغلبية المقاعد في انتخابات نقابة المحامين، في بداية التسعينيات من القرن الماضي، بعد سيطرتها علي نقابتي المهندسين والأطباء، ان ارتفعت أصوات القوم في الحزب الحاكم تستهين بذلك، وتقول انها الأقلية المنظمة في مواجهة الأغلبية المبعثرة، وتم حشد أساتذة القانون الدستوري الموالين للسلطة للحديث المسهب عن الشرعية الصورية، التي لا تمثل شرعية حقيقية، وكان ان تم اقرار قانون أسموه قانون ضمانات الديمقراطية، ارتفع بعدد الحضور الذي يلزم لإجراء الانتخابات في النقابات المهنية الي 50 في المئة من عدد أعضاء الجمعية العمومية + واحد، لمواجهة الأقلية المنظمة، وبعد ذلك أيقنوا ان القانون ليس في مصلحتهم، فتم منع إجراء الانتخابات في هذه النقابات سنوات عدة، وعندما اضطروا الي إجرائها في نقابة المحامين بعد بضع سنوات من الحراسة المفروضة عليها، حصدت قائمة الإخوان المقاعد بالأغلبية التي اقروها، فأمسكوا عن إجرائها في نقابتي المهندسين والأطباء، بقوة السلطة وبالمخالفة للقوانين!ما أريد قوله هنا انه بالقياس علي ذلك فنحن في مواجهة شرعية منقوصة ايضا، فعدد الذين شاركوا في الاستفتاء علي فرض انهم جميعا قالوا نعم ونعمين للتعديلات، فاننا بذلك نكون امام تحكمات الأقلية، ذلك لان الذين لهم حق التصويت يبلغون 36 مليون مواطن، وبالتالي فان نسبة المشاركة هنا، لابد وان تدفع الحزب الحاكم الي التواضع بدلا من الحديث عن الأغلبية الكاسحة التي صدعوا بها رؤوسنا!لا بأس، ففي فرنسا والدول المتقدمة الحساب يكون بنسبة الذين شاركوا، وليس بخصم عددهم من عدد الذين لهم حق التصويت، لكن ومع ذلك، فان نسبة الذين حضروا وقالوا (نعم) اذا سلمنا بصحة ما أعلنه وزير العدل، تطعن في الأغلبية التي يدعها أهل الحكم في مصر علي النحو الذي أعلنوه!لقد كان السؤال الموجه للمعارضة خلال الفترة الماضية: أليس من حق الحزب الذي يملك الأغلبية ان يقرر بأغلبيته ما يراه؟!وهو كلام حق يراد به باطل، الحق ان الأغلبية في كل أنحاء الدول، بما في ذلك فرنسا، هي التي تشرع، والتي تقرر، والتي تحكم، لكن هل حقيقة ان السلطة الحاكمة في مصر تمثل الأغلبية؟!ان الأغلبية التي يحكمون بها هي أغلبية مصنوعة، لا تعطي شرعية، ولا تمنح مشروعية، فهي أغلبية بسبب السيطرة، لانها لم تكن وليدة انتخابات نزيهة، ففي الانتخابات الماضية التي توفر فيها قدرا ضئيلا من النزاهة (سنتحسر عليه بعد إقرار التعديلات الدستورية الفتاكة) نجح 88 مرشحا للإخوان، وباعتراف رئيس الوزراء نفسه فانهم نجحوا بالتزوير في إسقاط (40) مرشحا كان مقدرا لهم ان النجاح، ومعلوم ان الجماعة المذكورة لم ترشح ناخبين في كل الدوائر، لأنها خشيت من غضبة حكومية لا تبقي ولا تذر!وفي ظل هذه الانتخابات، وعلي الرغم مما شابها من تزوير، وبلطجة، وتعسف في استخدام السلطة، وعصف بالمنافسين، واستخدام مسرف لإمكانيات الدولة، ورجال الامن، وعبث في كشوف الناخبين، والتحايل علي الحكم الدستوري بالإشراف القضائي بجلب موظفين تابعين للدولة للإشراف علي الانتخابات، فضلا عن السيطرة علي الإعلام المملوك للشعب في التعبئة لصالح الحزب الحاكم، وسيطرة علي الحياة السياسية فلا تمنح الشرعية الا لأحزاب لا تعمل في السياسة، ويتم تخريب الأحزاب القائمة التي تخرج عن الخط المرسوم لها من الداخل، فانه وعلي الرغم من ذلك فان ما تحصل عليه هذا الحزب الحاكم هو 32 في المئة من عدد مقاعد البرلمان، ولم يتمكن من الحصول علي الأغلبية المريحة ـ علي حد تعبير قياداته ـ الا بالاستيلاء علي 166 نائبا مستقلا، أعطتهم الجماهير ثقتها لانهم ترشحو ضد مرشحي الحزب الحاكم!لا بأس، سنعطي عقولنا إجازة ونسلم بأن الحزب الحاكم في مصر هو حزب الاغلبية الفتاكة، التي من حقها ان تشرع، ولا تسمع للقلة المنحرفة ان تمارس ابتزازها، فهل كون هذا الحزب يتمتع بهذه الأغلبية حقيقة يجعله يبدو مذعورا خلال الأيام الماضية، فيحول البلد ساحة للوغي، ويتم خطف المتظاهرين ضد التعديلات من الشوارع، ومنعهم من التظاهر بقوة السلاح، وعندما يتخندق منهم المئات علي سلالم نقابة الصحافيين يتم حصارهم بقوات للأمن ولو تم توجيه غضبها صوب إسرائيل لما جر ؤوا هناك علي الاعتراف بقتلهم الأسري المصريين، ولما تجرؤوا علي الاعتداء علي جنودنا علي الحدود.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية