القمة العربية ترمي طوق نجاة لإسرائيل

حجم الخط
0

القمة العربية ترمي طوق نجاة لإسرائيل

د. إبراهيم إبراشالقمة العربية ترمي طوق نجاة لإسرائيل لا شك أن مجرد عقد مؤتمر قمة يجمع قادة الأمة العربية في هذا الزمن الذي تهان فيه الأمة في كل مكان وتستباح مقدساتها وتشوه هويتها وثقافتها وتكشر فيه الطائفية عن أنيابها، هو أمر جيد ومطلوب. وبالفعل عكست كلمات العاهل السعودي والأمين العام للجامعة العربية وبقية الوفود إحساسا وإدراكا بهذه المخاطر التي تهدد الأمة، إلا أن قرارات القمة لم تكن بمستوي التحدي والمأمول منها. وإن بات معروفا بان أهم الملفات والقضايا المطروحة كالملف العراقي والملف اللبناني والملف السوداني ـ دارفور ـ وحتي الفلسطيني حيث أن العرب ليسوا طرفا في الرباعية المتعهدة بالملف ـ لم تعد شانا عربيا خالصا وبالتالي ليسوا أصحاب القرار في الحسم في هذه القضايا، إلا أن الحالة الفلسطينية وضعها مختلف أو هكذا يفترض أن يكون ما دام العرب متمسكين بالمبادرة العربية للسلام وما زالوا يقولون بان القضية الفلسطينية قضية عربية وإسلامية. نفهم جيدا بان من الأهداف الخفية للقمة العربية هو احتضان القضية الفلسطينية وإعادتها لبعدها العربي خوفا عليها من محاور إقليمية متعارضة مع المصلحة العربية، ويمكن القول بأن لقاء مكة الفلسطيني صب في هذا الاتجاه أيضا، إلا أن النقاشات التي جرت في جلسات القمة ثم قراراتها حول الشأن الفلسطيني خيبت الآمال حيث كانت تكرارا لقرارات القمم السابقة كالتأكيد علي المبادرة العربية للسلام ورصد 55 مليون دولار شهريا للسلطة الفلسطينية، في الوقت الذي كنا ننتظر من العرب اتخاذ قرارات متميزة وخصوصا بشأن كسر الحصار المفروض علي الشعب الفلسطيني، بل يمكن القول بان ما صدر بخصوص القضية الفلسطينية وخصوصا طرح المبادرة العربية للسلام بهذا الشكل الدعائي والمُضخم يعد خطوة للوراء خدمت إسرائيل من حيث يدري العرب أو لا يدرون، حيث أخرجت إسرائيل من المأزق الناتج عن تشكيل حكومة وحدة وطنية وبداية انهيار الحصار الخارجي علي الفلسطينيين. فمن المعروف بان المبادرة العربية للسلام تم طرحها في قمة بيروت في آذار (مارس) 2002، وآنذاك كانت الانتفاضة الفلسطينية في أوجها والتسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين وصلت لطريق مسدود، وقد رفضت إسرائيل المبادرة ويمكن القول بان واشنطن وأوروبا رفضتا المبادرة لأنهما طرحتا بعد سنة تقريبا خطة خارطة الطريق أو خطة الرباعية، وكان معلوما بان خطة خارطة الطريق تفرض علي إسرائيل استحقاقات اقل مما تفرضه المبادرة العربية، كما ان خطة خارطة الطريق تنسجم مع الرؤية الإسرائيلية والأمريكية القائمة علي التفرد بالمسارات التفاوضية وهي الرؤية التي اعتمدتاها منذ مؤتمر مدريد، وبالرغم من وضع إسرائيل أربعة عشر تحفظا علي الخطة فقد قبلتها السلطة الفلسطينية وقبلها العرب والمنتظم الدولي وأصبحت هي مرجعية التسوية كبديل أو استكمالا لاتفاقية أوسلو، وجرت عدة لقاءات بين الطرفين وبرعاية أوروبية وأمريكية، وقدم الطرف الفلسطيني بعض الاستحقاقات المفروضة عليه بمقتضي هذه الخطة مثل الالتزام بالهدنة ووقف العمليات الاستشهادية وإجراء انتخابات محلية وتشريعية. إلا أن إسرائيل الرافضة للسلام أصلا وبالتالي غير الراغبة بالتعامل مع خطة خارطة الطريق لأن هذه الخطة ستفرض عليها في نهاية الأمر الانسحاب من الضفة الغربية وفتح ملف القدس واللاجئين، تهربت مما عليها من استحقاقات بالقيام باجتياحات متكررة لمناطق السلطة ثم طرح شارون خطته بالانسحاب أحادي الجانب من قطاع غزة وتلتها خطة الانضواء في الضفة.كانت ذريعة إسرائيل بعدم تنفيذ ما عليها من استحقاقات بمقتضي خطة خارطة الطريق هي عدم وجود شريك فلسطيني للسلام، وكانت تجد سندها في هذا الزعم بحالة الانفلات الأمني داخل مناطق السلطة والخلاف بين حركتي فتح وحماس، إلا أن تشكيل حكومة وحدة وطنية نزع من إسرائيل كل ذريعة للتهرب مما عليها من استحقاقات وخصوصا أن العالم الخارجي أبدي استعدادا للتعامل مع الحكومة الجديدة بما فيها أطراف من الرباعية، في هذا الوقت الذي اشتد فيه الطوق حول إسرائيل وبدأت مؤشرات كسر الحصار وكنا ننتظر خطوة من الرباعية والعالم بإلزام إسرائيل للعودة لطاولة المفاوضات، في هذا الوقت استحضرت إسرائيل المبادرة العربية للسلام علي لسان وزيرة الخارجية ومسؤولين إسرائيليين آخرين وتلقفها العرب، ولا ندري إن كان حديث الإسرائيليين عن المبادرة العربية هو السبب في طرحها علي جدول أعمال مؤتمر القمة العربي أم أن الأمر كان منسقا قبل ذلك بطريقة مباشرة أم غير مباشرة.إذن في الوقت الذي كان الفلسطينيون ينتظرون من القمة العربية موقفا واضحا بكسر الحصار عن الفلسطينيين ودعم حكومة الوحدة الوطنية وممارسة الضغط علي واشنطن لتدفع إسرائيل لتنفيذ ما عليها من استحقاقات، نجد القمة تخلق معركة دونكيشوتية حول المبادرة العربية المنسية وتظهر القمة وكأنها انتصرت لمجرد أنها لم تتنازل عن مبادرتها التي هي حبر علي ورق حتي الآن ولتخفي بهذا النصر الدونكيشوتي عجزها عن رفع الحصار عن الشعب الفلسطيني. إن الخلل لا يكمن في المبادرة العربية فنصوصها أفضل بكثير من خطة خارطة الطريق، بل يكمن بأنها مجرد مبادرة من طرف واحد وليست قرارا دوليا ملزما ولا اتفاقية دولية تشارك فيها إسرائيل، وحتي تصبح اتفاقية دولية ملزمة تحتاج لكثير من الوقت والجهد والمفاوضات، وقد صرح رئيس وزراء إسرائيل أولمرت تعقيبا علي ذلك بالقول بأنه يمكن التوصل مع العرب لاتفاقية سلام اعتمادا علي المبادرة العربية قبل عام 2014، وهذا الوقت الطويل هو ما تريده إسرائيل لتهرب من استحقاقات خطة خارطة الطريق ولتتفرغ لاستكمال تهويد القدس واستيطان الضفة الغربية. كل ذلك يطرح تساؤلات عميقة ومقلقة أهمها:1 ـ هل انتهت خطة خارطة الطريق ولم تعد أساسا للتسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين وبالتالي انتهي دور الرباعية ؟2 ـ هل أن الوضع العربي اليوم أفضل حالا مما كان عندما طرحت المبادرة العربية عام 2002، بحيث يمكن اليوم فرض المبادرة علي إسرائيل؟3 ـ ماذا يقصد الأمين العام لجامعة الدول العربية عندما قال ردا علي مطالبة إسرائيل بتعديل المبادرة قبل القبول بها، بان تقبل إسرائيل المبادرة أولا ثم نجلس لنتفاوض؟4 ـ ما الذي يضمن ألا تصبح المبادرة أساسا للمفاوضات وبالتالي يكون مصيرها كمصير قراري مجلس الأمن 242 و338، حيث اعتمدا كأساس لتسوية أوسلو ثم تم تفريغهما من مضمونهما؟5 ـ المبادرة اليوم هي من طرف واحد وحتي تصبح مشروع تسوية يجب ان تمر علي مجلس الأمن لمناقشتها وإصدار قرار بشأنها ونحن نعرف مواقف دول مجلس الأمن من الصراع وخصوصا الدول الخمس التي تملك الفيتو، وتحتاج أيضا لموافقة إسرائيل أن تكون المبادرة أساسا للمفاوضات، وإذا كانت اتفاقية أوسلو مر عليها أربع عشرة سنة دون تنفيذ، فكم سيستغرق تطبيق المبادرة بعد جوازها من مجلس الأمن؟6 ـ المبادرة تعبر عن موقف جماعي عربي وتدمج الملفات مع بعضها البعض: الملف الفلسطيني والملف السوري والملف اللبناني، فما هي آلية المفاوضات ونحن ندرك أن واشنطن وإسرائيل رفضتا بشدة في مدريد دمج المسارات وفرضتا تعددها حتي تنفردا بكل دولة عربية علي حدة؟ وهل من مصلحة الفلسطينيين رهن قضيتهم بما ستؤول إليه المفاوضات السورية الإسرائيلية مثلا؟7 ـ العرب يقايضون إسرائيل: التطبيع العربي معها مقابل الانسحاب من كل الأراضي المحتلة ودولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشريف وعودة اللاجئين، والسؤال هل أن إسرائيل متكالبة بالفعل علي التطبيع مع العرب؟ بل يمكن أن نسأل هل أن العرب بالفعل يقاطعون إسرائيل؟8 ـ وأخيرا نتساءل هل هذه القمة من اجل فلسطين والأراضي العربية المحتلة أم من اجل حسابات إقليمية ودولية وما القضية الفلسطينية إلا واجهة لتمرير سياسات أخري والاستعداد لاستحقاقات إقليمية قد تكون القضية الفلسطينية أكثر المتضررين منها؟ہ كاتب من فلسطين8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية