عزلة سورية تتآكل
عزلة سورية تتآكل تمثل الزيارة التي تقوم بها حاليا السيدة نانسي بيلوسي رئيسة مجلس النواب الامريكي الي العاصمة السورية دمشق صفعة قوية للرئيس الامريكي جورج بوش وسياسته الشرق اوسطية الرامية الي عزل سورية باعتبارها تشكل احد اضلاع محور الشر حسب توصيفه، وتعكس نوايا واضحة حول عزم الحزب الديمقراطي المعارض الذي تمثله السيدة بيلوسي احداث تغييرات جذرية في هذه السياسة في حال فوز مرشحه في انتخابات الرئاسة المقررة بعد عام ونصف العام.ولعل انتقاد الرئيس جورج دبليو بوش لهذه الزيارة، باعتبارها توجه رسائل متناقضة تنسف جهود عزل الرئيس السوري بشار الاسد هو الدليل الابرز علي ضعف الادارة الجمهورية الحاكمة، ورفض الاغلبية في مجلس الشيوخ لسياساتها لما تنطوي عليه من قصر نظر، ولما تتسم به من تخبط ملحوظ.ولابد من الاعتراف بان ادارة المسؤولين السوريين للازمة حققت نجاحاً كبيراً في حدوث اختراقات كبيرة في جدار العزلة المفروضة امريكياً والمدعومة من قبل بعض الجهات العربية الرسمية. فقد اتسمت هذه الادارة بالثبات والصلابة في اطار دبلوماسية ذكية انطلقت في اتجاهين متوازيين، احدهما عربي والآخر عالمي.فعلي الصعيد العربي اثمرت هذه الدبلوماسية مشاركة سورية فاعلة في القمة العربية الاخيرة التي انعقدت في الرياض، ومصالحة سورية سعودية تمثلت في اللقاء المغلق بين العاهل السعودي والرئيس بشار الاسد الذي سبق القمة، ثم في لقاء ثلاثي بين الاثنين والرئيس المصري حسني مبارك تطرق الي معظم القضايا المطروحة علي القمة العربية.اما علي الصعيد الدولي فقد ركز التحرك الدبلوماسي السوري علي كيفية تعزيز الاتصالات والروابط مع الدول الاوروبية باستثناء فرنسا، وبما يظهر رغبة سورية في تعاون مثمر في مكافحة ما يسمي بالارهاب، من خلال عرض الخبرات السورية العريقة في هذا الخصوص.وساهمت الاخطاء الفادحة التي ارتكبتها الادارة الامريكية في المنطقة العربية في كسر العزلة المفروضة علي سورية، خاصة في العراق وفلسطين وافغانستان. بحيث ادت هذه الاخطاء الي عزلة الولايات المتحدة نفسها وتصاعد الكراهية لها في الشارع العربي، ومعظم البلدان الاسلامية والعالمثالثية.فالاستراتيجية الامريكية الاخيرة لفرض الامن في العراق من خلال ارسال ثلاثين الف جندي اضافي فشلت في تحقيق اهدافها، وباتت احداث العنف التي تجتاح العراق اكثر فداحة بعد تطبيقها، وتصاعدت الحرب الاهلية الطائفية والهجرة الجماعية العراقية الي دول الجوار طلباً للامان.السلطات السورية بدأت تستعيد قواها، وتخرج من عزلتيها العربية والدولية، دون تقديم تنازلات جوهرية، في جميع الملفات الساخنة في المنطقة، خاصة الملفين اللبناني والفلسطيني، فالعرب والمملكة العربية السعودية التي كانت تقود الحصار، هم الذين عادوا الي سورية يخطبون ودها، ويتطلعون الي التنسيق معها ولو في حدوده الدنيا، وليس العكس.فعندما يصف العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز ما يحدث في العراق بانه احتلال امريكي غير شرعي، فان هذا يعني انه جاء الي الارضية السورية، وتبني مفردات خطابها الاعلامي، وقناعاتها السياسية، فالاعلام السوري هو الوحيد من بين اقرانه في المشرق الذي يصف ما يجري في العراق علي انه احتلال، ويساند المقاومة العراقية التي تعمل علي هزيمته وتحرير بلادها من براثنه.انها عقلية التاجر السوري المحنك الذي يعرف كيف يستخدم اوراقه بعناية وفي الوقت المناسب، ويخرج باكبر قدر من الارباح في نهاية المطاف.9