حمية
أحمد محمد الرحبيحميةقررت أن أصبح خفيفا. خططت للأمر جيدا واخترت له التوقيت السليم: إجازتي السنوية. قبل أي شيء توجب عليّ التخلص من الزمن. رفعت الساعة من أذنيها وتركتها في كيس القمامة. في اليوم الأول رن الهاتف، فاجتنيتها فرصة لاختبار وزني. رفعت السماعة وهمهمت فيها ثم تركت المتصل يتحدث كيفما يريد بينما أرخيت سمعي لأصوات أخري. عندما انتهت المكالمة لم أشعر بأي تأنيب، فأيقنت أن التجربة ناجحة وأني في طريقي لأكون خفيفا.قللت من الكلام، أسقطت معظم الشتائم من قاموسي وأبقيت علي المريح منها: البصاق، إشهار الإصبع الوسطي وبعض الشتائم الخفيفة علي اللسان. مسحت الكثير من الكلمات واختصرت حروف بعضها: نم بدل نعم، إيماءة رأسية بدل لا، وللتطبيق، اتصل أحدهم ليدعوني للعشاء، امتنعت بإيماءة من رأسي، وعندما أعاد طلبه قلت: نم. مساء كنت معه علي العشاء. قللت أيضا من حركاتي: في البانيو، أخذت أتجاهل سحب الليفة من الرف العالي أو أنني أهملها لو سقطت من يدي ثم أطأها وأنا خارج من الحمام. لم أطفئ التلفاز ولم أمد يدي إلي الريموت ، ومع الوقت، سلمت بالمشاهدة بلا صوت. أدفع للبقال أو سائق الأجرة ولا أنتظر الباقي. مرة تركت الثلاجة مفتوحة وخرجت من البيت دون إغلاق الباب… فعلت ذلك أكثر من مرة، فالأمر بحاجة إلي التدريب.. والتضحية. تذمر جاري الثرثار من صمتي وأوصد دونه الباب، أما زوجتي فقد قررت البقاء في بيت أهلها للأبد ما يعني أن الأمور تسير سيرها الصحيح. ما أن تصل قدمي إلي نقطة العبور في الشارع حتي يشع الرجل الأخضر في الإشارات الضوئية، حدث ذلك خمس مرات منذ بدأت الحمية.انقضي نصف الإجازة وإصراري يتفاقم. حدث مرة أن تبعت خطواتي كلبا مشردا حتي أوصلني إلي مكب القمامة في أطراف المدينة، لم يكن لدي ما أفعله، فبقيت هناك إلي أن أعادني كلب آخر. انقلب الكرسي فجلست عليه مقلوبا. لم أبدل اللمبات المعطوبة. مساء أشاهد ما يعرضه التلفاز الصامت حتي تنطفئ عيني.في طريقي إلي العمل أخبروني عن إزاحة المدير وتعييني مكانه. كنت أعرف أن ذلك سيحدث وأنا مستعد له. جلست في المكتب الجديد، عبرت الأوراق أمامي وخرجت، دخل الموظفون الصغار وخرجوا، جاءت القهوة والشاي والفطائر وخرجت في الحمام الخاص، سمعت عبارات الإطراء والخوف والتفهم لمنصبي الجديد… وحالتي الجديدة، دخل الكلام من أذن وخرج من الأذن الأخري، أدخل أنا وأخرج متي شئت، يأخذني السائق إلي منزلي الجديد دون أن يوقفه شيء، البواب يفتح الباب ويغلقه، الطباخ يفتح الثلاجة ويقفلها، فواتير الماء والكهرباء والهاتف مدفوعة، لا يهم لو تحدثت أو لم أتحدث، لو رفعت السماعة أو لم أفعل، لو مشيت خلف الكلاب أو حلقت مع الطيور، لو وقفت أو جلست، لا يهم فالكرسي ثقيل لا ينقلب، حتما تسير الأمور في طريقها الصحيح. أصبحت مديرا.كاتب من عمانQSR0