مصر: إمكانية تحول العصيان السياسي إلي عصيان مدني يمنع الفوضي
محمد عبد الحكم ديابمصر: إمكانية تحول العصيان السياسي إلي عصيان مدني يمنع الفوضي علي الرغم مما جري في قمة الرياض، باعتبارها قمة كوارث تعيد الروح إلي الدور السعودي، وتجعل منه مركز استقطاب جديد، لإنقاذ المحافظين الجدد، في واشنطن ، وانتشال إيهود أولمرت من السقوط بعد هزيمته في لبنان، في تموز/ يوليو الماضي، ومن المتوقع أن تهيئ هذه القمة مسرح العمليات لتوجيه ضربة عسكرية إلي إيران، وقد تابع أغلبنا نشاط الأمير بندر بن سلطان، مستشار الأمن القومي السعودي، علي الجبهات الصهيونية والأمريكية والإيرانية، في محاولة لتحقيق نصر سياسي علي الإيرانيين، مقابل تعطيل الضربة العسكرية المعدة لهم، وكان فشله في مهمته أحد أهم أسباب نقل القمة من شرم الشيخ إلي الرياض، لتتمكن الإدارة السعودية من استعادة دبلوماسية دفتر الصكوك ، وتساعد الإدارة الأمريكية في حقن العرب بـ المخدر الفلسطيني ، واستخدامه لإخراج المنظومة الصهيو غربية من ورطتها في العراق، وهزيمتها في لبنان، ومأزقها في فلسطين، وفشلها في حربها علي الإرهاب ، التي أدت إلي اتساع رقعة العنف والمقاومة. وهذا اقتضي من الدور السعودي التحول من تعريب التطبيع ، الذي تكفلت به مبادرة الأمير عبد الله (الملك حاليا) في بيروت 2002، تهيئة للمسرح الإقليمي لغزو العراق، إلي غطاء لمرحلة أخري يصطف فيها النظام العربي في صف ضرب إيران، وكان ذلك واضحا منذ تغيير طبيعة المحور الثلاثي، المصري السوري السعودي، وتشكيل محور رباعي بديل، من الأردن والسعودية ومصر والإمارات، واستبعدت سورية باعتبارها محسوبة علي ما يطلق عليه الهلال الشيعي ، وهذه الرباعية العربية شكلت نواة القوس السني ، الرديف الجاهز لوضع المجهود الاقتصادي والعسكري والبشري العربي في خدمة المخطط الصهيو غربي. وإعادة طرح المبادرة السعودية يلبي مطالبه. والبداية، حسب المعلومات الواردة من واشنطن وتل أبيب، تقوم علي تجاهل حق العودة لإسقاطه في مرحلة تالية، تكون سورية وحماس قد انتزعتا من أحضان إيران، حسب ما ورد في الصحافة الصهيونية، سواء الصادرة باللغات الأوروبية، أو الناطقة بالعبرية. رغم هذا اضطرتنا الظروف إلي الاستمرار في تناول ما جري في مصر مؤخرا، لعلاقته بأسباب إبعادها عن محيطها العربي والإسلامي وعزلها، حتي تمكنت الإدارة الأمريكية من توظيف دورها في اتجاه معاكس.فالاستفتاء الذي أعلنت نتائجه يوم الثلاثاء الماضي، وإن كان بداية لمرحلة أشد سوادا في تاريخ مصر الراهن، فإنه يحمل دلالات علينا التوقف عندها. وقبلها أود التذكير بما نشر علي هذه الصفحة في 16/9/2006، بقلم كاتب هذه السطور، كتوقعات سبقت المؤتمر السنوي الماضي للحزب الحاكم. قلنا إن التأييد الأمريكي لـ التوريث يأتي أكله بجراحة قيصرية ديمقراطية . تحتاج ما هو أكبر من مهازل تعديل المادة 76، وما ترتب عليها من انتهاكات طوال عامي 2005 و2006، ، وتعرضنا وقتها إلي تراجع سيناريوهات كانت معدة لتعيين جمال مبارك، نائبا للرئيس، واستبدالها بزحف منظم علي المواقع القيادية في الحزب، أوصلته إلي منصب الأمين العام المساعد. بدون انتخابات، وبطريقة فرض الأمر الواقع، إلا أن هذا الزحف زاد من استفزاز الرأي العام، فبدا أكثر رفضا له، وسعي للالتفاف حول الرفض، وفرض أمر واقع مختلف، بتعديلات دستورية تسمح بنقل صلاحيات رئيس الدولة إلي رئيس الوزراء، تقليدا للنموذج التونسي، فيحل رئيس الوزراء، بدلا من رئيس مجلس الشعب، المعمول به في مصر، محل رئيس الدولة، في حالة الغياب أو العجز أو الوفاة، أو المحاكمة بتهمة الخيانة العظمي، وبعدها تصبح رئاسة الوزارة حلا لمشكلة جمال مبارك، وكان طبيعيا والأمر كذلك أن تشمل التعديلات المادة 88 لكي لا يسمح للقضاء بالإشراف علي الانتخابات.تراجع هذا السيناريو، إلي حين، بسبب خطر مجموعة جمال مبارك، ومنازعتهم للأب سلطانه وسلطاته.. هذه التّذْكِرة ضرورية لتأكيد سبق القدس العربي ، منذ أكثر من ستة شهور، في طرح معلومات وتحليلات ثبتت صحتها فيما بعد، وتمت المذبحة الدستورية . التي نفذتها سلطة غاشمة، وأصر عليها حاكم مستبد، لم يسعفه ذكاؤه علي اكتشاف المخاطر المتوقعة. فمثل هذه التصرفات تدفع البلاد دفعا نحو العنف السياسي والاجتماعي، وهو من النتائج الطبيعية لإغلاق أبواب ومنافذ التغيير السلمي والتداول الديمقراطي، وعندما نعود إلي نفس ما كتبناه في ذلك الوقت، نجد أننا نوهنا إلي ما كتبه، النائب اليساري السابق، أبو العز الحريري، في صحيفة التجمع (ايلول/ سبتمبر 2006)، عن إمكانية اغتيال جمال مبارك. وجاءت التعديلات لتزيد من هذا الاحتمال، وهذا لا يعني وجود معلومات مؤكدة أو نافية، إنما الاحتمال يستنبط من مسار الأحداث، وتحليل وقراءة التحولات، خاصة إذا ما تمت عنوة، لفرض أمر واقع من الصعب أن يستقر.والاحتقان الزائد، وضرب محاولات البحث عن حلول سلمية وديمقراطة لأزمة الحكم، ومأزق العائلة وإجهاض أي فرصة تفتح بابا للأمل. كل هذا يفتح الأبواب أمام المغامرة، والحلول الانقلابية، ولا يجب استبعاد لجوء اليائسين إلي تصريف طاقة الغضب التي يوجهونها إلي أنفسهم بالانتحار، كما حدث لحالات من الشباب المتعلم، وتتوجه هذه الطاقة الانتحارية في اتجاه آخر مدمر. وكان ملفتا للنظر ما قامت به التعديلات من إلقاء القفاز في وجه أهم قوتين تحميان بنيان الدولة الحديثة. وهما القضاة والعسكريون، وننبه هنا إلي أن جهاز الشرطة هيئة مدنية بنص الدستور. وأشار الباحث والأكاديمي رفعت لقوشة، في صحيفة العربي الناصرية العدد الأخير، إلي تعديل المادة 76 مرة أخري. فقضت بإقصاء المؤسسة العسكرية، ومنع الشخصيات العسكرية من الترشيح لمنصب الرئيس، وحرمتها من واحدة من مهماتها وهي حماية الدستور.وإذا كان حسني مبارك وزوجته وإبنه قد أسقطوا هذه المؤسسة من حسابهم، ويلاحقون من انتقل إلي الحياة المدنية، مثل عبد الحليم أبو غزالة وسعد الدين الشاذلي، ويحرمونهم من المشاركة السياسية، ويهدرون حقهم الإنساني، فإن هذا يعقد الوضع ولا يخفف منه. وإن كان يرضي الاتجاهات المصهينة والليبراليون الجدد، المحيطون بالإبن وحول الزوجة، ويقبل به السذج، المنساقون في ذبح جيش مصر الوطني. بسكين هزيمة 1867، ولا يقبلون منه نصر 1973، ودوره في دعم حركات التحرر العربية، وغير العربية. لا يفرقون بين خنفس الذي خان أحمد عرابي، وبذلك يكون قد خان الجيش والوطن، واندثر خنفس وبقي عرابي، ومن يتشبه بخنفس، فلن يختلف في المصير أو حكم التاريخ، فضباط مصر وجنودها، قادوا الثورة وصنعوا النهضة معا، منذ إبراهيم باشا، مرورا بأحمد عرابي، وسامي البارودي، وعزيز علي (المصري)، ومحمد نجيب، وجمال عبد الناصر، ويوسف صديق، وزكريا محيي الدين، وحسين الشافعي، وخالد محيي الدين، وكمال رفعت، وأمين هويدي، ومحمد فوزي، وعبد المنعم رياض، وبناة المشروعات الكبري مثل صدقي سليمان، باني السد العالي، والإداريين العمالقة، كحلمي السعيد، والمثقفين العظام، كثروت عكاشة، والإعلاميين الوطنيين كمحمد فائق، وقاهر الصحراء مجدي حسنين، باني مديرية التحرير، والقائمة تطول. جيش مصر بني المشروعات الكبري وقاد النهضة والتحديث، وعلي من يشك في ذلك الاطلاع علي تفاصيل تجربتي محمد علي وجمال عبد الناصر، بتجرد ووطنية، وحياد علمي مطلوب، عند التعامل مع أحداث التاريخ، وأعتقد أن حسني مبارك بإسقاط المؤسسة العسكرية من حسابه، فذلك يشرفها، ويثبت أنه لم يتمكن من ترويضها لحساب التوريث .تم الاعتماد علي منظومة الفساد السياسي والمالي، وضغط أجهزة السلطة وعصا الأمن في حشد الناس للاستفتاء. ويعترف، عضو مجلس الشعب، عن الحزب الحاكم، محمد أحمد حسين، لصحيفة صوت الأمة ، في عددها الأخير، برشاوي قدمها الحزب لنوابه ثمنا لموافقتهم علي التعديلات. تراوحت بين الإقامة في فنادق فخمة، واستجابة لطلباتهم الخاصة بدوائرهم، ومنح كل منهم 25 ألف جنيه. ومارست مؤسسة الرئاسة ضغوطها علي اتحاد العمال لحشد العمال وتهديد من لا يذهب بعقوبات صارمة، وأبلغت رؤساء الشركات وأصحابها، تقديم الإغراءات اللازمة لمن يشارك. بتقديم وجبات غذائية، ومبالغ نقدية، وحافلات خاصة مكيفة. تنقلهم إلي مقار الاستفتاء، وأصدر رئيس الوزراء تعليماته إلي رئيس المجلس الأعلي للشباب، ورئيس المجلس الأعلي للرياضة، بتوزيع حلوي مولد النبي، إغراءا للفقراء، بواقع عشرة آلاف علبة، لكل دائرة انتخابية، وتعليمات وزير التعليم العالي لمديري الجامعات بإعفاء الطلاب من مصاريف المدن الجامعية، لمدة شهر، مع وجبات مجانية لمدة اسبوع، ورحلات ترفيهية إلي المناطق الساحلية، وكان نصيب المصانع الحربية، خمسة وعشرين جنيها للعامل وإعفاءه من نصف يوم عمل وشركات أحمد عز أجبرت العمال بالتوقيع علي كشوف الحضور والانصراف، أمام لجان الاستفتاء، وكافأتهم بيوم عطلة مدفوع الأجر، وملياردير السيراميك محمد أبو العينين، تكفل بإحضار عماله من مدينة العاشر من رمضان، إلي مقار اللجان في الجيزة وتحمل كافة النفقات. أما رجال الشرطة والأمن فقد استولوا علي الحافلات الصغيرة والمتوسطة، واستخدموها في القبض علي المتظاهرين، ونقلهم إلي أطراف المدن، وهذا شل حركة المواصلات، وحال بين المواطنين والذهاب إلي أعمالهم.وعلي العكس كان حال العاملين الحكوميين، والمهنيين وأصحاب وعمال الورش والمصانع الصغيرة ومحلات البيع، والطلاب والعاطلين، فشلت معهم كل الحيل، حتي أن العاملين في المحليات سربوا الرسائل الرسمية التي أرسلت إلي رؤسائهم بهذا الخصوص. وشهدت الإسكندرية عزوفا عن الاستفتاء، رغم جهد وزير التعليم العالي لإقناع طلاب الجامعة بالتصويت، وعقد لذلك مؤتمرا كبيرا لم يأت بالنتيجة المرجوة، وفشلت الجهود الحكومية والحزبية، وكانت الخسارة مبالغ طائلة. صرفت علي النواب، وعلي استئجار حافلات مزودة بمكبرات صوت، حتي قمصان الأطفال التي حملت صور وشعارات لزوم المناسبة لم تجذب أحدا، وتحدي المواطنون كل هذا، واجتازوا اختبار المقاطعة بنجاح، وعلمت من أحد قادة كفاية أن معنوياتهم عالية رغم القبض علي عدد منهم، فقد شعروا أن جهودهم لم تضع سدي.لن تتعلم العائلة الدرس، ولن تعترف بالهزيمة، ولا يمكن أن يطلب منها أن تتشبه بديغول بعد مظاهرات 1968، ولا بعبدالناصر بعد النكسة، فشتان بين الزعماء والثوار. إنهم يملكون الكبرياء والأنفة، أما المستبدون يشعرون بالضآلة، مهما علت مناصبهم، وكبرت كروشهم، وتكدست ثرواتهم. ونجاح المصريين في ممارسة العصيان السياسي يقربهم من يوم العصيان المدني . الذي أصبح ضرورة تحول بين مصر والغرق في بحر الفوضي.9