الحب اللي كان
عناية جابرالحب اللي كان طرقت بابي في وقت متأخر وبادرتني قائلة: لا بد ان تسمعيني، والا انفجر. تعلمين، لقد احببنا احدنا الآخر، انا والرجل الذي تعرفين، حتي حدث ذلك الأمر. لا اعني اننا لم يعد يحب أحدنا الآخر، سوي ان امرا احدسه قد حصل، وغيّر فيّ بعض الاشياء، الأشياء حين تتغير، تنذر بأفول الحب، اسمعيني ارجوك، اريد الآن ولمرة اخيرة ان احدثك عن الاشياء تلك، التي غيرها ذلك الأمر.لقد ربيناها معا ـ وانت صديقتي، وتعرفين القصة كلها ـ الأشياء تلك. دللناها وعطرناها، حتي حدث الامر الذي لا اعرفه، فأهرقها في الزبالة. كيف أوضح فكرتي لك ونخرج بنتيجة ما. اسمعيني ارجوك. بعد الأمر الذي أحدس انه حدث، صرت اعثر في رسائله لي، علي برد صغير في السطور. لنقل بدت رسائله، بسطور صغيرة بردانة. ومثلما يحدث حين تشكين بحدوث امر ما، فانك لسبب من الاسباب، تعرفين بأنه حدث. وحدث انني عرفت. صدقيني، لم اتفجع، بل كتبت أرد علي رسائله بنحيب خافت، لم اجرؤ علي البكاء العلني، لكي لا تصدق لعنه حدوث الامر الذي حدث فعلا. بقيت في رسائلي اليه، اموه الموضوع بعكازين عنيدين، يحملانني حتي آخر سطر. صديقتي لا تنامي، اسمعيني ارجوك. بالكاد أنا وهو الآن. بالكاد سطورنا. بالكاد البحر الذي يحبه كلانا، والهندباء بالزيت التي نموت فيها ووسائدنا البيتية التي نحملها معنا الي الفنادق في أسفارنا.إسمعيني!! تقولين الآن بأنني بلهاء تماما. هستيرية، وبأنه ما زال يحبني كثيرا وبأن ما في شي منو . بلي يا صديقتي، في شي منو والا كيف لم تعد ترعشني سطوره؟ ثم الشتاء الذي كنت اشعره عميقا لاجله، لماذا تسقط امطاره الآن بتهريج مائي واضح ، ولا يهمني تفسير هذه الجملة لك، انا اعرفها تماما.الأمر، الأمر أعمق، الأمر اعمق فأعمق. الوباء الغرامي يا صديقتي، الذي ترك لطخة بنفسجية مسودة في حكايتي معه. اسمعي. عثرت اخيرا علي جملة عاقلة اقولها لك في هذا الوقت المتأخر، توضح فكرتي عن الامر الذي حدث. لقد اصبح يرتب سطور رسائله الي علي شاشة الكومبيوتر. يضع الفاصلة في موضعها تماما، والنقطة، ويزين الكلمات بألوان حمراء وزرقاء، ولا غلطة طباعة ، أرأيت؟ لم يعد اهوج ويتلهف الي، والأمر الذي حدث هذبه، وكنا غير مهذبين قبل حدوثه.لا تنامي، انظري الي. كنت احب جدا حالة عدم تهذيبنا تلك. كنا نتدله فحسب، ولا ننتبه للفواصل والنقاط، وكانت الألوان مسحولة تحت الاقدام. لطالما كتب لي قبلا بالأسود. كان الاسود كافيا جدا، حتي حدث ما احدس انه حدث.صديقتي، رسائله الآن بلا صوت. بلا صراع، بلا همهمات ساخنة. رسائل في نماء السطور، بلا رحمة اللمس والقبل. سطوره الان زمنية، تصلح لأي حب. سطور ملأي بالعظام، ولم تعد يده مجنحة، ولا ناعمة كالحرير.والله، لا أسأله لماذا حدث الامر. لما اسأله يا صديقتي، تبدأ فعلا، رحلة الهبوط الي الأسفل، افضل ان ابقي في الشك الذي لا علاج له، وفي مرضي الغامض بسطوره كيفما اتت، وفي خدعة التنفس بين رسالة منه واخري. ولأول مرة يا صديقتي، في تاريخ علاقتي به، بدت رسالته امس علي الشاشة الزرقاء، نظيفة تماما، دقيقة بشكل مطلق. كلمتان فحسب، سأل فيها عن احوالي. كلمتان كضربتين بين العينين، واذا بجميع الذكريات تنهمر.ايضا مسألة اخري، اسمعيني لمرة ارجوك. لقد خدمتني رسائله في افراحي الصباحية، افراحي الصباحية التي تعرفينها جيدا: البحر، النسكافيه، المشي، معابثة الارصفة والهواء. كانت رسائله السابقة شرطا لنهار سعيد، كما تشهد دموعي الآن، رسائله كانت راية تعلن انتصاري علي الخيبة. هيا لا تتثاءبي، اعلم انها مجرد رسائل، فانا لم اقابله يوما، لم اجتمع به ولم اره، مع ذلك كانت رسائله ترفعني في الهواء، وقادرة علي اثارتي بمجرد هطولها علي الشاشة، فأبدأ بمداعبة حروفها بأصبعي الصغير.لقد تكلمت طويلا. طيب، اعلم الآن، وبعد ان حدث الامر، وكبطلة اسطورية مخلصة لحدسي الفائق، ولكبريائي غير القابلة للتلف، بأن شيئا ما قد تغير، ذبل. انني باقتحامي بيتك هكذا، وباعترافي لك، فانني انما احارب في سبيل كلمة منك تكذب ظنوني، قولي اي شيء. قولي ان رسائله لم تتغير ولم ينقص من دفئها شيء. قولي انه ما زال يحبني ولا تغمضي هكذا.قلت لها وقد هدني اللغو والنعاس: حسنا، يبدو علي ما قلت لي، انه لم يعد يحبك . كنت تعبة فعلا، وتأخر الوقت وينتظرني عمل كثير في الصباح الباكر. ثم انني محصنة ايضا، ضد الصداقة، وضد الحب.0
mostread1000000