المفكر السوداني الدكتور منصور خالد يفتح خزائن اسراره لـ القدس العربي (3)

حجم الخط
0

المفكر السوداني الدكتور منصور خالد يفتح خزائن اسراره لـ القدس العربي (3)

عندما قال طه حسين للمحجوب دع عنك السياسة وبكي صلاح سالم قائلا لعدوه خليل فيكم حاجة غريبة يا سودانيين الطائفية ليست كلها شرا. وحدت شمال السودان ولكننا فشلنا في تحويل الوطنية الصغيرة الي وطنية جامعةالمفكر السوداني الدكتور منصور خالد يفتح خزائن اسراره لـ القدس العربي (3)حاوره: كمال حسن بخيتہالدكتور منصور خالد مفكر وكاتب سوداني، غزير الانتاج خصوصا في شؤون السياسة، واستراتيجيات التنمية، ويملك قلما جزلا رشيقا مقروءا ومثيرا للجدل في آن واحد، وفضلا عن علمه وثقافته الموسوعية التي كثيرا ما يبهر بهما خصومه قبل مريديه وهم كثر في الجانبين ، فان الرجل خبير بخبايا واسرار وتطورات واشكالات السياسة السودانية التي خاض اتونها مفكرا ووزيرا ومعارضا شرسا لكنه في كل الاحوال كان دائما ولا يزال مشهودا له بالكفاءة.سطع نجمه عند العامة عندما تولي وزارة الشباب والرياضة في بداية العهد المايوي (نظام الرئيس الاسبق جعفر نميري) الا انه لدي خاصة المثقفين كان معروفا بينهم يتابعون انتاجه الفكري وكتاباته ومشاركاته في المؤتمرات الدولية، وما تنشره له الصحف من مقالات تحمل وجهة نظره وفكره. كان احد ابرز من تولوا مسؤولية وزارة الخارجية عندما كانت مايو في اوجها واعتبر حينذاك احد اعمدة النظام ومنظريه وفي العام 1979 انقلب د. منصور علي مايو بسبب اخطاء لم يتحملها ولا تتوافق مع ما يؤمن به من قيم وما يعتقد ويحمل من فكر وبدأ نقدها وتعريتها في كتابه (السودان والنفق المظلم)، ثم انضم الي الحركة الشعبية لتحرير السودان مستشارا سياسيا لجون قرنق ثلاثة عقود او اكثر. ظل د. منصور خالد شخصا مثيرا للجدل كسياسي وككاتب ومفكر متميز وجريء يختلف البعض حول افكاره وطروحاته لكن الجميع يعترف بقوة قلمه وجزالة تعبيره.ما هي علاقته بالامام عبد الرحمن المهدي والمحجوب وقبلهما عبدالله خليل؟ بمن تأثر في بدايات حياته وما هي الظروف التي اسهمت في تكوين شخصيته؟ وما علاقته بالنخبة او الصفوة؟… ما هو تأثير عمله بالامم المتحدة عليه، وماذا تركت الدراسة والعمل في الولايات المتحدة؟ كيف ينظر الي الداخل الي الصراع السياسي والبحث عن حل شامل واستقرار للسودان؟ ما هي المحددات التي يراها للسودان الجديد وماذا يأخذ علي قادة الاحزاب؟ وكيف يعيش حياته الخاصة؟ هذه الاسئلة وغيرها يجيب عنها د. منصور خالد في اول حوار معه يتطرق الي الخاص والعام في حياته.يكشف السياسي السوداني في ثنايا الحوار انه لم ينضم لأي حزب لأنه كان يهتم بالجانب الفكري الجدلي في السياسة وليس الجانب التنظيمي وان اهم منعطف في حياته هو انتقاله للعمل في الامم المتحدة ويكشف ان الرئيس الامريكي دوايت ايزنهاور اضطر للاعتذار للسفير السوداني بعد ان اثار ازمة دبلوماسية صاخبة في واشنطن. هنا نص الحوار الذي اجريناه معه في القاهرة، وفي هذا الجزء من حواره يعود الدكتور منصور خالد الي الوراء، الي سني شبابه عندما كان قريبا من عبدالله خليل امين عام حزب الامة ورئيس الوزراء في السنوات الاخيرة من الخمسينيات. ويعرفنا (بالبيه) كما كان يطبق عليه وبالرجال الذين كانوا حوله امثال محمد احمد محجوب والشنقيطي، وكيف كان يتعامل مع الناس، كما يتحدث عن الجمعيات الأدبية واشهر منتسبيها، وكيف ذابت تلك الجمعيات التي كانت بمثابة ادوات تنوير في احضان الطائفية. ثم نعرج بالحوار مع الدكتور منصور خالد الي دور الفكر في العمل السياسي وهل اصلا كان هناك مفكرون في الاحزاب السودانية كما يتطرق الحوار الي حركات الاسلام السياسي وشعار الاسلام هو الحل . كنت قريبا من عبدالله خليل سكرتير حزب الامة ورئيس الوزراء كيف كان يدير امور الحكم، وماذا تتذكر داخل حزبه؟ يعود الي ذاكرتي في هذا المجال خلافه مع وزير الخارجية محجوب، والذي كان لا يجادله في ادارة وزارته احد. الخلاف كان حول موقف السودان من احداث المجر عند مناقشتها في الأمم المتحدة. موقف المحجوب كان هو التصويت ضد قرار الادانة للاتحاد السوفييتي وهو الموقف العربي العام بسبب تأييد الاتحاد السوفييتي، يومذاك، للمواقف العربية. رأي رئيس الوزراء كان هو ان الحق لا يتجزأ، فنحن لا يمكن ان ندين العدوان البريطاني الفرنسي علي مصر ونصمت عن العدوان السوفييتي علي المجر مما اضطر معه المحجوب الي التراجع. هذا امر ذهب اليه حتي اندروبوف والذي احسبه واحدا من اكثر حكام الاتحاد السوفييتي تفتحا. ومن المفارقات المذهلة انه بينما كان كل اليسار يقف مؤيدا لذينك الاعتداءين انبري الحزب الشيوعي الايطالي اكبر الاحزاب الشيوعية خارج الاتحاد السوفييتي يدين الرجل.ولعل هذا احد الاسباب التي اكسبت الحزب المستقل برأيه قدرا كبيرا من الاحترام في اوروبا ومصداقية مع خصوم الشيوعية فيها، اما الرجل الخاص في عبدالله خليل فيجهله الكثيرون، يجهلون مثلا اهتمامه بذوي الحاجات حتي ان يساره لم تكن تدري ما صنعته يمينه، ويجهلون ترفعه عما يشين في الشأن العام. اذكر في هذا اصراره علي احالة طبيبين للمعاش لاتهامهما بتهمة سخيفة هي الاستخدام الشخصي لممتلكات تخص المستشفي (اللبن المخصص للمرضي). مما يعطي الامر اهمية ان احد الطبيبين كان شقيقا لاحد وزراء عبدالله خليل الاقربين. واذكر له ايضا قراره بشطب اسم ابنه من قائمة الطلاب المقبولين بالكلية الحربية، بعد ان نما الي علمه بان تجاوزا قد تم في نجاحه في امتحان القبول، وكان البيه يومها وزيرا للدفاع، اصر وزير الدفاع علي رأيه رغم الحاح اللواء حسن بشير نصر عليه بان لا يحرم الفتي من تلك الفرصة، ولعل اخي امير سعيد اليوم بقرار البيه اذ ان اقصي ما كان سينتهي اليه وضعه في السودان المنقلب هو ان يصبح لواء بالمعاش يدير فرنا آليا . الرجل الخاص كان ايضا علي قدر كبير من التسامح، استذكر له زياراته الوحيدة لمصر كرئيس وزراء السودان، وطلبه من عبد الناصر التمهيد له لزيارة صلاح سالم ومحمد نجيب، وكان كلاهما قيد الحجز التحفظي في داريهما، وان كانت بين البيه ونجيب علاقة قديمة طيبة تستوجب التواصل الا ان حرصه علي زيارة صلاح سالم كان غريبا اذ لم يؤذ رجل في السودان علي يد صلاح بقدر ما اوذي عبدالله بيه في الحملة الانتخابية. كان اللقاء بين الرجلين لقاء غريبا، فبعد عناق طويل، قال صلاح وعينه دامعة (أنت اخر شخص كنت اتوقعه هنا. فيكم حاجة غريبة يا سودانيين) ثم مضي يقول للبيه (هل تصدق ان الشخص الوحيد الذي يزورني بانتظام هو سوداني اخر .. جمال السنهوري حتي زملائي هجروني لا يزورني منهم الا زكريا محيي الدين وعبداللطيف البغدادي) تعلمت من البيه ايضا ان اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية. كان هذا قبل زمان صراع الديكة فاصدقاؤه الذين كانت تهفو نفسه اليهم في ساعات صفائه كانوا جمعا غريبا يشمل اكثر خصومة السياسيين معاندة الدرديري احمد اسماعيل، كما كان يضم زعيم المعارضة مبارك زروق والنائب العام الاتحادي التوجه احمد متولي العتباني كان من بين زوار البيه في الصباح الباكر، وبصورة منتظمة عبدالخالق محجوب وكان يناديه (الولد محجوب). في احد اللقاءات قال عبدالخالق للبيه (يا عم عبدالله الشارع السوداني بقول انك عاوز تبيع السودان للامريكان كان ذلك اثناء مناقشة مشروع المعونة الامريكية) ـ رد البيه يا ابني بلدكم محتاجة فلوس عشان نبنيها شوف لي الجماعة الروس بتوعك عشان لو يدفعوا اكتر حابيعها ليهم) الانتماء الحزبي لا يورث لماذا لم ترث عبدالله خليل في انتمائه الحزبي ـ حزب الامة؟ الانتماء الحزبي لا يورث وعلي اي فلو عاد عبدالله خليل للحياة لانكر ما يراه في حزبه ولي في ذلك شواهد عديدة، كان يقود حزبا يتصدر قيادته رجال بحجم الشنقيطي، ابراهيم احمد ، عبدالرحمن علي طه، والمحجوب في الصف الاول، وعبدالرحيم الامين، امين التوم، زين العابدين يوسف شريف، حسن محجوب وعبدالله نقدالله. في الصف الثاني، لم يكن الامام في ذلك العهد يفتي في أمر دون مشورة هؤلاء الكبار أهل الحل والعقد كانوا. كما لم تكن القيادة السياسية، تجادل في امر اجمع عليه هؤلاء. القيادة العليا ايضا كانت تستمع اكثر مما تتحدث وتطلب النصح اكثر مما تفتي، علي رجال ليسوا هم من اهل الاشارة بأي حال، اذكر وقفة البيه الصلبة وراء ترشيح عبدالرحيم الامين لدائرة النهود، وقد اراد بعض سادة الاسرة يومذاك ترشيح احد ابناء (الطيب عبدالله الفاضل). بل قدم اسمه في سجل المرشحين. بجانب البيه وقف الامام وهو يقول (انا كلما لقيت راجل عاوزين تبعدوه عني) المحجوب غريب بين اهل السياسة ننتقل بك من البيه الي المحجوب احد المثقفين الذين ارتبطوا بحزب الامة وعلاقتك به ؟ ولج المحجوب ميدان السياسة كرجل مستقل (انتخابات الخريجين الاولي) ثم انضم من بعد لحزب الامة كداعية للاستقلال، ولكنه ظل فيه متفردا، واحسب ان المحجوب اصيب بجرح لم يندمل حتي مات خاصة بعد خطابه البليغ عند اختلافه مع الصادق ومقالته الشهيرة فيه(لقد استبدلتم سيفا صقيلا بواحد من خشب) ومع اختلافي اليوم مع كثير من افكار المحجوب حول الهوية السودانية خاصة الاراء التي افصح عنها مرة في لقائه مع الدكتور طه حسين وقد آثرني بصحبته الي ذلك اللقاء في نادي محمد علي، في ذلك اللقاء ظللت مشدودا يتلقف سمعي الكلمات من العميد والمحجوب، وثالثهم رئيف ابو اللمع نائب الامين العام للجامعة العربية. كان المحجوب يضمن احاديثه المرة تلو الاخري ابياتا من شعر ابي الطيب مما حمل العميد علي ان يقول له ( مالك وهذا الشحاذ، اصدق منه قولا ابي تمام) وبين طه حسين والمتنبي عداء غريب عبر عنه الدكتور طه في كتابه ( مع المتنبي). وفي الكتاب ظلم بالغ للشاعر الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، اذ لا مكان للتمييز بين الشاعرين فالمتنبي وابو تمام فرسا رهان قدما لديوان العرب خلاصة المعني الشعري للانسان والكون ودار سجال ممتع بين الرجلين حول الشاعرين اطرب الدكتور طه، فقال للمحجوب (دع عنك السياسة. ديوان شعر واحد خير لك من الحاكمين والمحكومين). وكان رد المحجوب بديعا: انا في امة تداركها الله…. كان المحجوب الغريب بين اهل السياسة سيكون اكثر بلاغة لو قال تداركني الله. كان للمحجوب زملاء في الجمعيات الادبية التي مهدت للحركة الاستقلالية، بمن كنت تعجب أنت في ذلك الرعيل من رجال النهضة ؟ المدارس الفكرية ( مدرسة ابوروف- مدرسة مدني – مدرسة الهاشماب والفجر) لعبت دورا مهما في ارساء ارضية للعمل السياسي وبلورت الاهداف الوطنية، وستظل اسماء رجال مثل احمد خير وعرفات محمد عبد الله والاخوين الكد والمحجوب وحليم والاخوين عشري اسماء ذات رنين في تاريخ الحركة الوطنية، كما اضفي انفتاح هؤلاء علي الفكر العربي ( جماعة الفابيان بالنسبة لمدرسة ابي روف والاشتراكية الانسانية كما عبر عنها جون رسكن بالنسبة لمدرسة الفجر خاصة المحجوب) بعدا حداثيا لاطروحات تلك المدارس، الا انني اخذت في اخره اقرأ تاريخ تلك الفترة قراءة تحريفية ان شئت طغت علي الافكار يومذاك نظرة قاصرة للشخصية السودانية اذ لم تر فيها غير البعد العربي الاسلامي. حتي الاثر النوبي اسقط من خريطة الوعي القومي، كما قلت، هذا القصور لم يكن قصورا معرفيا فحسب بل ساد ايضا الممارسات، مثل ذلك التعامل مع ابناء من كانوا يسمون الزنوج المنبتين، هؤلاء يجدوا لهم موقعا في مراقي المؤسسات الوطنية بالرغم من دور بعضهم في تلك المدارس مثل محمد وعبدالله عشري الصديق في مدرسة الفجر المتميز مثلا ـ الدراسة الضافية التي اعدتها عفاف عبدالماجد ابو حسبو حول الحركة الوطنية ـ مطبوعات دار النشر ـ جامعة الخرطوم. إلا ان اهل الحل والعقد لم يجدوا مكانا لأي واحد من هؤلاء في لجان المؤتمر الستينية علي مدي خمس دورات، بالرغم من ان هذه اللجان ضمنت اناسا ادني منهم فكرا واسهاما في العمل الوطني. لا لسبب ـ في نظري ـ الا لانهم من (اولاد البلد)، اما التصور المعرفي فقد ابانه بجلاء المرحوم خالد الكد في رسالته للدكتواره في جامعة ريدنغ وقد نشأ خالد في حمي ابوين لعبا دورا مهما في تلك المدارس ولهذا كان تحليله لصيقا بالواقع وعلي قدر كبير من المتانة، بل اقول الفحولة الفكرية. قراءاتي التحريفية ايضا قادتني الي استكشاف الرومانسية في الافكار التي كانت تطرح، فبدلا من محاولة تطبيق الحلول علي المشاكل الحقيقية التي كان يجابهها السودان خاصة المشاكل الاجتماعية، تبدي لي ان مفكري ذلك الزمان كانو كمن يملك حلا يبحث له عن مشكلة فإعجاب المحجوب برسكن، كان يفترض ان يذهب به الي فلسفته الاجتماعية بدلا من الوقوف عند رومانسيته التي أهلته لان يلقب بنبي الجمال. فلسفة رسكن الاجتماعية جعل منها غاندي دستورا. الطائفية بم تفسر وقوع تلك المدارس في احضان الطائفية؟ انتهاء تلك المدارس امر لا يمكن تفسيره بالانتهازية وانما بـ الذريعية Expediency وفي تقديري ان نشأة الحزبية في السودان تحت وطأة الحزبية في مصر قادت الي ان تتشكل احزاب السودان حسب المنهاج المصري. وكان في مصر اتجاهان للعمل السياسي، الاتجاه النهوضي التدريجي الذي ترتكز فيه السياسة علي الفكر يقوده احمد لطفي السيد ومحمد حسين هيكل من بعده. والاتجاه الشعبوي الذي قاده سعد زغلول والنحاس من بعده. غلب الاتجاه الثاني لشعبويته وطبيعته التعبوية الجماهيرية. اليوم بعد ثلاثة ارباع قرن نعود الي المبادئ التي كانت تبشر بها الاحزاب الشعبوية في المنطقة ويغلب عليها شيئان: الاول الاستهانة بالفكر، فلا مجال للتمايز الفكري، عندما يكون الشعار المعلن هو (لو رشح الوفد حجرا لانتخبناه). وفي السودان كنا نقول : (الفحامي ولا المحامي ). الشيء الثاني كان في لغة التخاطب التي تتيح للرجل ان يعتلي المنبر ساعة من زمان، يثير فيها الاحاسيس والانفعالات دون ان يقول شيئا. والعربية لغة فصاحة كما روي الجاحظ، لكل هذا ما كان لمن اراد ان يترجم رؤاه ترجمة عملية الا ان يتعامل مع الواقع. وقد كان للمرحوم الوسيلة ود لطيف عندما سأله احدهم لماذا يتعامل الحزب الشيوعي مع الطائفية قال الوسيلة (السودان ده ما فيه غير السيد علي والسيد عبدالرحمن علي ان الطائفية ليست كلها شرا، اذ كان لها دورها في توحيد اهل السودان فوق الاواصر القبلية، وبهذا وضعت لبنة في البناء الوطني في الشمال في مجتمع ظل يسوده ـ في ظل الزمان ـ الوعي العشائري، ما عجزنا عنه فيما بعد هو تحويل الوطنية الصغري (الشمالية) الي وطنية جامعة كبري نعبر في ادبياتنا اليوم باسم (المواطنة)، ولا نريد بذلك الا انسحاب الوطنية الصغري بكل قسماتها ومميزاتها علي بقية القطر. هل للفكر مكان في السياسة السودانية ـ بالرغم من هيمنة الشفاهية علي المجال الثقافي؟ بالطبع رغم ما قلت فان العالم يتطور، والذي لا يتطور مع العالم سينقرض حزبا كان ام طائفة .الثقافة الشفاهية ما زالت تهيمن علي مناهج دائنة حتي بين المثقفين فأخطر القضايا يتداولها الناس بالمعرفية الحكائية، علي ان مشاكل الاحزاب بنيوية ووظيفية، ولهذا فهي ليست بحجم التحديات. يصدق هذا علي احزاب الجنوب والشمال وان كان لاحزاب الجنوب عذرها بسبب ضعف البني التحتية الاجتماعية وضمور النخبة المثقفة، فليس لاحزاب الشمال من عذر، ففي الشمال بني تحتية راسخة ـالمدراس الفكرية، مؤسسات المجتمع المدني، الصحافة، تنظيمات المرأة.لا سبيل لتطور الاحزاب ما لم تعالج الاختلالات البنائية بتعميق الديمقراطية الداخلية، وارساء قواعد الشفافية في الاداء والمحاسبة، وضبط الاداء وفق برامج تتناول القضايا الحياتية كما هي علي الارض ووفق احصاء رقمي لها لا عبر تدبيج مشروعات يتوفر علي صنعها بضع اشخاص، ويفرقون منها في بضع ساعات دون كتاب منير. الجانب الاخر هو الوعي لصراع الاجيال وما يتطلبه من تبديل في المناهج والافكار.فالجيل الجديد لا يلهم خياله التغني بأمجاد الامس، كبني تغلب نحن، اغنتهم عن المكارم قصيدة (قالها عمرو بن كلثوم) الوعي ايضا ضروري للمتحول في العالم الذي نعيش فـــــيه، في هـــــذا الــــعــــالم اصبح الفضـــاء المعـــرفي فضاء لا نهائـــــيا Cyper Space وأصــــــبحت المجتــــــــــمعات مجـــــــــــــتمعات تخــــــيلية virtual societies، فالتعليم يمكن ان يتم من البعد والتكنولوجيا بديلا فعليا، عن الايدولوجية، وانها تلقي بظلالها علي كل من يحيط بها، وبالتالي تؤثر علي تفكيرك وردود افعالك ورؤيتك.وحتي تصبح الأحزاب حاملا اجتماعيا للتغير ـ إذ لا بد للتغير من حامل اجتماعي ـ لا بد لها من تطوير بنيتها وإعادة النظر في وظائفها ـ وبحمد الله في الأحزاب، كثر من الذين يدركون معاني التجديد علي الأحزاب أيضا ان تستلهم من الجبهة القومية شيئا، وهو استفادتها الكاملة من أدوات التواصل الحديثة في تنظيم نفسها وفي أعلامها خاصة الأعلام المضاد.مشكلة البحث هي أنها انشأت حاملا اجتماعيا بكل ما أنجزه القرن العشرون من إبداعات، ولكنها حملته أفكارا تنسبها للإسلام مع هذا دعني أقل إنني غير متشائم او محبط والا لبحثت عن الخلاص الشخصي، وهو متوفر أكثر من غيري، ومنذ زمان بعيد نحن نسير في طريق مسدود. كما يقول بعض أصحابي الناصحين حالنا كتلك التي وصفها الشاعر سعدي يوسف أوغلت قافلة في الرمــل حتي لم تعد تبصر غير الرمل . هذا مأزق تاريخي، قلت عنه: القديم مات الجديد لم يولد. انا لست من الذين يرفعون أيديهم ويقولون: (مافيش فايدة) أقول فيه فائدة، سيولد الجديد المستحيل علي يد جيل جديد متصالح مع نفسه وواقعه ومواريثه ومستجدات عالمه، فمع سعدي يوسف أقول مستحيل لك ان تطلب المستحيل . الاسلام هو الحلهذا سؤال يقودنا لسؤالك عن شعار حركات الإسلام السياسي الإسلام هو الحل ألا تري في هذه الدعوة ما يعتمل تحتها من صحوة إسلامية تحقيقا لنبوءة هنتنغتون حول صدام الحضارات وحتميته، الإسلام هو الحل شعار مثل كل الشعارات. أنا أيضا أقول قد يكون الحل في الإسلام، ولكن أي فهم في الإسلام، الشعارات التي تبني علي حتميات وثوابت يفصلها بعض البشر كجلباب علي مقاس لا يصلح الا لهم تنتهي إلي هيمنة هذا البعض علي أوجه كل الحياة هيمنة لا مكان فيها لآخر معهم. بل تنتهي تلك الهيمنة دوما إلي أداة الإضفاء الشرعية علي أنظمة غير شرعية أصلا، بدلا من التوسل بها لتحقيق الأهداف المدعاة لعلك تذكر شعارات (لا حرية لأعداء الحرية) و(لا صوت يعلو علي صوت المعركة)، كان من سوء الخلق في الماضي ان لا يتبني المرء هذه الشعارات. اما اليوم فقد أصبحت القلة التي تستمسك بها ان لا نفعل هذا الا خفية كاستخفاء المرأة المستحاضة عندما تقذف بخرق استنفرت بها. ذلك هو حال شعارات الحتميات الدنيوية. فما بالك بالتي تتوسل بالأديان. تلك أمرها جد مختلف لان الخلاف في كلياتها او جزئياتها يقود ـ في حالات التطرف المذهبي ـ إلي ابلسة الآخر والابلسة في ميدان السياسة حيث اليقين برهاني لا ايماني تصبح تلبيسا. في عهد التنوير الا يفترض ان يكون فيه اليقين ايمانيا لا برهانيا، فمن يجرؤ اليوم ـ في أي جزء من بلاد الإسلام ــ ان يقول ما قاله عمرو بن عبيد شيخ المتكلمة في زمانه في (تهذيب الكمال ) حول ما لا يقبله العقل مما ينسب للإسلام.شعار (الإسلام هو الحل ) ما عاد منه علي الاسلام غير الوبال منذ صفين. ومن ضحايا تلك الشعارات كان عليا امام العادلين. وفي راهن الإسلام ما ينبي عن النهايات المأساوية التي يقود لها التزيد. يتجه ذهني إلي إيران والي مذكرات آية الله حسين منتظري، الرجل الثاني في الثورة الإيرانية بعد الخميني قبل ان تقصيه صراعات الحوزات، في تلك المذكرة تحدث منتظري عن ألوان القمع غير المبرر الذي لجأ إليه النظام ضد كل من دعا لرأي مناهض لرأي الولي الفقيه. كشف منتظري أيضا عن نفاق الذين يؤبلسون خصومهم من دعاة احترام الرأي الآخر بنسبتهم إلي إبليس هذا العصر، الولايات المتحدة الامريكية. ذلك النفاق كان أوضح ما يكون في ان الذي كان يقود الاجتماعات السرية مع ماكفرن مستشار الرئيس ريغان لإكمال إجراءات بيع الأسلحة الإسرائيلية لإيران أبان حربها ضد العراق هو احمد الخميني. تلك الصفقة التي أماط منتظري اللثام عن خوافيها، أسمتها الصحافة الأمريكية إيران جيت. وما زال المتطرفون يلاحقون ذوي الاستنارة مثل الرئيس خاتمي بمثل هذه الاتهامات حتي في مساعيه لبسط التسامح الديني مع أهل الملل الاخري (اليهود والأرمن والزرادشتيين). حقيقة الأمر ان العنف ليس محايثا للإسلام، ولا هو اصل منه ولا شرط من شرائطه، وإنما هو لصيق بمن يمارسه باسم الدين. وقلما يخشي هؤلاء عاجل العار او آجل النار .فرضية صدام الحضارات عند هنتنغتون فرضية لا تقوم علي ساق ان كانت الحضارة التي يتحدث عنها هي الحضارة الإسلامية التاريخية. فبدون تلك الحضارة لاندثرت الحضارة الهيلينية، تلك بقيت بفضل من ترجمها ونقحها وأبقي عليها من فلاسفة الإسلام، الأول في الشرق والغرب. هؤلاء هم الذين أبانوا ما في فلسفة يونان من حكم قولية وفعلية، وما تداولته بالبحث في الطبيعيات والآليات الرياضية. وبفضل هؤلاء ازدهرت المعاجم العربية بكلمات لم يعـــرفها العرب من قبل مثل الانالوطيا (تحليل القياس) والطوبيقا (الجدل ) والسوفوطيقا (الحكم المموهة ) والريطوريقا (الخطابة) كما حفظت فهارسهم أسماء تاليس الملطي، وفيثاغورث وسقراط وأفلاطون وفلوطرفيس وانسكاغورس، الذي يتحدث عنه هنتنغتون هو حضارة إسلامية جديدة او فلنقل مشروع حضاري إسلامي جديد يريد ان يعيد تشكيل العالم كله علي صورته وبالشدة. هذا النهج لا يمثل غلوا في الدين فحسب وإنما يعكس نرجسية فكرية غريبة، خاصة عندما يظن البعض ان بلدا مغلوبا علي أمره يمكن ان يكون هو رأس الرمح في هذه الثورة الأممية، ينتابك ارتباك عندما تسمع هذا وتتساءل هل هذا هو البلد الذي نعرف أم أن الله حباه بقوة لا ترونها؟وهل العالم الذي نسعي لتغييره هو نفس العالم الذي نعيش فيه كالأيتام علي مأدبة اللئام أم هو عالم أخر؟في ابان الحرب الباردة كان الرئيس ماو يصف الولايات المتحدة بأنها نمر من ورق، وصدقه أهل الصين حتي ادموا أنوفهم إلي ان جاءهم دينغ شاوبينغ ليقول قد يكون نمرا من ورق ولكنه نمر من أسنان ذرية فهل لنا بدينغ شاوبينغ سوداني. لمثل هذه الظنون ذهب الخليفة عبدالله (التعايشي) عندما آنس في نفسه كفاءة تؤهله لان يتجاوز برسالته إلي مصر والشام إلي فكتوريا ملكة انكلترا. بيد ان للخليفة عذره إذ لم يعش في زمان الـ سي ان ان ولا الصواريخ عابرة القارات والرجال الذين يمشون علي سطح القمر. 7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية