التبادل عرض مسرحي بين النص الكلاسيكي والإخراج المعاصر
عن عمل لبول كلوديل يشرح الحرب التي تعصف بالفرد بسبب الغيرة واهواء السلطة والمال: التبادل عرض مسرحي بين النص الكلاسيكي والإخراج المعاصردمشق ـ القدس العربي ـ من يارا بدر: برعاية وزارة الثقافة، وضمن إطار أيام الفرانكفونية التي تنظمها سفارات البلدان الناطقة بالفرنسية، وبالتعاون مع الهيئة العامة لدار الأسد للثقافة والفنون، قدمت السفارة الفرنسية والمركز الثقافي الفرنسي في دمشق، عرضا مسرحيا علي خشبة مسرح الدراما بدمشق باسم التبادل للكاتب الفرنسي بول كلوديل، من إخراج الفرنسية سارة ساندرز، وهو عرض لفرقة (لا كوميدي نوار- الكوميديا السوداء) بإشراف فني من جاك مارسيل.كتب بول كلوديل (1955-1868) نصّه هذا في نيويورك وبوسطن ما بين عامي (1894-1893) حين زار تلك المدن بصفته الدبلوماسية. العديد من نصوص كلوديل عضو الأكاديمية الفرنسية (1955-1946) تقدم حتي الآن علي أيدي أبرز المخرجين الفرنسيين والأوروبيين رغم قالبها الكلاسيكي جداً، وربما اشهر العروض كان حذاء الساتان الذي كتبه كلوديل في العام (1929)، بتوقيع المخرج الفرنسي أنطوان فيتيز (1987)، استمر العرض اثنتي عشرة ساعة متواصلة.كلمة المخرجة سارة ساندرز علي بروشور العرض: (لماذا مسرحية بول كلوديل التبادل في عصرنا هذا؟):(إنّ هذه المسرحية التي هي تحفة شاب من أعظم شعراء المسرح الفرنسي المعاصر، هي اليوم وبعد أكثر من مئة عام علي كتابتها، راهنة أكثر من أي يوم مضي.نحن أمام أثرياء يُقررون ما هو مُناسب للفقراء، أمام رجال يُقررون مصير نساء عبر تشيئهنّ، ويجدون ذلك طبيعياً. البشر في المسرحية سلع، يُمكن لمن يمتلك الإمكانيات أن يتصرّف فيها علي هواه).حكاية المسرحية عن الحرب الداخلية التي تعصف بالفرد، الحب والغيرة وأهواء السلطة والمال. تجري الأحداث في أمريكا، علي الساحل الشرقي، حين يلتقي عالمان متناقضان من الصعب أن ينتصر أحدهما إلا بسحق الآخر كلياً. عالم الزوجين الفرنسيين الشابين، الزوج لويس لين (مثل الدور فانسان بيرد لوساج) الطفولي، ذاك النمط من الرجال الذي يعيش أبداً طفلاً، يبحث عن حنان الأم، ويعشق جنون الحياة، يعيش فقط برغباته ولرغباته فقط، لا يخاف الموت قدر ما يخاف فقدان حريته حين تغدو الحرية تنصلاً من كل أشكال المسؤولية.المرأة مارت (مارتين ماكسيمان) هي صورة دقيقة عن أنثي لا يُميزها سوي أصالة تقليديتها. هي عادية بحبها الكبير، الإخلاص والحنان، عادية بجمالها ورتابة حياتها اليومية حتي الطهارة، القناعة الممزوجة بسعي النملة نحو الحياة الشريفة تعكس وجوداً كاثوليكياً نقياً من أية شائبة، أو هي حسب تعبير المخرجة: امرأة قدماها علي الأرض.الوجه الآخر للعملة زوجان أميركيان بعراقة. رجل الأعمال توماس بولوك ناجوار (جان فرانسوا بريفان) عملي وواقعي، يُجيد القيام بعمله مع القليل من الحظ كما يذكر، وهي شروط أمنت له الثراء. وزوجة هي وجه اجتماعي، ممثلة مسرحية تختصر عوالم أشهر بطلات التراجيديا الإغريقية ميديا ، ليشي إلبيرنون أدت دورها المخضرمة (لورانس فيفرييه) يقودها هوس الاستحواذ، في منتصف العمر تقريباً، تخشي فقدان زوجها وبريق مهنتها مع ذوبان جمالها، تسعي إلي امتلاك لويس لين بديلاً عن الابن وعن حلم البقاء، تأخذ منه الشباب والجمال وتعطيه في المقابل جنون الحياة، وخبرة المرأة المالكة لأنوثتها. بينما يجد رجل الأعمال توماس في عادية مارت نقاءً يفتقده منذ زمن وهدوءاً يحن إليه. يتبادل الرجلان مارت، المقايضة مقابل المال فيبيع لين زوجته ويختار ليشي، ليكتشف لاحقاً أنها تخنق حريته أيضاً، يحاول الرحيل فيري الموت سبيله الوحيد، وهو موت اختارته له ليشي التي ترفض الخسارة!ہ ہ ہنص كلاسيكي يليق بعضو الأكاديمية الفرنسية ، يُحقق قانون الوحدات الثلاث في الزمان (المحصور بدورة شمسية واحدة حسب التعريف الأرسطي)، والمكان (المنزل المتواضع للزوجين الفرنسيين)، والحدث (عملية التبادل)، ومن أجل قاعدة حسن اللياقة فإنّ الأحداث الدامية أو المثيرة (كتفاصيل العلاقة الغرامية بين لين وليشي أو مقتل لين) تجري خارج الخشبة، نسمع حديثاً غرامياً قوياً بلغة مهذبة، أو نكتفي برؤية الجثة.أبرز ما في النص لغته ذات الشعرية العالية، تخلق صورها الجمالية عن البحر والسفر، عن الأحلام والماضي، تكشف عن الجميل في الروح الإنسانية هذا التوق الذي تختزنه بكل عنفوان وتسعي إليه كمن يسعي نحو السراب.سارة ساندرز التي نالت شهادة المعهد الموسيقي الوطني العالي لمدينة باريس، ومنذ خمسة عشر عاماً تدرّس الغناء في العديد من الاستوديوهات وتبحث في كل الأنواع الموسيقية إذ تعتبر أنّ لكافة أصناف الموسيقي تميّزها. عملت كمخرجة في هذا العرض علي منع تحقيق الحالة الإيهامية للنص، من خلال مستويات تغريبية قوامها تكسير شكل الأداء من خلال الصوت بالدرجة الأولي، والإعلان عن المسرحة في الأداء، الممثل يُباعد بينه وبين الشخصية مؤكداً للمتلقي أنه مجرّد ممثل، والمباعدة تعتمد تقنيات الصوت أساساً، التظاهر بالصرخة ولكن دون صوت، الحالة الانفعالية العالية للشخصية مع الكلمات الشعرية في مقابل الصوت الحيادي للممثل، الدموع غير الموجودة علي الوجه حين يوحي الجسد والصوت بوجودها… كل هذا ساعد علي كشف اللعبة المسرحية أمام المتلقي، إلا أنه قاده نحو الاضطراب طوال وقت العرض (قرابة ساعتين) ما بين النص الإيهامي بكافة تفاصيله والإخراج البريختي الذي يحطم هذه الإيهامية. الصوت كتقنية تغريبية كان وسيلة لتطبيق رؤية إخراجية معاصرة علي النص الكلاسيكي. من ناحية ثانية تميّزت كل شخصية بشكل أداء ينسجم وطبيعة تقديمها، مما خلق تضاداً بين الأصوات الدرامية الأربعة، لم نكن كمتلقين أمام شخصيات بالمعني الحقيقي، وإنما أمام أصوات درامية متشابكة في علاقاتها الصدامية. شكّل الصوت علي مستوي بناء النص جستاً للشخصية، و(الجست Gestus كلمة لاتينية انتشرت مع الخطاب النقدي المسرحي بتأثير من بريخت، وإن لم تكن هذه الكلمة بمعناها المسرحي من ابتداعه، إذ استخدمها الألماني لسنغ (1781-1729) منذ القرن الثامن عشر للتعبير عن الحركة المميزة للفرد أحياناً، وفي أحيان أخري للتعبير عن الطابع المميز لاستخدام الجسد. بالمعني البريختي تأخذ أية حركة أو كلام أو إشارة علي المسرح لها بُعد اجتماعي)ہ.من هنا يُمكننا القول أنّ عبارة رجل الأعمال الأميركي توماس لكل شيء ثمن… تشكل جستاً لفظياً يدل عليه وعلي كامل تركيبته النفسية أو الذهنية. في مقابل الجست اللفظي/ الحركي للممثلة ليشي، حيت اعتمدت المبالغة في الحركة أو اللفظ، في إشارة صريحة إلي شكل التمثيل التراجيدي لنصوص المرحلة الكلاسيكية في فرنسا. تقابلها حركة سريعة بخفة ورشاقة للشاب لين. يُمكن اعتبار هذه العلامات الثلاث علامات مُستقاة من روح النص، في حين بدا خيار اللون للممثلة مارتن ماكسيمان خياراً إخراجياً، لون البشرة الأسود شكل جستاً مميزاً للشخصية كإشارة إلي تناقضات العالم الأمريكي من جهة والتمييز فيه، وإعلان مُفارقة بين الصفاء الداخلي والمصالحة مع الذات التي تحملها هذه المرأة ذات البشرة الداكنة، في مقابل أصحاب البشرة البيضاء بصراعاتهم النفسيّة العنيفة ومجموعة الرغبات التي تقود الفرد منهم إلي إلحاق الأذي بالآخرين، دون أن يملكوا من البياض سوي لون البشرة.بين هذا وذاك تسعي المخرجة مع فنييها إلي خلق فضاء مكاني رحب، يبتعد عن التصوير الواقعي نحو قطع الديكور البسيطة، مُتيحاً مساحة حرة علي الخشبة للأداء الحركي ومجالاً للصوت يمتد ويُساعد في نثر أفكاره وأخيلته.طاولة خشبية مع كرسيين خشبيين، في الخلف حبل غسيل عليه شراشف بيضاء، وجذع شجرة في الجهة اليسري للخشبة (بالنسبة للمشاهد) ورمز شجرة صغيرة بجانبه. هذا فضاء المنزل الصغير، أبواب الكواليس من جهة اليمين تفتح إيهامياً علي غرف المنزل الأخري، ومن الجهة المقابلة تقود إلي منزل السيد توماس وزوجته.فضاء هذا المنزل هو فعلياً فضاء مارت، قطعها الصغيرة فقيرة مثلها، صامتة تفاصيلها حادة وإن وشت بالحميمية من الداخل، يبدو خيط علاقة بين مارت والأشياء الغريبة عن الآخرين. شراشفها بيضاء نظيفة، ولكن بياضها بارد، خلفها تجري الأحداث المؤلمة كالقتل أو الخيانة أو حريق المنزل الكبير، وأمامها يحضر الحوار الإنساني الصريح والمشاعر المتضاربة من الوجع إلي الشغف، لتبدو هذه الشراشف وكأنها تقسم فضاء الخشبة إلي عالمين متناقضين بين الحلم والحقيقة، بين مكان القول ومكان الفعل. باستثناء فعل التبادل الذي يتم أمام الحبل، في تأكيد علي قوته ومباشرته.*****راهنية النص تحضر علي مستويين، الأول اجتماعي صريح ومعلن، أما السياسي فهو ضمني وخاضع للقراءات المختلفة. قضية المرأة حاضرة بقوة في الاهتمام العالمي اليوم، تشيئها باعتبارها مُعطيً تابعاً وليس ذاتاً. مارت التي تباع وتشتري قد تبدو محور العمل وباقي الشخصيات في فلكه، إذ أفسحت المخرجة حضوراً أقوي لها، فهي لا تغيب عن الخشبة إلا لدقائق خلال فصلي المسرحية.اليوم، بعد مئة عام علي كتابة النص لعلّ بعض المبالغة تظهر في تقديم امرأة علي هذه الشاكلة، ولكن ليس في البلدان العربية بكل تأكيد، أما بالنسبة للدول الأوروبية فهي رسالة من اجل استمرار النضال في سبيل نيل المرأة لكافة حقوقها الإنسانية.المرأة المقابلة، ليشي إلبيرنون، تقوم بمساحة فاعليّة أقوي من مارت بالتأكيد، ولكنها فاعلية سلبية. ليشي الأميركية، ممثلة المسرح، العاملة والمثقفة هي في هذه اللعبة تقوم حقيقة بردات فعل، وردات فعل قوية. امرأة تعيش الواقع وتحاول استغلال المساحة الصغيرة التي تمتلكها فيه، في حين تبدو مارت بتدينها الداخلي الشديد أكثر روحية من ليشي. ورغم أنهما امرأتان من عالمين مختلفين إلا أنهما تشكلان بشكل ٍ أو بآخر ضحايا عملية التبادل الذكورية.إنّ تقديم شخصية مارت في مجتمعنا السوري الراهن ينحو إلي مستوي رسالة سياسية غير مباشرة من جهة، وكذلك النص مُتكاملاً من جهة ثانية، نصاً كقصيدة حنين إلي الوطن الجميل فرنسا، وهو وطن مارت وزمن طفولتها، يُشكل رواية الزمن الجميل بطهارته وذكرياته، وهو يَحضر في العالم الأميركي غريباً منبوذاً عن نسيج المجتمع الجديد وقوانينه.موقف السفير بول كلوديل من الحضارة الناشئة يُفهم كصدمة حضارية بين مجتمعين. اليوم في سورية، يلعب المركز الثقافي الفرنسي دوراً شديد الفاعلية علي الساحة الثقافية، من حيث رعايته للعديد من النشاطات الثقافية السورية، كمعارض التصوير والرسم ورعاية العروض المسرحية وسوي ذلك، ومن حيث تقديم الثقافة الفرنسية المعاصرة كما الكلاسيكية، وهي ثقافة تقدم ضمن رؤية سياسية واعية تماماً للضغوط الأميركية في المنطقة، وواعية تماماً للمجتمع الإسلامي الذي يعاني أفراد مجتمعه من تهمة الإرهاب الأمريكية، فيغدو نص كلوديل الذي يهاجم المجتمع الأمريكي آنذاك كرسالة محبة وتضامن من المجتمع الفرنسي للسوريين في حاضر اللعبة المسرحية الآن.. وهنا .وأياً كان الموقف السياسي الفرنسي من الحكومة السورية، إلا أنّ الخطاب الثقافي/ الفني نجح في إثبات نفسه وحسن نيته تجاه الشارع السوري أكثر من نظيره السياسي، خاصة مع الغياب المطلق لأي نشاط و دعم من المركز الثقافي الأميركي، ومع حركة خجولة هنا أو هناك للمركز الثقافي البريطاني.اجتماع هذه المستويات المتعددة في العرض، يضعنا أمام مفهوم الإخراج المسرحي الحديث كما عرّفه المخرج الفرنسي باتريس بافيس :1 ـ تحقيق مادي علي الخشبة للعالم التخييلي (النص لغة وخيالات وحكاية ورؤي).2 ـ محاولة الخروج من الشيء المادي الذي يقترحه النص بشيء خيالي (إنتاج خيال العرض).3 ـ الأدلجة: تقديم رؤية فكرية.ہ ـ الياس (ماري)، قصّاب حسن (حنان): المعجم المسرحي مفاهيم ومصطلحات المسرح وفنون العرض ، لبنان ناشرون، بيروت /1997/، ص331 .QMS0