المنعطف

حجم الخط
0

المنعطف

الياس خوريالمنعطفالولايات المتحدة هُزمت في العراق، المسألة صارت شبه معلنة بعد قراري الكونغرس ومجلس الشيوخ بتحديد موعد للانسحاب. هذا لا يعني ان المسألة انتهت، فلا يزال بوش يملك العديد من الاوراق، ولا تزال ورقة توجيه ضربة عسكرية الي ايران في يده. غير ان المسار العام قد تحدد وانتهي الأمر. لقد انتصر الرأي العام العالمي علي امريكا. هذه هي النتيجة الاولي لمغامرة المحافظين الجدد الحمقاء. فلقد اثبت المتظاهرون في جميع انحاء العالم انهم اكثر وعيا من انبياء الظلام في البيت الأبيض، الذين اقتنصوا العراق الضعيف بفعل الحصار، جائزة لهم كدفعة اولي علي حساب الهيمنة الشاملة علي العالم، من خلال الهيمنة علي النفط العربي.والهزيمة كانت واضحة المعالم، رآها اصدقاء امريكا العرب وحذروا منها، لكن عماء القوة والغطرسة منع الامريكيين من رؤية الحقيقة. ذهبوا الي العراق وبدل صناعة الديمقراطية صنعوا الحرب الاهلية، وبدل الاستقرار زرعوا بذور العواصف. وغدا سوف يهربون من العراق مثلما هربوا من فيتنام، وسوف يبررون الهزيمة بتخلف العرب وعدم استعدادهم للركوع امام اله الديمقراطية الدموي!غير ان هزيمة الامريكيين في العراق لا تعني ان المنطقة العربية سوف تنعم بالاستقرار. غزو العراق كان ممكنا لان العرب يعانون ضعفا لا سابق له في تاريخهم الحديث، وتعاني انظمتهم أزمة شرعية حقيقية.للأزمة مصدران: الاول هو اسرائيل والثاني هو الديكتاتورية والجمود. والمصدران متشابكان، فلم يكن لاسرائيل ان تعربد طوال اربعين عاما في المناطق الفلسطينية المحتلة، لولا جمود النظام العربي وعجزه وتعفنه. غير ان منعطف ما بعد العراق يحمل جديدا بالمعني الجذري، وهذا ما عبر عنه خطاب الملك السعودي في القمة العربية. للمرة الاولي منذ حرب تشرين 1973، يشعر النظام العربي انه مهدد في وجوده. وامام تعفن نظام التوريث الجمهوري في مصر وغيبوبته، كان علي السعودية التصدي لقيادة المرحلة، من اجل عدم انهيار النصاب العربي برمته، وتحول بلاد العرب الي ملعب للفوضي والحروب الأهلية، اي عبر تعميم نموذج الحرب الأهلية العراقية.من الواضح ان النظام العربي يعي اليوم ان بقاء الاحتلال الاسرائيلي في فلسطين يعني انهيار كل شيء، وتفكك كل شيء، وهذه هي رسالته الي الولايات المتحدة. ولكن هل هناك في الجانب الآخر من يستمع؟ وهل هناك في امريكا من يجرؤ علي الضغط الجدي علي اسرائيل؟مشروع السلام العربي هو الحد الأقصي من التنازلات التي يمكن للعالم العربي الوصول اليها من اجل السلام، غير ان هذا الحد الأقصي ليس مقبولا اسرائيليا وامريكيا. فادارة بوش التي تركت ملف الصراع بأيدي شارون، وسمحت بتدمير السلطة الفلسطينية وحصار عرفات وقتله، هذه الادارة دفعت المنطقة الي حافة الخراب. وفي الامس القريب حين حاولت وزيرة الخارجية الامريكية الدفع في اتجاه مفاوضات الحل النهائي واجهتها معارضة اسرائيلية صارمة اضطرتها الي التراجع، والي تحويل لقاءات عباس ـ اولمرت المنتظرة الي لا شيء تقريبا.اسرائيل لن توافق علي السلام العربي، لأن ما يتناساه العرب هو ان من يسعي الي السلام يجب ان يكون قادرا علي الحرب. اي ان اقناع اسرائيل بمشروع السلام العربي يجب ان يأتي تحت ضغط حقيقي، وفي اطار قدرة العرب علي التلويح بالحرب. اما اذا كان هذا الاحتمال غير وارد، واذا كان النفط قد فقد دوره كسلاح، فان هذا يعني ان اسرائيل سوف تدير اذنا صماء للموقف العربي الجديد، مثلما فعلت غداة قمة بيروت التي اقرت مشروع السلام عام 2002.النظام العربي بأسره علي حافة الانهيار، ولا شيء يستطيع انقاذه سوي العودة الي الف باء علم السياسة، وتحويل الحرب خيارا ممكنا.يستطيع الاسرائيليون الاطمئنان الي حين في هذه المسألة، فمن دون مصر لا حرب، ومن دون حرب لا سلام. غير ان هذا الواقع يجب ان يثير قلقا فلسطينيا حقيقيا.الانتفاضة الثانية انطوت يوم موت عرفات، وتكرست نهايتها مع تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية. واليوم تعيش الحركة الوطنية الفلسطينية فراغا سياسيا واستراتيجيا. استراتيجية التفاوض جوبهت بباب اسرائيلي مغلق، واستراتيجية المواجهة العسكرية وصلت الي نهايتها مع الانتفاضة الثانية.المطلوب اليوم ان لا يتحول العجز العربي العام عجزا فلسطينيا، اي المطلوب استراتيجية جديدة لمقاومة الاحتلال. فالاحتلال لا يأتي الي التفاوض ولا يقبل بالتنازلات الا اذا فرض عليه ذلك. من هنا فالمطلوب من الوحدة الوطنية الفلسطينية التحول اداة لاطلاق مقاومة جديدة، عمادها الاساسي الشعب. اي ان مناخ المواجهات العسكرية الذي فرضه شارون، واخرج الناس من المعادلة، يجب ان ينقلب رأسا علي عقب. الانتفاضة الجديدة يجب ان تكون جماهيرية بالكامل، ولا يستخدم فيها السلاح الا في حالة واحدة هي الدفاع عن النفس امام اجتياح المخيمات او المناطق السكنية بالجرافات والدروع.لا يستطيع الفلسطينيون الاتكاء علي هذا الزمن العربي المتدحرج الي الهاوية، وحدها مقاومتهم يجب ان تعيد اليهم المبادرة، وتحول سلطتهم الوطنية اداة نضالية في خدمة مشروع الاستقلال الوطني.لقد اثبت الحمق الامريكي انه بلا حدود، كما برهنت اسرائيل عن رفضها للسلام شبه العادل الذي يقترحه العرب والفلسطينيون، وجاء المنعطف.لا ادري اذا كان من الممكن انقاذ النظام العربي المتهالك من التفتت، فهذا يحتاج الي معجزة، لكنني متأكد من انه يجب انقاذ فلسطين من الخراب، وهذا لا يصنعه سوي المقاومة. 0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية