خليل حاوي ورحلة بحث مضنية عن المعرفة ونهاية مفجعة تذكر بالأساطير الإغريقية
كتاب جديد عن سيد الشعراء التموزيين :خليل حاوي ورحلة بحث مضنية عن المعرفة ونهاية مفجعة تذكر بالأساطير الإغريقيةالقاهرة ـ القدس العربي ـ من محمود قرني: عن سلسلة دراسات نقدية التي تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة، صدرت دراسة أكاديمية للناقد عايدي علي جمعة حول التجربة الشعرية للشاعر اللبناني خليل حاوي .يتجاوز عايدي المرجعية الذاتية للشاعر ويشير سريعا إلي ما كتبه شقيقه إيليا حاوي بالتفصيل عن حياته، لكنه، كما يقول، يشير الي منعطفات يراها مهمة في مسيرته وتكوينه، حيث يتوقف أمام حادث فقد حاوي لأخته الصغيرة أوليفيا بسبب الحمي، في وقت كان شديد التعلق بها، كذلك ما واجهه حاوي من عدوان ديني في مستهل حياته التعليمية، في موقف المواجهة مع أحد القساوسة عندما اعتدي عليه بالضرب المبرم لأنه رفض الإجابة ـ كما يقول عايدي ـ عن سؤال للقسيس يقول: من هم الهراطقة؟ حيث أجاب حاوي: إنهم الذين لا يخضعون لسلطة البابا والكنيسة الكاثوليكية، ويشير الباحث إلي أن حاوي كان يعلم أن طائفته التي ينتمي إليها يسمون الهراطقة، وقد ترك التعصب أثرا واضحا عليه وظل يمقته طوال حياته.كما يرصد الباحث ذلك الظلم الاجتماعي الفادح الذي حاق بحاوي في مستهل حياته حيث اضطر للعمل بأعمال يدوية متواضعة بعد أن ترك تعليمه بسبب مرض أقعد والده عن العمل، لكنه عاد إلي الدراسة مرة أخري، وتفوق فيها، ثم التحق بالجامعة الأمريكية ببيروت، ودرس الأدب العربي، وتخرج بامتياز عام 1951 ثم حصل علي الماجستير عن رسالته العقل والإيمان بين الغزالي وابن رشد ، ثم أرسلته الجامعة إلي كيمبردج للحصول علي الدكتوراه، ومكث بالفعل ثلاث سنـــوات أنهي فيها مجموعته نهر الرمـــاد وقسـما كبير من مجموعته النــاي والريح ، وكذلك رسالة الدكتوراه.ويضيف الباحث عايدي علي جمعة أن الفترة الخصبة في حياة الشاعر اعتراها شيء كان له أكبر الأثر في نفسيته وصحته أيضا، حيث تعرض لمحاولة اغتيال بدس السم له، لكنه نجا من الموت، لكنه ظل يعاني آلاما مبرحة طوال حياته ولازمه الصرع الشديد في فترات متفاوتة حتي نهاية حياته.وقد اقتصرت الدراسة علي الدواوين الخمسة التي تركها حاوي وهي علي التوالي: نهر الرماد 1957، الناي والريح 1961، بيادر الجوع 1965، الرعد الجريح 1979، من جحيم الكوميديا 1979 .هذا بالإضافة إلي إشرافه علي موسوعة الشعر العربي، وأطروحته العقل والإيمان بين الغزالي وابن رشد، وجبران خليل جبران في إطاره الحضاري وشخصيته وآثاره وهي أطروحة الدكتور التي نشرت بالانكليزية في بيروت عام 1962، ونشرت ترجمتها العربية عام 1982.اشتملت دراسة الدكتور عايد علي جمعة علي ستة فصول وخاتمة الأول جاء حول اللغة والأسلوب لدي حاوي وتناول فيه الباحث مجاورة الألفاظ في الجملة حيث يقول إن الشاعر لم يلغ ما اكتسبه من ألفاظ عبر عصور اللغة، كما أنه في الوقت نفسه لم يبق تلك العلاقات علي صورتها التي نجدها عليها في القصيدة التقليدية، وحول الحركة والنمو يري الباحث أنهما يتحققان عن طريق استخدام الجمل الفعلية التي تبدأ غالبا بالفعل المضارع ويستعرض مثالا علي ذلك قصيدة مناخ ، ويرصد أيضا استغناء حاوي عن أدوات الربط اللغوية ويقول ان هذه الظاهرة شاعت في الشعر العربي الحديث بتأثير الاستجابة لبعض المفاهيم الرمزية والسريالية، ويقول: إن المذهب السريالي يضحي بالحياة الواعية وواقعها لأنه يزعم أن فوق هذا الواقع أو خلفه واقعا آخر أقوي فاعلية هو واقع اللاوعي، أو المكبوت مما يعتمل داخل النفس البشرية، لذلك فإن السرياليين يرون ـ حسبما يقول عايدي ـ أن الجمل ينبغي أن تتوالي آليا كما ترد في الذهن، ودون أي تدخل من الفكر لتنظيمها، أو الربط بينها.يتناول الباحث أيضا تجليات ومدلول فعل الأمر في احدي القصائد المهمة لخليل حاوي وهي لعازر التي يقول الشاعر في مطلعها: عمق الحفرة يا حفارعمقها لقاع لا قرار ثم ينتقل إلي موقع آخر يقول: آه لا تلق علي جسميترابا أحمر حيا طريالف جسمي، لفه حنطه واطمرهبكلس مالح، صخر من الكبريت..فحم حجري .ويري الباحث أن ظهور الأمر بكثرة، يحمل الكثير من الدعاء لأنه الخطاب الي الناصري، كذلك يرصد صورة الأمر المزيد في ثلاث مقاطع، ثم ينحصر الأمر بعد ذلك مفسحا المجال لتقنيات أخري، كذلك يرصد العايدي وجود فعل الأمر بعيدا عن مطالع القصائد وذلك أسهم ـ حسبما يري في إقامة بنية حوارية تجعل من القصيدة شتاتا يسير في أكثر من اتجاه وهو ما يضفي عليها الكثير من الدرامية، كذلك يرصد حذف المسند إليه والتقديم والتأخير وظاهرة التكرار في صورتيها اللفظية والصوتية وكذلك تكرار الجمل، وتكرار المقطع الشعري نفسه.وفي الفصل الثاني يستعرض المؤلف الصورة والرمز في شعر خليل حاوي وذلك عبر التشبيه والتشخيص وتراسل الحواس والمزج بين المتناقضات، ويستعرض كذلك أنماط الصورة لدي حاوي عبر الصورة الواقعية والصورة المتحركة والرمز الجزئي والكلي ويستعرض كذلك منابعه وأولها الطبيعة، ويري أن صورة الطبيعة تتجسد بشكل كبير في ديوان الناي والريح الذي يتكون من أربع قصائد هي عند البصارة، الناي والريح، في صومعة كمبردج، وجوه السندباد والسندباد في رحلته الثامنة ويقول الباحث إن الريح في عدد من قصائد الديوان تبدو رمزا لقوي الثورة والتمرد علي واقع تعيس، وهي ريح قوية قادرة علي إعادة البكارة والطهر إلي كون فاسد، كذلك يري الباحث أن الواقع أحد رموز الشاعر حتي في حال ارتباطه بما هو قدري وميتافيزيقي، كذلك يستمد رموزه من التراث بمعناه الواسع ومنه التراث الديني اليهودي حيث كتب عن سدوم ثلاث قصائد في مجموعته نهر الرماد .أما عن عيوب استخدام الصورة لدي خليل حاوي فيقول الباحث انه أقل الشعراء وقوعا في هذه العيوب كما لاحظ نقاد القصيدة الحديثة حيث أن شعره سيكشف عن وعي عميق بتكتيكات استخدام القصيدة وفلسفتها، وأبعادها الجمالية المختلفة لكنه يرصد أيضا بعض المباشرة والوقوف عند حدود التشابه الحسي.أما الفصل الثالث فقد تناول فيه عايدي علي جمعة توظيف التراث والأسطورة في شعر خليل حاوي ويرصد في البداية استخدامات الشاعر للإثارة التراثية التي يراها تتميز بالتركيز والكثافة والاكتناز، علي حين لا يفقدها هذا التركيز طاقة البوح والإثارة.ويركز الباحث علي استفادة حاوي من التراث الديني اليهودي بشكل واسع.أيضا يتابع الاقتباس كأحد التقنيات التي يستخدمها الشاعر والاستلهام ويتبدي ذلك حسب عايدي في أنماط استخدام الشخصية التراثية سواء علي المستوي الجزئي فيما يتعلق بارتباط الشاعر بالشخصية المستخدمة أو المستدعاة ارتباطا هامشيا، بينما يستخدم في حالات أخري الشخصية باعتبارها معادلا تراثيا لبعد من أبعاد التجربة حسبما يقول الباحث، وفي هذا النمط يرصد عايدي استخدام حاوي إطلالة بعض الشخصيات في قصيدته شجرة الدر ويري أنه جعل الشخصية محور القصيدة.ويول انه بدأها بالحديث عن الجلاد الذي كان يملكها ويستخدم معها أعنف الوسائل في تقويمها ليحول بينها وبين الدسائس والفحش، ويري أن الشاعر ركز علي جسد شجرة الدر الذي كان يوفر لها انتصارات لا تنتهي وينقل عنه قوله: ولعله جسد تحرر من صفاء الكون قبل الأزمنة أيضا يرصد العايدي إطلالة أكثر من شخصية وعملها كمحور للقصيدة الواحدة، ويري أن نموذج هذه الحالة يتجسد في قصيدة البحار والدرويش المنشورة في ديوان حاوي الأول نهر الرماد .ويقول علي الرغم من أن الشاعر لم يصرح باسم السندباد فيها، إلا أن البحار ييأس من الحضارة الغربية ويقوم برحلة الي الشرق العريق، وهناك يلتقي مع درويش عتيق يدور بينهما حوار حاول الدرويش بكل قوة أن يكسبه لصالحه، فيقنع البحار بقبول النموذج الشرقي، لكن البحار لا يقتنع، ويفضل الإبحار دون غاية، يائسا من الحضارتين الغربية والشرقية معا.وفي الفصل الرابع يستعرض المؤلف البناء الدرامي لدي حاوي ويقول إنه واحد من أهم الشعراء الذين تظهر البنية الدرامية واضحة في شعرهم ومن أهم سماتها الصراع الذي يأخذ بدوره صورا متعددة أولها الصراع الفكري الذي يراه الباحث هاجسا وراء البحث عن اختيار البديل الحضاري في عصرنا الراهن، ثم الصراع النفسي ويرصده عايدي في قصيدة البصارة حيث يدور صراع بين الشاعر والمجهول الذي يحاول ان يعرفه عن طريقة البصارة، التي تحضر الجن كي يخبر الشاعر بما سيكون عليه حاله في المستقبل، ثم الصراع الذهني، والصراع الوجودي.وفي الفصل الخامس يتناول الباحث الموسيقي في شعر خليل حاوي ويقدم إحصائية تشير الي استخدامه الواسع لبحر الرمل بنسبة تتجاوز 56% من شعره بالإضافة الي الكامل والرجز والبسيط الذي يعد الأقل استخداما علي عكس الظاهرة في الشعر العربي الحديث، ويعلل الباحث قيام الموسيقي لدي حاوي علي ثلاثة من الأبحر ذوات التفعيلة الواحدة بأن ذلك من شأنه أن يؤدي إلي وضوح الجرس وبساطته بعكس العلاقة القائمة علي الاختلاف التام، ويشير الباحث علي أن نظرة علي القصائد التي جاءت علي بحر الرمل عند حاوي تعطينا انطباعا بوجود تيار عاطفي حزين يمر بها ويغلب عليها التأمل ويأخذ مثالا علي ذلك من ديوانه الرابع الرعد الجريح حيث يرمز بها للأمة العربية التي لم تشيع إبنا واحدا بل شيعت ألف ابن وابن، كذلك يتناول الباحث القافية التي يراها تنتمي إلي أنظمة مختلفة منها ما هو صوتي، ومنها ما هو دلالي ويعرفها الخليل ـ نقل عن الباحث ـ بأنها مجموعة الحروف التي تبدأ بمحرك قبل آخر ساكنين في البيت، ثم يتناول الباحث ما أسماه التناغم الصوتي ثم التناغم والأصوات المجهورة والمهموسة.وفي الفصل السادس والأخير يتناول خليل حاوي في إطار حركة الشعر العربي الحديث، ويشير إلي أن قصيدة حاوي لا تتسم بالاستغلاق وإنما بالبناء الضخم الذي تختفي تحت قمته الظاهرة طبقات ودهاليز لا يبخل الشاعر بترك كثير من الإشارات التي تساعد القارئ في اكتشاف أغوارها، ويقول إن هذه الموازنة قام بها خليل حاوي علي أكمل وجه إذ لم تمل القصيدة عنده إلي جانب الغموض القاسي ولم تمل في نفس الوقت الي جانب الوضوح الذي يفقدها بكارتها من أول وهلة.ويقول الباحث أن من أهم سمات خليل حاوي أنه لم يقع في العيوب المشهورة التي وقع فيها، رصفاؤه من رواد حركة الشعر الحر، خصوصا في مجال استخدام الاسطورة وليست الأساطير والطقوس، كما اعتبر البعض ـ حسب الباحث ـ نتاجا لملكة خرافية، بل إن قيمتها الرئيسية هي في حفظها حتي عصرنا هذا وعبر أشكال مترسبة علي أنماط من التفكير والمعاينة كانت ولم تزل صالحة لنوع معين من الاكتشافات التي سمحت بها الطبيعة انطلاقا من تنظيم العالم المحسوس واستثماره الفكري بصيغ المحسوس نفسه.ويضيف العايدي أنه بتأثر الشعر العربي بإليوت ونتيجة لواقع معقد وثقافة متنوعة رأينا الشاعر العربي الحديث يلجأ إلي استخدام الأسطورة، لأن الأسطورة توفر وسيلة سريعة للوصول الي لب التاريخ، ثم يعقب الباحث مشيرا الي استخدام الأسطورة، ويقول إن القصيدة العربية حققت علي أيديهم مكاسب مهمة نتيجة هذا الاندفاع، لكنه يرصد في المقابل بعض المزالق التي وقع فيها هؤلاء الشعراء مثل عيب تكدس القصيدة بإشارات تراثية أجنبية ليس بينها وبين المتلقي العربي، الذي يكتب الشعر الحديث، صلة كبيرة بها ولم يستطع الشعراء التغلب علي هذا العيب ببعض الحيل الفنية التي تحوله إلي ميزة تحسب لهم، ومن ثم رأينا القصيدة تكــثر فيها الحواشي الشارحة والمعسرة لها.ويشير الباحث إلي أن حاوي رغم ذلك وصل ببعض الرموز إلي درجة لافتة من التفرد، مثل استخدامه لرمز السندباد، الذي اكتشفه الشاعر صلاح عبدالصبور، وأنهي الباحث فصله الأخير بالقول إن خليل حاوي يستخدم الأسطورة استخداما متميزا، وقد فتح الباب واسعا لبعض الشعراء في استخدامه اسطورة تموز، حتي أطلق عليهم الشعراء التموزيين، ويضيف أنه كان له إسهام كبير فيما يسمي بالاتحاد التموزي، أي جعل تموز يتحد مع ما يضارعه من رموز الخصب.ويختم الكتاب بالقول إن القصيدة عند خليل حاوي تعد نموذجا لفلسفة الشعر الحر، وما دعي إليه، وما اتسم به من طموحات وجدت أقصي تحقيق لها علي يد هذا الشاعر الكبير.يقع الكتاب في 296 صفحة من القطع المتوسط.QMK0