اليد وصيفة المخيلة
سعد سرحاناليد وصيفة المخيلةيكاد التنقيح أن يكون فنّاً قائماً بذاته. فهو بالنسبة للعمل الإبداعي كالتشذيب بالنسبة للشجرة، إذا قطع منها فرع تقوّي جذعها، وإذا قطع منها غصن تحولت إلي الفرع حصته من الأنساغ. لذلك، علي المبدع ألا يكتفي بالغرس، فالسقي والتسميد والتقليم… كلها من صميم عمله، فهي مساعٍ يضمن بها لغرسه مستقبلا مزهراً فمثمراً، أما بدونها فقد ينتهي الغرس إلي حطب جزل في مواقد الآخرين. يشطب الشاعر كلمة هنا وأخري هناك مُزيلاً بذلك فطرًا قد اعتري جنبات قصيدته من فرط خصوبة المخيلة، فيضمن، هكذا، لكلماته نصيبها كاملاً من الغذاء. أليس المحوُ صنو الكتابة؟ بلي، إنه كتابة بيضاء. يفرغ الفنان من عمله، ثم يبتعد عنه قليلا ليتأمله، فإذا اللوحة جثة مكفنة بقماش مزركش. ثم يعود إليها: إن هي إلاّ لمسات أخيرة وتندلع فيها الأنفاس. تتخلل المعزوفة لحظات من الصمت. اللحظات تلك استراحة العازف من بعض التنقيح.أما الصمت ذاك فهو موسيقي ناصعة تصغي إليها الروح في غفلة من وصيفاتها، أقصد الحواس طبعاً. مدججا بترسانة من الحديد يباشر النحات مادته العصية. هذا الإزميل للملامح، وذاك للغضون. وثمة واحد صغير ورشيق يبث البسمة في فم الحجر. لكأن النحات قابلة تخرج الميت من الميت وتنذره لحياة لا تُبليها سوي عوادي الدهر. أيها النحات، أيهما تنحت حقا: الحجَرَ أم الهواءَ؟ ما من إبداع بشري إلا ويحتاج إلي تنقيح. فإذا كان تشذيب الشجرة يفضي حتما إلي تشذيب ظلها فتتخلله بقع الشمس، فإن تنقيح الإبداع يسفر عن تنقيح ظلاله المنعكسة علي نفوس متلقيه، فتتخللها شموس أخري لا تقل ضوءاً وحرارة. هل كان أسلافنا ينقحون أعمالهم؟ الأرجح أنهم كانوا يفعلون. فهذا يكتب قصيدة كل حول، وذاك يقدُّّ من الصخر، وآخر يجد أن قلع ضرس أهْونُ من قول بيت من الشعر. فلا عجب، إذن، أن تكون قصائدهم عابرة للقرون. أما الذين كانوا يغرفون من وادي عبقر، فلا بد أن لهم نسلاً بين ظهرانينا، وهو نسل غير ذي زرع. ثمة شعراء يشتغلون طويلا علي نصوصهم، زيادة وتنقيحا، فلا ينشرونها إلا بعد أن تصير مصقولة كالسجنجل. وثمة آخرون يدفعون بقصائدهم إلي النشر كما حطها الوحي من علِ. وللقارئ الحصيف أن يفرق بين الدر والصخر.قديما استنوق الجمل في إحدي قصائد الشاعر المتلمِّس. أما الآن، فقد نقرأ يوميّاً قصائد يستحبق فيها الريحان ويستنبق الكرز ويستبرق الرعد وهكذا…. أقصد: هكذا تستشبق العُنًّة فإذا هي فحولة سارت بذكرها الخصيان. في الذكري الثلاثين لرحيل الشاعر بدرشاكرالسياب أقام معهد العالم العربي بباريس ندوة عالمية قدم خلالها الشاعر سعدي يوسف شهادة عميقة، اقتطف منها ما يضيء هذه الورقة: ــ أتذكر جلسة مع بدر، في مقهي صيفي علي كورنيش شط العرب.ثمت سفن خشب قادمة من الخليج وسواحل إفريقيا، وسفن عابرة محيطات.سألت بدراً عن مقطع في قصيدة أنشودة المطر :أصيح بالخليج، يا خليج يا واهب اللؤلؤ والمحار والردي فيرجع الصدي كأنه النشيج: يا خليج يا واهب المحار والردي…. قلت له: لِمَ حذفت كلمة اللؤلؤ بعد فيرجع الصدي ؟كان الجواب غير متوقع. قال لي: الصدي يرجع الكلمات الأخيرة. الصدي يرجع المنساب. في كلمتي المحار والردي حروف اللين. كلمة اللؤلؤ لا يمكن أن يرجعها الصدي، ولهذاينبغي أن تحذف . ولعل أغرب تنقيح سمعت عنه هو ما قام به النحات المصري الأشهر محمود مختار،فبعد مدة من نحته لتمثال سعد زغلول فطن إلي أن هواء الإسكندرية أبرد من أن يحتمله الزعيم حتي لو كان من حجر، فعاد ونحت علي التمثال المعطف المعروف. لن نعدم إبداعات خالدة ما دام بيننا شاعر يستعير منجرة الصدي ونحات يرتدي جلد التمثال…….أما الغزالة والطاووس وخريرالماء وزهرة اللوتس وغروب الشمس… فكلها إبداعات مكتملة منذ فجر الحياة، لذلك فهي منزهة عن أي تنقيح.شاعر من المغربQMK0