لغة العيون الخائنة

حجم الخط
0

لغة العيون الخائنة

فيصل عبد الحسنلغة العيون الخائنةبعد جهد ومكابدة استطاع أن يفتح حسابا في البنك الوطني، ولو لم تأت رسالة ابن عمه من خارج البلاد يطلب فيها منه فعل ذلك، لما فتح ذلك الحساب البنكي أبدا، فهو كما يقول عن نفسه يكره المعاملات الرسمية، ويتحاشي الأخذ والرد مع الحكومة، وتخيفه أوراق المعلومات التي عليه أن يملأها ويضع توقيعه عليها، والتقاط الصور الفوتوغرافية المطلوبة، وفي الشهر الأول تلقي علي رقم حسابه الجديد حوالة مالية صغيرة، وجاءت رسالة البنك تبلغه أن مبلغا ماليا قد وضع في حسابه، وفي الشهر التالي تلقي حوالة أخري وكان المبلغ المالي هذه المرة مضاعفا، وهكذا اخذ مبلغ الحوالة يتضاعف شهرا بعد آخر، وأخذت أرقام الرصيد تقفز بشكل مبالغ فيه، وكان البنك لا يتأخر في ارسال تأكيداته بان المبلغ المالي في الرصيد قد قفز أرقاما كبيرة خلال فترة وجيزة. قال بينه وبين نفسه اسأل الله أن اجتاز هذا الامتحان ويجنبني فضول الناس.كان ابن عمه تاجرا صغيرا شارك في عمليات تجارية كثيرة وصار في فترة قصيرة من اكبر التجار وبالرغم من اعتقاد أصحاب البنك انه من الأغنياء الذين يعدون علي أصابع اليد في طول البلاد وعرضها بسبب رصيده المالي الضخم الذي لا يعرف كيف تسرب خبره الي جيرانه وأصحابه، وكان يتساءل عمن كان يفعل ذلك هل فعل ذلك احد موظفي البنك أو بسبب الرسائل الكثيرة التي يرسلها البنك اليه؟ وربما وقعت احدي هذه الرسائل بيد احد الثرثارين، فتحدث عن رصيده المالي لجميع أهل مدينته، واخذ الناس بعد هذا الثراء المفاجئ يحترمونه بشكل مبالغ فيه يشعره دائما بالاحراج، ويسمعهم يتحدثون بينهم عن بساطة ملابسه، وداره الصغيرة القديمة بالرغم من ثرائه، وتقتيره علي عياله، مما اضطره أن يخبرهم أن لا مال عنده غير مرتبه الشهري، وكل رصيده المالي في البنك هو في حقيقة الأمر أمانة تخص ابن عم له يعيش خارج البلاد، وكل معاناته خارج بيته كانت هينة لا تقاس بمعاناته مع أهل بيته اذ بعد أن عرفت أم عياله بالأمر استقبلته باسمة، طليقة الوجه، رشيقة العبارة، خفيفة الخطوات، وهي تلبي طلباته وقد دلقت علي ثيابها قنينة عطر، وارتدت أفضل ثيابها ورفعت صوت آلة التسجيل فصدح البيت بارجائه بالموسيقي وصوت أم كلثوم، حتي انه في البداية اعتقد أن البيت ليس بيته، الا انه لاحظ أثاثهم القديم نفسه، وأن المرأة الجميلة التي يراها هي زوجته لكن مع تحسينات كثيرة فشكلها قد تغير كثيرا فقد عقصت شعرها، وتكحلت وصنعت لها وجها جديدا بالأصباغ، وشعر انه في عرس حقيقي، وقد أطعمته بيديها أفضل الأطعمة، وكان يخيل اليه أنها تغافله بين الحين والآخر لتهمس لابنتهما الكبري مع غمزة بالعين … اطعموا الأفواه تخجل العيون وبعد الطعام مباشرة، وقد ازداد صوت أم كلثوم عذوبة وعنفوانا وهي تغني عن الأمان في الابحار في عيون المحبين، فاجأته في الحديث عن ضرورة تغيير بيتهما القديم الذي يسكنونه ببيت جديد أوسع مع تبديل كامل للأثاث..فتح الرجل عينيه علي سعتهما مندهشا واستنتج من دون أن يسأل زوجته أنهم عرفوا بأمر الرصيد المالي الذي في حسابه، لم يقل لها كلمة وهي تحدثه عن ضرورة مراعاة وضعهم الجديد كأغنياء، وأولادهم الثلاثة يجلسون علي المصطبة، وقد نكسوا رؤوسهم صامتين، كأنما تعرضوا طوال عمرهم لخديعة أنهم فقراء، وان أباهم الظالم أخفي عنهم حقيقة غناهم، وتركهم يعيشون في أسوأ حالات الضنك والعوزوكان يقرأ في عيونهم سبابا صامتا وجملة يا لك من أب ظالم يا أبي..وابنته الكبيرة كانت تنتظر علي أحر من الجمر اعترافه أمامهم بالغني وقد أخبرت صديقاتها هاتفيا أنها لن تصبح كما كانت فقيرة، بمنظرها اللئيم الذي اعتدنه بل ستكون مشرقة بملابس مودرن ولها سيارتها الجديدة وسيأتي لها أبوها بالمدرسين لتلقينها اجابات الأسئلة التي ستأتي في الامتحانات لتحصل علي درجات التفوق بدلا من أن تقرف نفسها بالقراءة والسهر وتضييع أوقاتها الثمينة كمليونيرة شابة بتفاهات مسائل الكيمياء والفيزياء وحفظ معلقات الشعر العقيمة ..حاول في البداية أن يقول لهم الحكاية من البداية الا أن أحدا لم يصدق رواية أن المبالغ الكبيرة في حسابه البنكي هي مجرد أمانة، وكانوا يتساءلون وقد ضموا أصواتهم الي أصوات الأقرباء، والجيران، والمعارف بسؤال مرير واحد يقول: أي معتوه في هذا الزمان يقبل أن يضع كل هذه الثروة الطائلة باسم شخص آخر حتي لو كان ابن عم له ؟ واخذوا ينعتونه بالبخل واللؤم والخبث وبدأت الحرب الحقيقية في بيته اذ أخذت زوجته تضع له طعامه في زاوية المطبخ وكأنها تضعه لكلب أجرب، وأولاده اخذوا يعاملونه بجفاء كأنما يتعاملون مع مريض بمرض معد، وهم يتحدثون عن البخل الذي يذهب بالايمان، أما ابنته الكبيرة فقد توقفت عن الذهاب الي المدرسة بدعوي المرض بعد أن انفضحت أكاذيبها أمام صديقاتها، وظهرت أنها فقيرة كما كانت دائما بذات البذلة اليتيمة الزرقاء والوجه الذابل الحزين، وكان الرجل يشعر أن عيني زوجته تطالبانه أن يخون أمانته، وكذلك نظرات الحرمان واللوعة في عيون أولاده، وأخذت العيون جميعا بلا استثناء تطالبه بالاستيلاء علي المال، كلها تقول له بلغة صامتة: اسرق أموال ابن عمك .. اسرقه من دون أن يرف لك جفن .. ان لم تكن ذئبا أجرد بالت عليك الثعالب.. وستبقي طوال حياتك رطبا بذلك الفقر وعفونته .. تحمل الرجل نظرات العيون صابرا محتسبا كأنه في ساحة قتال ويرجو من الله في سره النصر والفرج القريب..ذات صباح استلم من ابن عمه برقية، وبعد أن قرأها ظهر السرور علي وجهه وشعر بالهموم تنزاح عن صدره مرة واحدة، ارتدي أفضل ملابسه كأنه في عيد وتوجه الي البنك وكعادته حين يكون سعيدا فقد اخذ يوزع ابتساماته بوجه هذا وذاك وطلب من موظف البنك أن يحول الأموال التي في رصيده الي بنك آخر، وكما طلب منه ابن عمه في برقية الصباح، وباسم ابن عمه ذاته سأل الموظف في حيرة: هل نحول كل المال؟ فأجابه: نعم، قال الموظف مرتبكا رصيدك ضخم جدا… أجابه، كأنما يريد أن يفرغ من هذا الأمر نهائيا: المال ليس مالي ويجب أن يذهب الي حيث يريد صاحبه، قال الموظف وكأن المال يخصه وقد اخذ العرق الغزير يسيل من جبهته متأملا الرصيد المالي علي شاشة الحاسب الآلي، ثم تمتم بصوت خفيض: كأنني اشترك في جريمة تريد أن تقترفها بحق نفسك واهلك: تساءل الرجل متعجبا: ـ أي جريمة تتحدث عنها؟ … قال الموظف: لا شيء … همس احد المراجعين باذن الرجل وقد عرف المشكلة: انك تقتله.. موظف مرتبه ضئيل، وأنت تأمر بتحويل أموالك الطائلة الي شخص بعيد ثم رفع الموظف سماعة الهاتف، وتكلم بصوت واطئ ثم رفع اليه عينيه وطلب منه أن يذهب الي الادارة وهمس: ان مدير البنك يريد أن يكلمك.. تمتم الرجل: متي ينتهي هذا الأمر؟ مشي في الممر الضيق ودخل غرفة المدير، بدا وكأنه كان ينتظره بادي القلق والانفعال: هل تبعث ثروتك الي بنك آخر وباسم شخص آخر؟ هل بينكما صفقة تجارية؟ـ لا ليس بيننا شيء وأنا اعيد له أمواله فقط…ـ من يفعل هذا؟ واسمح لي بقول ذلك، ليس شخصا عاديا، أنا لا أعذرك مطلقا، لأنك تبدو لي علي قدر كبير من النباهة والذكاء، لكنك أيضا تبدو علي قدر عظيم من الطيبة، التي لا تعني في هذا الزمن شيئا عظيما، انها: غفلة، حماقة، سوء تدبير، وسذاجة …للأسف طبعا ـ سمها ما شئت ـ وتذكر أن ما تريد أن تفعله هو تلخيص وتركيز لهذه التسميات القبيحة، قاطعه الرجل: هل اتصلت بكم زوجتي ؟… فهذا كلامها، كل الذي قلته هو كلامها، وأقول لك ما قلته لها: ـ ان المال ماله يا سيدي، ولم أكن سوي مؤتمن عليه وسأفعل ما يريد صاحبه وارجوا أن تساعدوني لأفعل ذلك….نظر مدير البنك الي عيني الرجل كأنما ينظر الي عيني رجل مجنون، وقال بهدوء: نحن كبنك لا يهمنا البتة ما تتحدث عنه، وهذه المسائل المعنوية لا معني لها في هذا الزمان نحن نعرف اسمك ورقم حسابك في البنك ورصيدك المالي، وسحب مالك من البنك وارساله دفعة واحدة الي خارج البلاد يمثل نكسة مالية لنا كبنك.. وحين لم يجد المدير تجاوبا من الرجل، جلس علي اقرب أريكة محبطا وتمتم: سننفذ رغبتك، لكن تذكر أنها أسوأ غلطة غلطتها في حياتك.. ثم وقف المدير وأشار له أن يتبعه، ورأي العرق يبلل صلعة المدير وهو يسير أمامه منكس الرأس، وعندما وصل الي بهو البنك المكتظ بالحاسبات، والموظفين أعطي الأمر للموظف المسؤول عن التحويل الخارجي لاكمال اجراءات التحويل، وحز في نفسه أن ينتظر حتي يفرغ الموظف من اكمال ذلك الأمر الحزين أمامه فرجع الي مكتبه، وبقي الرجل ينتظر أن تعطي له نسخة من أمر التحويل، ولم يطمئن الا حينما رأي علي شاشة الحاسوب أن حسابه البنكي عاد من جديد الي ذلك المبلغ المالي الصغير الذي بدأ به مع البنك أول مرة، وحين مر من أمام الموظفين سمعهم يهمسون وينظرون اليه كأنما يرون قردا، لكنه شعر انه صار خفيفا وسيطير في أي لحظة يشاء وتساءل: أليس هذا كافيا للفرح؟ أن تطير بلا جناحين ؟…كاتب وصحافي عراقيQSR0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية