صاحب الفخامة الأبدية

حجم الخط
0

صاحب الفخامة الأبدية

عارف أبوحاتمصاحب الفخامة الأبدية حين كان الرئيس الموريتاني السابق معاوية ولد الطايع في العاصمة السعودية يشيع جنازة الملك فهد، كان العقيد ولد فال يشيع جنازة لطايع (سياسية) من داخل قصر الرمادية الرئاسي بنواكشوط، لتأتي الأخبار ذلك اليوم: وفاة ملك… ونهاية رئيس!! كان انقلاباً أبيض باركه كل الخصوم والأصدقاء، لأن معاوية لم يبقَ له غير الحاشية الفاسدة، فجاء إنقاذ البلاد علي يد صديقه ورفيق دربه العقيد علي ولد محمد فال، قائد الأمن الوطني (الاستخبارات) في الـ3 من آب (أغسطس) 2005م، إيذاناً بانتهاء مرحلة.لم يكن انقلاباً علي سلطة معاوية، بقدر ما كان انقلاباً علي الظلم والفساد والاستبداد السياسي، الذي مارسه الطايع لأكثر من عشرين سنة عجاف، حتي جاء العام الذي فيه يغاث الناس، وفيه يعصرون، حيث أفرج ولد فال عن عشرات المعتقلين من السياسيين البعثيين والناصريين، وغيرهم من السجناء ممن اعتقلوا بعد فشل انقلاب حزيران (يونيو) 2003م، من القوميين والإسلاميين، وشيوخ العشائر والناشطين الحقوقيين.طمأن الجميع أن لا دماء، ولا معتقلات، ولا قطع للعلاقات الدبلوماسية مع أحد، كما لا بقـــــاء للعسكر في الحـــكم، سوي عامين فقط، يرتب فيهما الإصلاحات السياسية والديمقراطية، ثم تعود لإرادة الشعب هيبتها في تحديد خياراتها السياسية، فالديمقراطية هي الحل الوحيد لإخراج موريتانيا من أزمتها الطاحنة منذ عقود.صدقية الرجل في إجراء إصلاحات حقيقية، بدأت بعد تسعة أشهر من الانقلاب، عندما أجري في حزيران (يونيو) الماضي استفتاء حول تعديلات دستورية مهمة، وبعد ذلك بثلاثة أشهر فقط أجريت انتخابات نيابية وبلدية في أجواء ديمقراطية لم يشكك فيها أحد، وبمشاركة شعبية بلغت 69% من الناخبين.أدرك ولد فال أن دخول التاريخ من فوق كرسي الحكم سيكون أقل ألقاً، كما لو كان خارج القصر الرئاسي، فقرر ترك السلطة، ومضي وحده نحو الخلود، دون أن يفكر بالخسائر، ربما اعتبرها خسائر وهمية، ربما قال لنفسه: ماذا سأخسر في مقابل ما سأقدم لوطني وشعبي؟!مضي وحده نحو الخلود، لم يفكر بالموكب الرئاسي، القصر، فخامة الرئيس، الحرس الخاص، استقبال الزعماء، الجماهير المرتصة علي الرصيف، مدائح الشعراء، موسيقي حرس الشرف، برقيات التهاني، المصرف المركزي، قرارات التعيين، صوملة البلاد، تنصيب الأقارب، حضور القمم العربية، تصدر نشرة الأخبار، الملصقات والمبادرات… لم يفكر بشيء، تأكد فقط من هندام شاربه الكثيف، ووضع نظارته الأنيقة.لم يستجب لنداءات (لعدول)؛ حيث لم يناده أحد، فالشعب الموريتاني لا يريد أن يصوت لـ(الكاكي) هذه المرة، رغم أن ولد محمد فال يحمل قلباً مدنيـــاً، رغم حصــــار النياشين والــــبزة العسكرية له.قلباً يرتب نقل السلطة للمدنيين بعناية فائقة، كتلك التي يرتب بها مفردات خطاباته الهادئة، وهو في طريقه نحو الخلود، محاطاً بالإعجاب والثناء، تماماً كما فعل غوته عظيم شعراء أوروبا، عندما أدرك في سن الـ(50) أن من المخجل أن يدخل التاريخ بكرش كبير، وجسد ضخم مترهل، فقرر العودة إلي الرشاقة والأناقة، ليموت في الـ(77) من العمر، كما أراد !! وبحكمة رجلٍ أدرك يقيناً أن الديمقراطية والعسكر نقيضان لا يجتمعان، قرر ولد فال منع نفسه وأعضاء مجلس الحكم العسكري المؤقت من الترشح للانتخابات الرئاسية، وهنا فتح العسكريون أبواب الديمقراطية أمام المدنيين للترشح والمنافسة، كان المنظر يوحي بربيعٍ قادم تنتظره موريتانيا، فالعسكر فتحوا أبواب الديمقراطية، ورجال الأمن في وزارة الإدارة الداخلية أداروا العملية الانتخابية، والمدنيون تنافسوا علي كرسي الحكم، تقدم (19) مرشحاً بينهم امرأة، مثلوا كل تناقضات موريتانيا.تفرقت أصوات الناخبين، وخسر الجميع، وكسبت موريتانيا، كانت النتيجة أن خرج من حلبة الديمقراطية (17) مرشحاً، وبقي اثنان: أحمد ولد داده، وسيدي ولد الشيخ عبدالله، كأقوي المتنافسين، رغم أن مجموع ما حصداه أقل من 50%، وهذا دليل أن كل مواطن قد أدلي بصوته لمن يريد، من قائمة الـ(19)، فالخيارات المتاحة كثيرة ومتعددة.إعلان وزارة الداخلية الموريتانية أن جولة ثانية من لعبة الديمقراطية ستتم في غضون أسبوعين فقط، بين ولد داده وولد الشيخ، كان يحوي ضمناً أن موريتانيا تسجل أول حالة في الشرق الأوسط، تتم فيها جولة أخري من الانتخابات الرئاسية، رغم ما قيل في أوساط الموريتانيين أن ولد الشيخ مدعوم من مجلس الحكم العسكري.شفافية الديمقراطية في بلاد (لشنقيط)، ونزاهة إدارة الانتخابات أعادت ولد داده وولد الشيخ إلي المنافسة مرة أخري، في جولة ثانية فاز فيها الأخير بنسبة لا تزيد عن 53% فقط، وهنا تسجل موريتانيا مرة أخري أول حالة يقبل فيها زعيم عربي بنتائج الصندوق كما هي، دون تعديل، بل لم يشكك فيها أحد في الداخل أو الخارج، بعد أن سجلت أول سابقة في تاريخ الديمقراطية العربية بإجراء مناظرة حية مباشرة بين مرشحيّ الرئاسة.وباستثناء الرئيس السوداني السابق عبدالرحمن سوار الذهب، فإن ولد فال يعد أول رئيس عربي يتنازل عن السلطة طواعية، ويسلمها ديمقراطياً للمدنيين قبل انتهاء الموعد المحدد بخمسة أشهر.أمر مخجل للغاية للجاثمين علي كراسي الحكم كالقدر، وهذا ما جعل استقبال القادة العرب للعقيد ولد فال في قمة الرياض يبدو (فاتراً)؛ حيث شوهد ولد فال وحيداً في مأدبة عشاء ليلة الخميس الماضي بالرياض، فيما كان بقية القادة يمرحون ويتبادلون الأحاديث الجانبية.كان الرئيس علي عبدالله صالح في تلك اللحظة أكثر شهامة وتفهماً حين تقدم إلي الرئيس علي ولد فال يقول: (أهلاً وسهلاً بالولد الذي وفي)، ثم وصف الانتخابات الموريتانية بـ(النموذج الرائع المثير للإعجاب)، وغير ذلك الموقف لم يشاهد غير أمين الجامعة العربية عمرو موسي وهو يؤدي التحية للرئيس ولد فال في حفل الافتتاح.ولد فال رجل تنازل عن سلطة، ورئاسة دولة، فكيف يعول علي أمور بروتوكولية أو مجاملات رسمية، فهو آخر الحكام العرب وصولاً للحكم، وأولهم خروجاً منه، وأنصعهم بياضاً في صفحات التاريخ.أيها الجنرال العظيم؛ كم أنا فخور بعزيمتك التي لا تلين، وإرادتك التي لا تضعف، عز نظيرك، وعلا جبينك، وتخلد اسمك، عشت متسامحاً كبستان، متواضعاً كجدول ماء، طيباً كالغيث، باسماً كالطفولة، قوياً كالحق، صاحب موقفٍ لا يتبدل، كالطبيعةِ التي لا تشيب.أعرف أنك لا تحب المدائح، وأنك أصدرت مرسوماً بمنع شعراء المدائح والمصالح، لكني مضطر أن أمدحــك يا صاحب الفخامة الأبدية.ہ كاتب وصحافي من اليمن[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية