معاداة السامية.. في الجامعات الأمريكية: خمسون عاما من التعذيب.. وكفاكم الله شر التوريث
د. عماد عبد الرازقمعاداة السامية.. في الجامعات الأمريكية: خمسون عاما من التعذيب.. وكفاكم الله شر التوريثالكلام عن التوريث والتحذير من سيناريوهات التوريث المحتملة والمفترضة أو التي يخطط لها، كل هذا لن يبعد شبح التوريث بل سوف يزيده قربا بل ويجعله أكثر احتمالا للحدوث والوقوع علي رؤوسنا كالقضاء المكتوب والقدر المحتوم الذي لا مفر منه.وكذا هو الكلام عن التعذيب وفضحه والتعريض به والتنكيل صحافيا بمرتكبيه، كل ذلك لن يعني توقفه أو اختفائه من أقسام الشرطة والمعتقلات في أم الدنيا. فالتعذيب لم ولن يتوقف وشكرا لقناة دبي لأنها ذكرتنا بتلك المأساة المسلم بها في العالم العربي حين بثت مؤخرا فيلم إحنا بتوع الأتوبيس الذي أخرجه حسين كمال في عهد السادات وكان جزءا من موجة أفلام بدأت مع انبلاج فجر حركة التصحيح التي أطلق عليها كتبة السلطان وصناع الطغاة من حواري العصر آنذاك ثورة 15 مايو . حركة السادات التصحيحية استهدفت مناوئيه من مراكز القوي أقطاب الدولة البوليسية (وكبيرهم شعراوي جمعة وزير الداخلية في أواخر عهد عبد الناصر). موجة الأفلام التي راجت في تلك الحقبة مثل زائر الفجر ، و الكرنك و إحنا بتوع الأوتوبيس و علي من نطلق الرصاص ، كانت جميعها ترديدا أو انعكاسا لما اعتبره البعض تفاؤلا أو غفلة مولد عصر جديد افتتحه السادات بهدم معتقل أبو زعبل الشهير. وكان رواجها أو الترويج لها مقصودا لأسباب غير فنية بالضرورة، وإنما سياسية في المقام الأول، من بينها تصفية الحسابات مع العهد البائد والترويج ثانيا للعصر الجديد بوصفه عصر انبلاج الديمقراطية. أيا كانت النية الكامنة وراء بث قناة دبي لهذا الفيلم (والأعمال ليست بالضرورة بالنيات في الفضائيات العربيات)، نشكرها لأن بثه جاء متزامنا مع احتدام الجدل حول تعذيب المواطنين المصريين في أقسام البوليس (ولا نقول في المعتقلات، فما خفي كان أعظم)، ولأن بث الفيلم يمنحنا فرصة كي نستذكر تلك المصطلحات والمفاهيم المتفائلة التي راجت مع تكاثر أفلام تلك الموجة السينمائية. الفيلم إذا تذكرة لمن في حاجة إليها، بأن فجر التصحيح المزعوم كان فجرا كاذبا، فلا زوار الفجر توقفوا عن دق الأبواب، ولا المعتقلات أغلقت أبوابها، ولا التعذيب توقف يوما ما. هذا رغم مرور أكثر من ربع قرن علي رحيل السادات وقرابة سبع وثلاثين سنة علي ثورته المزعومة.موضوع الفيلم السياسي ليس هو بيت القصيد هنا بل التأثير الذي يمارسه علي وعي المتفرج من خلال آليات التلقي التي تحكم علاقة المتفرج بالعمل الفني. الفيلم باختصار يقوم علي مصادفة مؤلمة أشبه بدعابة ثقيلة جدا، فقد نشبت مشاجرة داخل حافلة نقل عام انتهت بأخذ جميع الركاب العاطل بالباطل إلي قسم الشرطة. وهناك أودعوا جميعا في التخشيبة ومنها إلي المعتقل، مع غيرهم من المعتقلين السياسيين. وفي المعتقل يذيقهم الضابط المسؤول وجلاوزته صنوفا من التعذيب حتي يعترفوا بجرائم لم يرتكبوها، ويموت أحدهم من وقع التعذيب، علما بأن غالبيتهم لا علاقة لهم بالسياسة من قريب أو بعيد. الرسالة المفترضة التي يحملها الفيلم إلي جانب فضح وإدانة ممارسات عصر مراكز القوي وحكم المخابرات وبطش رجال الأمن، هي أن هذا العصر قد ولي إلي غير رجعة وليهنأ المواطنون بعصر الحريات. لكن التأثير الذي يتركه الفيلم بالفعل كان عكس ذلك تماما. فمشاهد التعذيب التي يطول عرضها علي الشاشة لأبطاله (عادل إمام، وجدي العربي، عبد المنعم مدبولي وغيرهم) تجلب تعاطف المشاهدين مع الأبطال وتوحدهم بمحنتهم ومعاناتهم، وهذا ما يؤدي بدوره إلي ما يعرف بتأثير التطهير عبر مشاعر الخوف والشفقة: الشفقة علي البطل من المصير الذي ينتظره، والخوف من أن ينالنا نفس المصير ذات يوم إذا ما ارتكبنا نفس أفعاله التي جلبت عليه ذاك المصير في المقام الأول. ولا يهم هنا ما إذا كان البطل يستحق مصيره أم لا، وسواء أكان قصاصا عادلا أم انتقاما إلهيا أو لعنة حطت عليه أو حظا عاثرا أو حتي قدرا غاشما أو ظلما فادحا، فالأمر محكوم بمنطق الدراما وقدرتها علي الإقناع . هذا التأثير الذي تمارسه الدراما، والفن بوجه عام، هو ما يصطلح علي تسميته في علم النفس بإعادة تنظيم الدوافع داخل النفس البشرية. بهذا المعني يخرج المتفرج بعد مشاهدة إحنا بتوع الأوتوبيس وهو أكثر رعبا وخوفا منه قبل دخوله السينما، ولسان حاله يقول: إذا كان هذا المصير المرعب قد حل بأولئك المواطنين الأبرياء الذين لا ناقة لهم ولا جمل في السياسة، فما بالنا بمن يجرؤ علي الخوض في أمورها أو يجرؤ علي تحدي السلطات أو انتقادها؟ وهكذا يغادر المتفرج قاعة العرض وقد وقر في نفسه أن العاقل من اتعظ بمصائب غيره ومصائرهم فيتجنب تماما كل ما من شأنه أن يعرضه لبطش السلطة من قريب أو بعيد. فإذا أضفنا إلي هذا التأثير المباشر للعمل الدرامي ذلك الخوف الأزلي من السلطة المزروع داخل المواطن المصري وينتقل إليه مع الجينات، إلي جانب فقدانه الثقة في الحكومة أيا ما كانت تجلياتها، نصبح شبه متأكدين أن الفيلم سيساهم في تخويف المشاهد وترسيخ إيمانه بأن التعذيب والتجاوزات لم تنته، والعاقل من اتعظ و سار جنب الحيط . بهذا المعني تصبح السينما كالسجون تأديب وتهذيب وتقويم ، وهو الشعار الذي ترفعه السجون في مصر. أما إذا كنت من الذين شاهدوا الفيلم في الثمانينات وكنت من السذاجة بحيث صدقت مزاعمه بانتهاء زمن التعذيب والمعتقلات بانقضاء العهد البائد، ثم امتد بك العمر أمثالنا حتي العهد المبارك ، فلست في حاجة لدليل جديد علي أنك كنت حقا مغفلا إذ صدقت ما روجت له تلك الموجة السينمائية التي ازدهرت في عهد التصحيح والمنابر الذي ختمه السادات بزج كل معارضيه من كبار قادة الفكر والعمل السياسي في المعتقل ليضع خاتمة ميلودرامية لعهده توجها القدر بخاتمته المأساوية. التعذيب الذي كانت تتحدث عنه الأفلام فقط آنذاك كأحد مخلفات عصر بائد، أصبح اليوم حديث الساعة في الصحف وعلي شاشات التلفزيون ومدونات الإنترنت، بالصوت والصورة، ولا يسلم منه حتي أولئك الذين يتحدثون عنه في المدونات. ولا يعني ذلك أنه توقف أو حتي سيتوقف قريبا، بل العكس تماما إن ذلك كله يقرب الناس من تقبل التعذيب كأحد حقائق العصر أو الزمن أو الحكم الحالي. وكذا هو الحال مع التوريث، لقد كسر تكرار الحديث عنه ما كان إلي فترة قريبة محظورا أو نوعا من التابو المحرم الحديث عنه. كما اعتاد المشاهد العربي علي الطبق اليومي القادم من العراق من أخبار القتل وصور القتلي والجثث المخرمة بالمثقاب أو مقطوعة الرؤوس، والسيارات المفخخة وتفجير المساجد والحسينيات، فصار المحرم والمستحيل حدثا عاديا يوميا وتوقف حتي عن تحريك مشاعرهم. ومن قبلها كسرت الجزيرة تابو استضافة المعلقين والسياسيين الإسرائيليين وعودت المشاهدين من العرب عليهم حتي باتت أسماء مثل رعنان جيسن وشولمو جينور (ولا تنسوا جلعاد شاليت)، تنافس عادل إمام وشعبان عبد الرحيم في شهرتها. والآن صار التوريث حلالا بلالا زلالا يتداوله الناس علانية لا همسا، ويتجادلون بشأنه ويتساءل بعضهم: ولم لا؟ أهو ذنب جمال مبارك إن ابوه حسني مبارك؟ واللي تعرفه أحسن م اللي ما تعرفوش؟ ثم إن مفيش غيره، ثم إن أبوه كبر وعجز، ثم إن دادي أكيد علمه حاجات كثيرة في السياسة، وأكيد أطلعه علي كل اسرار الدولة العليا وخفاياها. ثم إن التوريث ماشي في البلد كلها ـ يقول هؤلاء ـ اشمعني جت علي الباشا الصغير. وفي كل مرة يصار إلي نفيه لا يؤدي ذلك إلا إلي زيادة شكوك العامة والبسطاء (اللي بيفهموها وهي طايرة). ولا يبقي سوي أن تحين اللحظة المناسبة فيتم نفي النفي، ليصبح إثباتا. ويكفي أن تسأل أي عابر سبيل في مصر ليقول لك مسلما مستسلما إن الجميع يعرفون أن التوريث واقع لا محالة، آجلا إن لم يكن عاجلا. وهذا هو الهدف الذي حققته جوقة التوريث حتي الآن بحديثها الذي لا ينقطع عنه إن سلبا أو إيجابا، تأكيدا أو نفيا. كارتر: نصير القتلة والإرهابيين في برنامج حواري علي إحدي القنوات الأمريكية ( WHUT)، يحمل اسم صاحبه تشارلي روز ، فرض كتاب كارتر الجديد المثير للجدل فلسطين الآن.. لا تفرقة عنصرية نفسه علي الحوار مع ضيف البرنامج الكاتب المسرحي الأمريكي ديفيد ماميت. تطرق الحديث إلي إسرائيل حين سأل المذيع ضيفه ما إذا كان يشعر بالقلق تجاه إسرائيل وهو الذي كان دائما معروفا بمواقفه المؤيدة لها، خاصة في ضوء الأحداث الأخيرة والهزيمة التي منيت بها في لبنان، فجاءت إجاباته مدهشة حقا. قال إن قلقه نابع من كونه يهوديا، وثانيا لأن هناك 200 مليون عربي يلقنون في المدارس كل يوم أنهم يريدون إلقاء اليهود في البحر. ثم قال إنه ألف كتابا هدفه الأهم هو إقناع أبناء جلدته من اليهود أن هؤلاء الناس العرب يعنون ما يقولون وأنهم يعتزمون إلقائهم في البحر. وحين سأله المذيع عن كتاب كارتر لم يتردد في أن يصف الرئيس الأسبق بأنه بطل للقتل وبطل للإرهاب Champion of Murder, champion of Terrorism ، وبعد أن اتهم كارتر بمعاداة السامية قال إنه شخصيا ذهب إلي إسرائيل مرتين ولم يقابل هناك إنسانا واحدا لا يرغب في السلام، ودليله علي ذلك أن إسرائيل قدمت إلي ياسر عرفات كل ما طلبه (نسي أن يقول علي طبق من الفضة)، لكنه رفض لأن الفلسطينيين لا يريدون السلام بل الحرب. وكلما حاول المذيع تصحيحه كأن يذكره بأن كارتر، ودونا عن كافة الرؤساء الأمريكيين هو الوحيد الذي نجح في تحقيق سلام بين مصر وإسرائيل، أكبر دولة عربية، أو أن غالبية الفلسطينيين لا يريدون حقا إلقاء إسرائيل في البحر، بل يريدون سلاما في دولة لهم، كل هذا لم يجد نفعا، فقد كان الضيف يصر علي تجاهل تصحيحات المذيع بالقفز إلي نقطة أخري خارج السياق. هذه الإجابات تأتي من مثقف ومسرحي يفترض أنه ليبرالي ومهموم بقضايا العالم والإنسانية، ويفترض فيه أن يكون علي الأقل مطلعا علي حقائق الصراع العربي الإسرائيلي وتاريخه الحديث، فما بالنا برجل الشارع؟ لكن السؤال الذي كشف عن همه الحقيقي والذي تبين أنه يستحوذ كلية علي تفكيره حتي بات لا يري العالم برمته إلا من هذا المنظور الضيق المنحرف كان عن رأيه في التعليم بشكل عام، وما إذا كان مهما بشكل خاص لمن يريد أن يصبح كاتبا، أم أنه متمسك بما قاله من قبل من أن التعليم الجامعي مضيعة للوقت؟ فرد الكاتب قائلا أن من يصبح كاتبا لا ينبغي عليه الذهاب للجامعة لأنهم ببساطة لا يعلمون شيئا في تلك الجامعات سوي معاداة السامية وهكذا بجرة قلم وبالأحري في غضون دقائق معدودة ساوي المسرحي والمثقف المستنير بين المدارس التي يتعلم فيها 200 مليون عربي كيف سيلقون اليهود في البحر، والجامعات الأمريكية التي لا يتعلم فيها الطلاب سوي معاداة السامية. فإذا كانت الولايات المتحدة بجلالة قدرها وبكل تاريخها الطافح بدعم ومساندة وتمويل ونصرة إسرائيل حتي آخر قطرة من دماء العرب تضم هذا الكم من المعاداة للسامية، فكيف بالعرب الذين لم يروا من أولاد عمهم الساميين سوي القتل والقصف والقمع والقهر وغيرها من بلاوي ورزايا ومصائب تبدأ بالقاف. تري من هو المصاب بالبارانويا وكراهية الآخرين هنا؟ ناقد من مصر يقيم في امريكا