العالم التشكيلي لنادية بولعيش: فضاء لتجريب الاغتراب ولجوء للتاريخ لمقاومته

حجم الخط
0

العالم التشكيلي لنادية بولعيش: فضاء لتجريب الاغتراب ولجوء للتاريخ لمقاومته

العالم التشكيلي لنادية بولعيش: فضاء لتجريب الاغتراب ولجوء للتاريخ لمقاومتهغرناطة ـ وائل زهير وربيكا روميرو: تحتضن قاعة آرتي ألبيرا بمدينة غرناطة الأندلسية من 26 آذار (مارس) وإلي غاية 14 من نيسان (أبريل)، لوحات التشكيلية المغربية نادية بولعيش المغتربة بالديار الإسبانية وبالضبط بمدينة غرناطة حيث تزاوج بين الممارسة الفنية للتشكيل وبين دراسته دراسة أكاديمية، إذ هي منهمكة في إعداد أطروحة الدكتوراه في جامعة غرناطة حول موضوع الفن التشكيلي المغربي: التقنية والمواضيع ، وكانت نادية بولعيش وهي إحدي خريجات مدرسة الفنون الجميلة بمدينة تطوان شمال المغرب، قد حصلت علي شهادة الإجازة في التشكيل من جامعة برشلونة، بينما ظفرت بشهادة السلك الثالث من جامعة غرناطة.أعمال التشكيلية المغربية نادية المعروضة حاليا في قاعة آرتي ألبيرا بغرناطة، تشمل آخر أعمالها التي أنجزتها إبان السنة الأخيرة. وقد راكمت مجموع هذه اللوحات عناصر تجربة تشكيلية بهوية مميزة، تثري بالتأكيد التشكيل المغربي الاغترابي بالمهجر الإسباني عامة أو الأندلسي علي وجه التحديد.تجبر التشكيلية المغربية نادية بولعيش، متأمل لوحاتها، علي الوقوف علي ملامح تجربة تشكيلية تنطق بكثير من الخصوبة والرشد، وتلزمك أن تقرأها بتمعن إن أردت أن تمسك بالشفرة الجمالية والقيمية التي تخفيها نادية تحت ألوانها المتوهجة التي تطرز بها تضاريس عالمها التشكيلي، ألوان استرفدتها نادية من فضاءات وطنها وحملتها معها داخل وجدانها في رحلتها الاغترابية. ومن دون أن يغرق المرء نفسه في طرح أسئلة تقليدية أو مدرسية تتعلق بالخصوصية الشكلية أو المذهبية التي تنضبط لها لوحاتها المسكونة بالتاريخ والثقافة والأحاسيس الإنسانية، فإنه سيكون مناسبا أفضل التخلص من كل ذلك وإتاحة الفرصة للتأمل التلقائي يستشرف متخيلها التشكيلي الذي تشي به لوحاتها بتمنع جمالي شديد.ولعل ما يثير المقبل علي التواصل مع لوحات هذه التشكيلية الموريسكية كما يطلق عليها ذلك نقاد التشكيل بجهة الأندلس، هو اللجوء إلي التاريخ كقيمة زمنية وقيمة ثقافية وحضارية. وهو اللجوء الذي يتجسد في ذاك التجاوب الشفاف والمرهف مع عالم أثري وطللي لا يحتل الذاكرة فحسب، وإنما يسكن كذلك واقعها اليومي الاغترابي في رحاب الأندلس وفي مضايق غرناطة..فسلطة المكان لا يخفي أثرها علي رحاب لوحاتها، غرناطة تبيح قلاعها التاريخية المحكمة لنادية لتسكنها، وتخلق الحياة بداخلها وتؤثثها بفرشاتها المتوهجة وتقلص عنها كذلك إحساسها بالاغتراب. في لوحات نادية ذاتها احتفاء بالأشياء وبالأشكال الهندسية، وبزوايا النظر المتباينة التي يستشرف منها الأحاسيس المتضاربة التي تنتاب صاحبة اللوحات، تلك الأحاسيس التي لا يمكن الإمساك بها تشكيليا إلا إذا جري تحليل شفرة العلاقة التي تربط ذات التشكيلية بالمكان وبالذاكرة التاريخية وبالوطن وبالذات نفسها.الإحساس الذي تنطق به لوحات نادية بولعيش، هو إحساس اغترابي مفعم بالتصادم الدارمي مع الواقع والحاضر، هذا التصادم يتحول إلي معين تستخلص منه نادية رؤاها للمواضيع التشكيلية التي تحتفي بها في لوحاتها. وقد تشد المتأمل مثلا تقنية توسلت بها نادية في تشييد كونها التشكيلي في لوحاتها، وهي تقنية تتمثل أساسا في توظيف المسافة ، أو بلغة الفوتوغرافيين (الزوم) في عرض رسوماتها، من أجل ترجمة هذا الإحساس المغترب. ففي لوحة تضعك في قلب موضوعها التشكيلي، وداخل فضائها وقريبا من النماذج التي تحتفي بها، فيحس الملاحظ كما لو أن هناك تقاربا إلي حد التماهي مع الفضاء، وبالانتماء إلي عالم اللوحة. وأحيانا أخري تضعك نادية بنية جمالية وتشكيلية مبيتة في مسافة أخري، يغدو بموجبها إحساس الانتماء إلي فضاء اللوحة خافتا ومتمنعا. توظيف نادية لموضوعاتها التشكيلية في لوحاتها بتقنيتي البعد والقرب، وما يترتب عن ذلك من أحاسيس متضاربة بالانتماء أحيانا وبعدمه أحيانا أخري، إنما هو ترجمة شفافة للإحساس النفسي الذي ينتاب التشكيلية وهي تتعاطي مع واقعها. وقد نجزم أن بين الفضاء الذي يحتضن نادية وبينها توتر لا يهدأ لان الواقع مرة يغريك بالانتماء إليه، ومرة أخري يصدمك بالانفصال. هكذا تشعرك غرناطة. أنت منها تاريخيا وثقافيا، ولكن بمجرد ما يستعيد الحاضر سطوته حتي تتخلي عنك غرناطة في طلاق بائن.ولا يستطيع الناظر إلي لوحات نادية بولعيش المعروضة بقاعة أرتي ألبيرا، أن يتحاشي التوقف عند جملة من القيم التي يحبل بها الكون التشكيلي الممتد عبر مساحات اللوحات الكبيرة، وهي سمة شكلية تشترك فيها جميع اللوحات المعروضة. وهي قيم ترشدنا نحو الالتزام القيمي والأخلاقي الذي يؤطر الرؤية التشكيلية لدي نادية، التزام بدا من خلال الاحتفاء تشكيليا بسمة التعدد وجعلته متوهجا في خطابها التشكيلي، لأن التعدد يتيح وجودا غنيا ويستوعب الاختلافات. ألم تزخر لوحاتها بثقافات مختلفة، سواء في شكل بناء الكون التشكيلي أو في مضمونه. وحتي لا يكون هذا التعدد جامحا ومنفلتا من عقاله فإن التشكيلية المغربية قد روضته بنحت قيمة الحوار في جدار لوحاتها ليكون جسرا لتأليف المختلف. وقيمة الحوار هذه تبرز بنتائجها في لوحات نادية، أي من خلال التفاعل والتناغم الذي بدا ساريا في لوحاتها بين العوالم المختلفة (الغرب والشرق)، التي يوحي بها مضمون اللوحة المسترفد من المناخ الثقافي العربي – الأمازيغي، وبين الشكل الذي هو أسلوب شكلي غربي (أسلوب التجريد). وقد يكون ما قالته نادية لإحدي وسائل الإعلام الإسبانية التي غطت افتتاح معرضها حينما ذكرت في هذا المعرض حاولت إبراز حوار الثقافات والتفاعل الحاصل بينها. اعتمدت أسلوب التجريد الذي هو تعبير تشكيلي غربي محض عكس التصوير الذي يوجد في مختلف الحضارات ومنذ القديم وإن كان يختلف من حضارة الي أخري، ومزجت هذا التجريد بالهندسة المعمارية العربية المأخوذة من قصر الحمراء، واخترت الأقواس الموجودة في هذه المعلمة التاريخية (قصر الحمراء) وفي مختلف حياتنا المعمارية العربية. فالتقنية هي مزيد من التجريد الممزوج مع التصوير، لكن التصوير ممثل في مظهر من الحياة الحضارية وأعني المعمار إضافة الي الألوان الحارة، المزج بين الاثنين يعطي مضمونا إنسانيا ، يزكي ما قد يستنتج من تجربتها التشكيلية من التزام خطابها بقيم الحوار والتقارب الحضاريين. النقاد في الأندلس يسمونها الفنانة الموريسكية لأنها من الفنانين المغاربة والعرب المقيمين في اسبانيا الذين استطاعوا توظيف الإرث العربي ـ الأمازيغي في أعمالهم الفنية. ويقول عنها الناقد الاسباني سيزار ريكسينس تكوينها الفني في مدارس مختلفة، تطوان وبرشلونة وغرناطة، أكسبها تجربة متميزة وغنية، وانتماؤها المتوسطي وتوظيفها للموروث التاريخي المشترك والزاخر بالقيم والرموز يجعلنا أمام فنانة موريسكية وسط القرن الواحد والعشرين .QTS0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية