رائدة ومبدعة أدبية في توظيف المكان الدمشقي واهتمامها بقضايا المرأة

حجم الخط
0

رائدة ومبدعة أدبية في توظيف المكان الدمشقي واهتمامها بقضايا المرأة

دمشق تشيّع الروائية ألفة الإدلبي:رائدة ومبدعة أدبية في توظيف المكان الدمشقي واهتمامها بقضايا المرأةدمشق ـ القدس العربي ـ من أنور بدر: شيّعت دمشق منذ أيام الأديبة والكاتبة السورية الكبيرة ألفة عمر باشا الإدلبي، بحضور لفيف من الأهل وقليل من المهتمين بالثقافة والأدب في هذه المدينة التي سكنت روح الفقيدة ووجدانها النفسي والإبداعي، والذي تجلي في أغلب ما سطرته من كتب وقصص، فلماذا تجحد المدينة أبناءها؟ أم أنّ المدينة لم تعد ذاتها؟بالتأكيد إنّ مدينة دمشق التي ولدت فيها الطفلة ألفة عام 1912 هي غير المدينة التي هجرتها عام 1985 بعد وفاة أحد أولادها، إذ غادرت إلي باريس لتقيم عند ابنها الثاني، وهي أيضاً غير المدينة التي ضمت رفاتها الآن بعد عمر يناهز (95) حولاً.ولدت الأديبة الراحلة لأسرة ثرية في حي الصالحية، فوالدها عمر باشا الإدلبي، ووالدتها نجيبة الداغستاني، مما يسّر لها تعليماً أولياً في مدارس دمشق، وصولاً إلي تجهيز البنات الأولي، وأتاح لها مكتبة عامرة في منزل الوالد، وأخري لا تقل ثراءً في منزل خالها الأديب كاظم الداغستاني، حيث غذي كل ذلك ميولها الأديبة التي ظهرت مبكراً لديها، دون أن يحول ذلك من زواجها بشكل تقليدي من الطبيب حمدي الإدلبي وعمرها لم يتجاوز (17) سنة، فأنجبت له ثلاثة أولاد: ليلي وياسر وزياد، وقد فجعت بوفاة هذا الأخير كما اشرنا.ونلاحظ من ذلك التأريخ السريع، أنها قضت جلّ حياتها في مدينة دمشق.، بل إنها عشقت هذه المدينة وسجلت بأدب رفيع كل ما يمت بصلة إلي عمرانها، سكانها، عاداتها وتقاليدها، كما رصدت طرائق الحياة، والتبدلات الاجتماعية والاقتصادية التي عصفت بها، فتوقفت منذ عام 1980 في كتابها نفحات دمشقية بين ما كانت عليه المدينة وما آلت إليه، قائلة باستغراب: منذ شهور، عام 1980 مررت بمكان من الغوطة لا ماء فيه ولا كلأ ، كما ضمنت كتابها المنوليا في دمشق بحثاً هاماً عن دور المرأة في النضال قديماً وحديثاً، داعية إلي تأليف المنظمات النسوية.وسأكتفي بهذين الشاهدين باعتبارهما محوري اهتمام الأديبة التي لم تكتف بالإنشاء، بل رأت للكلمة وظيفة فيما ذهبت إليه، لا تتصل بالأيديولوجيا قدر اتصالها بالحياة، ولا تنحاز لأفكار قدر انحيازها لذاتها، ولعلّ هذا يُفسّر بعض الإهمال الذي لقيته أديبتنا في مرحلة سيطرت عليها الأيديولوجيا، كما يقول الراحل ممدوح عدوان، دون أن يُبرّر استمرار هذا التغييب!أول قصة قصيرة حملت توقيعها ونشرت باسم القرار الأخير عام 1947، كانت قد شاركت فيها ضمن مسابقة لإذاعة (B.B.C) البريطانية في الشرق الأوسط، ونالت عليها جائزة أفضل قصة في الوطن العربي، وهذا شجّعها علي نشر قصة ثانية باسم الدرس القاسي في مجلة الرسالة المصرية ذات الأهميّة المتميزة في الصحافة الأدبية لتلك الفترة.هذه القصص وسواها جمعتها الكاتبة بين دفتي أول مجموعة قصصية لها نشرت عام 1954 باسم قصص شامية مع مقدمة بقلم الكاتب والناقد محمود تيمور، ويقول فيها: كانت تخشي أن تضيع صور دمشق التي رسمتها لوحة جميلة فاتنة، وهي التي كانت تتقصد الافتتان، كانت حريصة علي أن تحسن استقبال قارئها… حرصاً علي إحسان توديعه، فهي تطالعه بما يثير اهتمامه ويبعث شوقه.. عشق دمشق متأصل في شخصياتها . واعتبر مجموعتها هذه القصص طراز خاص وشخصية مستقلة .ثم نشرت مجموعتها الثانية وداعاً يا دمشق عام 1963 متقصدة أن تضع بين يدي حفيداتها صور الماضي الجميل الذي عاشته، معالم المدينة القديمة التي عرفتها بعد ما أوشكت عوامل التوسع والحداثة أن تقضي عليها.ولكننا في مراجعة سريعة لعناوين مؤلفاتها الإثني عشر: 1 ـ قصص شامية ـ دار اليقظة ـ دمشق 1954.2 ـ وداعاً يا دمشق ـ قصص ـ وزارة الثقافة ـ دمشق 1963.3 ـ المنوليا في دمشق وأحاديث أخري ـ محاضرات ـ مطبعة ابن زيدون ـ دمشق 1964.4 ـ ويضحك الشيطان ـ قصص ـ وزارة الثقافة ـ دمشق 1970.5 ـ نظرة في أدبنا الشعبي ـ دراسة ـ اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق 1974.6 ـ عصي الدمع ـ قصص ـ اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق 1976.7 ـ دمشق يا بسمة حزن ـ رواية ـ وزارة الثقافة ـ دمشق 1980.8 ـ حكايا جدي ـ رواية للفتيان ـ دمشق 1990.9 ـ نفحات دمشقية ـ دار سامي الدروبي ـ دمشق 1990.10 ـ وداع الأحبة ـ رثاءات ـ دمشق 1992.11 ـ ما وراء الأشياء الجميلة ـ دار إشبيليا ـ دمشق 1996.12 ـ عادات وتقاليد الحارات الدمشقية ـ دار إشبيليا ـ دمشق 1996. نلاحظ حضور مدينة دمشق في ست منها، وهي حاضرة في أغلب ما كتبت من مؤلفات أخري وإن لم تظهر في العنوان.لكن ما يهمني الآن هو الإشارة إلي أنّ هذا الحضور كان ابعد من مجرّد ذكر للمكان، وأعمق غوراً في بنية القصة وفي تكوين شخصياتها. وهو ما يُميّز جماليات المكان وفق باشلار، وكانت الناقدة سحر شبيب قد حاولت التقاط هذه الجماليات في كتابها الالتزام والبيئة في القصة السورية ـ أدب ألفة الإدلبي نموذجا إذ قالت: لقد تمكنت من إدخال البيت الدمشقي إلي بُنية القصة، وجعلته محوراً أساسياً في استيعاب الأحداث واحتواء المواقف ، وخبأت قصص الحب الجميلة وأحلام الصبايا في الغرفة العلوية من هذه البيوت، والتي تسمي الطيارة بينما جعلت الدهليز الطويل في مدخل الدار يحمي حديثاً عابراً بين المحبين، وتركت الساقية الهادئة تتسلل عبر البيوت المتراصة لتحمل إلي الأحبة رسائل الشوق البريئة.وقد يندهش البعض حين يعرف أنّ قصص وروايات الكاتبة الراحلة قد ترجمت إلي سبع عشرة لغة حية في العالم. وفاقت بذلك ما ترجم من كتابات لمبدعين حظوا بقسط أوفر من الأضواء في إعلامنا، ومرد ذلك كما تقول الدكتورة سحر شبيب: إلي أنّ ألفة الإدلبي عبرت عن الحياة في بيئتها الشامية بمصداقية وموضوعية وتمكنت من رسم أدق تفاصيلها وخصوصياتها… وتنقلت أحداث قصص الكاتبة بين الحارات الدمشقية العتيقة وجابت الشوارع والأحياء القديمة والحديثة، وعاشت شخوص قصصها في البيوت العربية، منسجمة معها، متوحدة فيها، حتي يصعب علينا تصور قصص ألفة الإدلبي في بيئة معمارية أخري، وكأنها قرّرت تسجيل الحياة الشامية في هذا المكان الذي رسمته ببراعة وفصّلت معالمه بدقة.وكنا بحاجة لأن ننتظر سنوات أخري حتي يأتي خيري الذهبي ويُعيد الاشتغال علي المكان الدمشقي في روايته حسيبة ، لكن ألفة الإدلبي لم تكتف بالاشتغال علي المكان أدبياً، بل ذهبت في تقصي جمالياته المعمارية وعلاقاته الاجتماعية في محاضرات وأبحاث ودراسات نشر أغلبها في كتب المنوليا في دمشق ـ نفحات دمشقية ـ ما وراء الأشياء الجميلة ـ عادات وتقاليد الحارات الدمشقية ، وهذا يُشير إلي جانب آخر من اهتمامات الإدلبي الثقافية، تابعتها في دراسة هامة بعنوان نظرة في أدبنا الشعبي ، أعتقد أنها كانت رائدة في تاريخها.وهذه الدراسة مع مجموعة أخري من المحاضرات والدراسات كشفت عن الجانب المعرفي والنقدي في ثقافة الأديبة الراحلة. ففي إحدي محاضراتها عن رواد القصة العربية الأوائل في العهد العثماني وفترة الانتداب الفرنسي، تتوقف عند فرنسيس مراش وقصته غابة الحق 1865، معتبرة إياها أقدم مشروع قصصي في الأدب العربي الحديث، وأشارت إلي البنية الرمزية فيها، والتي تركز علي مفهوم التحرّر من العبودية والتسلط العثماني، مؤكدة علي الهويّة العربية، كما توقفت مع تجربة جبران خليل جبران وتوفيق يوسف عوّاد في ريادة القصة العربية.العمل الأخير الذي يستحق التوقف في مسيرة ألفة الإدلبي هو حكايا جدي معتبرة إياها رواية للفتيان، مبررة كتابتها لما فيها من نزعة إنسانية، مضيفة في المقدمة: أسجلها مأثرة لجدي ـ محمد جلبي ـ الذي تخلي عن أنانيته وهو شيخ كبير، وضحي تضحية مثلي في سبيل زوجته الشابة، كما أسجل فيها مأثرة أخري لجدي ـ صالح ـ الذي قُدّر عليه أن يهجر وطنه وأمه وهو طفل صغير لم يتم العاشرة من عمره، فلم ينسهما أبداً… كان كلما ذكرت أمامه داغستان تمثلت في ذهنه صورة أمه، وكلما ذكرت أمه تمثلت له بلاده داغستان…أليس الوطن هو الأم، والأم هي الوطن…؟هذه الموضوعة تفتح علي المحور الثاني من اهتمامات الأديبة الراحلة، فهي كانت رائدة في العمل الثقافي والنسوي بآن معاً، وحتي قبل أن تنشر قصصها كانت المرأة تشكل حضوراً في وعيها وفي نشاطها، ولا ينسي أحد أنها كانت من بين لفيف من النساء المثقفات في سورية أمثال السيدة ريما كرد علي، تنادين عام 1942 لتأسيس جمعية الندوة الثقافية النسائية. وقد ترأست أديبتنا الراحلة اللجنة الثقافية في هذه الجمعية. كما نشطت مع جمعية حلقة الزهراء الأدبية التي أسستها السيدة زهراء العابد سنة 1945 كمنتدي أدبي، وعملت مع جمعية الرابطة الثقافية النسائية ومنتدي سكينة الذي أسسته ثريا الحافظ، وجمعية الأدباء العرب التي شكلت إحدي نويات اتحاد الكتاب العرب لاحقاً. وشغلت فيها الأديبة الراحلة منصب نائب الرئيس شكيب الجابري، كما مثلت سورية في عدة مؤتمرات وندوات أدبية ونسائية.وتذكر الدكتورة سحر شبيب أنّ الإدلبي: عملت من أجل نصرة حقوق المرأة والدفاع عنها وعن حريتها. وسعت إلي نشر ثقافة اجتماعية للمرأة والرجل تبني علي أساس احترام الحقوق والواجبات، والاهم حقوق المرأة في التعليم والعمل.وفي روايتها الأشهر دمشق يا بسمة الحزن تناولت الصراعات السياسية والاجتماعية في ثلاثينيات القرن الماضي ضد الاحتلال الأجنبي، لكن بطلتها صبرية والتي تساهم في المقاومة الشعبية ضد الاحتلال، تأخذ علي رجال مجتمعها أنهم يقاتلون المحتل الفرنسي لانتزاع حرية بلادهم، بينما هم مكبلون بقيد التقاليد البالية التي تسدل علي عقولهم غشاوة من الظلمة والجهل، وتحجب النور عن أرواحهم.يُذكر أنّ هذه الرواية تحوّلت سنة 1992 إلي مسلسل تلفزيوني من إخراج لطفي لطفي وكتب له السيناريو رفيق الصبّان، وعرض باسم يا بسمة الحزن . كما سبق وأخرج جميل ولاية تمثيلية الستائر عن قصة الستائر الزرق في بداية الثمانينات، وكانت أول عمل درامي يُصوّر بالألوان في التلفزيون السوري. وقبيل وفاتها بفترة قصيرة، أعلنت المؤسسة العامة للسينما اعتزامها تحويل رواية دمشـق يا بسمة الحزن إلي فيلم سينمائي بتوقيع المخرج ماهر كدو، ضمن سياق الاحتفال بدمشق عاصمة الثقافة العربية العام القادم.أخذ بعض النقاد علي أديبتنا الراحلة أنها كتبت القصة الكلاسيكية باعتماد المقدمة والحبكة والنهاية، فيما أخذ آخرون أنها كانت فيما كتبت أميل للسرد منها للحوار. وبعض ثالث اكتشف أنها خرجت في أحيان كثيرة عن سياق القصة لتسجل لنا شيئاً من الفولكلور كالزغاريد أثناء العرس، أو الأمثال في أحاديث النساء، أو لمجرّد الاستغراق في وصف المكان، إلا أنّ كل هذه الملاحظات تُهمل السيـاق التاريخي الذي تكونت فيه الأديبة الراحلة، وكتبت من خلاله. وهي وإن لم تجدد أو تطوّر في فن القص، إلا أنها كانت رائدة فيما ذهبت إليه من توظيف لنكهة المكان الدمشقي ضمن سياق قصصها، أو لاهتمامها بقضايا المرأة في سياق رؤية اجتماعية متحررة ومنفتحة، وأعتقد أننا سنحتاج جهداً أكاديمياً إضافياً في المستقبل لدراسة أدب ألفة الإدلبي وإنصافها ولو جاء مُتأخراً.QMK0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية