ماذا جني الأمريكان بعد أربع سنوات من احتلال العراق؟

حجم الخط
0

ماذا جني الأمريكان بعد أربع سنوات من احتلال العراق؟

يحيي اليحياويماذا جني الأمريكان بعد أربع سنوات من احتلال العراق؟عندما قرر الرئيس الأمريكي، من أربع سنوات مضت، غزو العراق واحتلاله، كان يعلم علم اليقين أن بسط اليد علي بلاد الرافدين لن يأخذ من الوقت والقتلي من جنوده كثيرا، بالقياس الي ضخامة ترسانته العسكرية (مقابل ضعف غريمه) ومعلومات استخباراته، وما يحمله اليه بانتظام أقطاب في المعارضة العراقية بالمنفي ، سوغوا له استعجالية القرار، وهونوا في أعينه العملية، وبشروا جنوده بلحظة استقبال ملؤها الورود والزغاريد وأناشيد الترحاب.والواقع أن قرار غزو العراق، ببقاء الرئيس/الشهيد صدام حسين كما بتنحيه عن السلطة، لم يتم اعتماده فقط بمقياس الربح والخسارة في حرب مختلة الموازين بالأصل، ولم يتخذ فقط ارضاء لمعارضة عراقية ضاغطة ، ضاقت بها كل السبل، فارتمت بأحضان الغريب وتحصنت به ضد بلدها، ولكنه اتخذ أساسا وبالتحديد لثلاثة دوافع جوهرية كبري:ــ الأول ذاتي لدرجة الشخصنة، ويتعلق بوعد قطعه الرئيس الابن لوالده، أن يثأر له لمحاولة الاغتيال التي تعرض لها أثناء فترة حكمه، وأشير بالاصبع حينها للرئيس/الشهيد، بتوفر الدلائل والقرائن، أو من باب البهتان والمزايدة الاعلامية الخالصة.وعلي الرغم من أن غريزة الثأر، علي خلفية السن بالسن والبادئ أظلم، غير متموطنة بسلوك المواطن الأمريكي (اللهم الا اذا تعلق الأمر بالمصلحة الذاتية التي يهون أمامها سفك الدم)، فان جورج بوش الابن قد امتطي ناصيتها لاحياء كبرياء آل بوش ، واعادة بعض من الاعتبار للذي حكم باسمها أكبر قوة عسكرية بالعالم.لم يكن الادعاء من لدنه، بأن الرئيس/الشهيد يضطهد شعبه، ويردم معارضيه بالمقابر الجماعية، الا تدليلا بأن لهذا الأخير سوابق حقا وحقيقة ، بالامكان الارتكان اليها لتثبيت تهمة محاولة اغتيال بوش الأب فيه هو، لا فيما سواه.ــ أما الدافع الثاني، فذو بعد جيواستراتيجي أساس، ويتمثل في التطلع لاحكام القبضة نهائيا وبالمطلق، علي منطقة (منطقة الخليج والمحيط المجاور لها)، لا تقتصر أهميتها كونها تحتكم علي أضخم احتياطات العالم من الطاقة، أو لأن الاطباق عليها سيضمن الاطباق علي مدخلات الاقتصاد العالمي ومخرجاته، بل وأيضا لأن للأمريكان بالاقليم حليفا، لا يطيق (ولم يطق يوما) أن يكون جار له بالمنطقة، من القوة والكبرياء والحقد علي دولة اليهود كالتي كان يمثلها العراق، نظام حكم وترسانة عسكرية، ومنظومة علم وتكنولوجيا.لم يكن الادعاء بامتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل، أو نسجه لعلاقات مع تنظيم القاعدة، وما سواها من ادعاءات الا مسوغات الشكل، في حين أن الجوهر كان تدمير العراق تدميرا شاملا، و اعادة بنائه من جديد ، ليغدو أنموذجا في الديموقراطية وواحة في الحرية ، يفسح في المجال لتكريس مشاريع الشرق الأوسط، الكبير منه كما الواسع كما الأوسع.ــ الدافع الثالث ويكمن (برأي ادارة المحافظين الجدد حصرا) في أهمية احتلال دولة كالعراق، في قلب استراتيجيات كبري، لاستدراج فلول التنظيمات الارهابية الفارة من أفغانستان، أو المحتمل قدومها من بلدان الجوار … بغرض تصفيتها استباقيا هناك، قبل أن يتصلب عودها وتنسق فيما بينها، لتنقل المعركة بالداخل الأمريكي المباشر، كما وقع بالحادي عشر من ايلول (سبتمبر) من العام 2001، أو تستهدف مصالح الأمريكان بهذه المنطقة من العالم أو تلك، كما لوحظ قبل هذا التاريخ بالقرن الافريقي أو باليمن أو بغيرها.لم يكن من المهم هنا لجورج بوش ولا لأركان ادارته، تحديد ماهية الارهاب ولا معني الارهابي، بقدر أهمية امتطاء ايديولوجيا جديدة في الترهيب، يغدو بمقتضاها العالم كله ارهابيا، اذا لم يكن مع الأمريكان بالقلب والقالب.واذا جاز للمرء أن يسلم، وان علي مضض، بأن الرئيس الأمريكي قد ثأر لأبيه حقا، فأهداه رقبة الرئيس/الشهيد في احتفالات أعياد الميلاد (وفي أول عيد الأضحي لأكثر من مليار ونصف مليار من البشر، ضمنهم ملايين الأمريكان)، وأعاد للأذهان سلوك حكام الولايات الأوائل عندما كانوا يترصدون لصوص الأبقار، ويعدمونهم شنقا أمام الملأ احقاقا للعدل، فانه (الرئيس الأمريكي أقصد) لم يؤكد بهذا الجانب، الا عن قصر في النظر عميق، وجهل بأولويات السياسة، وانصياع لنزوي حقد وتشف دفينين لدي من تم تنصيبهم بالعراق حكاما ، وهم غير قادرين علي تحريك دورية دون اذن من الأمريكان.لم يجن جورج بوش (وهو الآمر باعدام الرئيس/الشهيد، ومحدد الموعد دون منازع) لم يجن للأمريكان الا حنق وحقد وغضب البلايين من البشر، أهينوا أيما تكن الاهانة في يوم عيد عظيم، تحرم فيه علي المسلم الهينات من الأفعال، فما بالك بالكبائر.قد يكون اغتيال الرئيس/الشهيد يوم عيد الأضحي (بالصورة التي تمت موسطته بها وعبرها) تفصيلا عرضيا لدي محتل لا يحترم أخلاقيات الحرب، ولا صفة أسير الحرب التي أضفيت علي المعتقل/الشهيد، لكن ما السر، اذا لم يكن الثأر البدائي الخالص، في ذبح أخيه وفصل رأسه عن جسده، والادعاء بأن ذلك تم أثناء عملية الشنق؟ وما السر في اعدام الشهيد طه ياسين رمضان صبيحة الذكري الرابعة لغزو العراق، اذا لم يكن القصد تمريغ كرامة العراقيين بالتراب، واغتصاب خاصية النخوة والمرجلة التي تطبعهم علي مدي التاريخ؟لا يمكن للمرء أن يستسيغ ما جري (وما سيجري) لأركان نظام الرئيس/الشهيد، الا في كونه ثأرا بدائيا وانتقاما صارخا، يخال للجلاد معه أنه مقدم علي بطولة حقيقية، عندما يعمد لاغتيال أسري حرب منزوعين من السلاح، أو يثوون خلف القضبان، أو مقيدي الأيدي.ما الذي جناه جورج بوش اذن، بعد أربع سنوات من احتلال جيشه لأرض الرافدين؟ــ انه جني علي الشعب الأمريكي أولا، عندما كذب عليه، وأوهمه بالخطر القادم عندما شيطن له صدام حسين ، فورطه في حرب خاطئة بكل المقاييس، كلفته ماليا مليارات الدولارات المتأتية علي حساب برامج التعليم والتربية والصحة والضمان الاجتماعي ومواجهة الكوارث، وكلفته بشريا ما يناهز 3500 قتيل، وعشرات الآلاف من الجرحي والمعطوبين، والمرضي النفسيين وما سواهم.ــ وجني عليه ثانية، بادعاءاته المستمرة والمتتالية بأنه لن يقبل بأقل من النصر ، فيما جهابذة الاستراتيجيات العسكرية وقادته بالميدان أيضا، يؤكدون له استحالة ذلك بقوة النار والحديد، وينصحونه بضرورة فتح سبل الحوار مع المتمردين ، والاعتراف بهم، اذا لم يكن كمقاومة شرعية تمثل حق أرض محتلة وشعب مهان، فعلي الأقل كمناهضين للاحتلال، مطالبين برحيله، والغاء ما اعتمده أو ينوي اعتماده.ــ وجني علي نفسه بالمحصلة، كونه لم يستطع لا ادراك النصر ولا تدارك الهزيمة. فهو لم ينجح في استئصال الارهاب بل فتح له ساحات جديدة، ولم ينجح في اقامة أنموذج الديموقراطية والحرية الذي وعد به (لابتزاز نظم المنطقة علي الأقل)، ولم ينجح في الحفاظ علي الحد الأدني من تعاطف مواطنين له، كانت غالبيتهم خلفه غداة الاعلان عن الحرب، ولم يستطع المحافظة علي أغلبية حزبه من النواب بالكونغرس…بل بلغ به الفشل بنهاية المطاف، لدرجة اشهاره النية باستعمال الفيتو الرئاسي، للتجاوز علي قرار للكونغرس يدفع بجهة جدولة الانسحاب، والبدء فيه احتسابا من ايلول (سبتمبر) من العام 2008.وعلي هذا الأساس، فان استعجاله الحكومة العراقية لاعتماد قانون في النفط والغاز ، صاغه علي مقاس مصالح مؤيديه (شركات النفط الأمريكية تحديدا)، انما يبدو الشعرة الأخيرة التي قد تضمن له بعضا من ماء الوجه، قبل اعلان برنامج الانسحاب، أقصد الهزيمة.بالمقابل، فالرئيس الأمريكي لم يجن فقط علي نفسه وعلي مواطنيه، بل جني أيضا وبقدر أكثر وأعمق وأشد وأخطر، علي العراق وعلي العراقيين:ــ هو جني، عن قصد وبسبق الاصرار، علي العراقيين عندما عمد الي تدمير مقومات دولتهم، فحل جيشهم الوطني (وعوضه بميليشيات قتل وهتك أعراض)، واستباح مؤسساتهم، وصادر وثائقهم ومخطوطاتهم النادرة، وحول مقار السيادة لديهم الي قواعد عسكرية، وثكنات للجيش، ودفع برموز سيادتهم للمشنقة تماما كما يدفع اليها اللصوص وقطاع الطرق.ــ وهو جني علي العراق، عندما استباح حضارتهم ومآثرهم، فعمد الي افساح المجال للتجار والمهربين، لينهبوا المتاحف، ويهربوا المكنوزات ويحرقوا ما ثقل منها جملة وتفصيلا. وجني عليهم عندما فتح في المجال واسعا للحكام الجدد لسرقة النفط، وتحويل الأموال العامة لحساباتهم، وحلل لهم قبل كل ذلك، تكوين عصابات في القتل والاغتصاب والخطف وانتهاك الحرمات.ــ وهو جني علي العراق عندما عمد، ومنذ اليوم الأول، الي اعتماد المحاصصة الطائفية كأساس لاقتسام الحكم والسلطة ، فأجج النعرات المذهبية بين أبناء الدين الواحد، وسن دستورا تقسيميا تحت مسوغة فديرالية الأقاليم ، فأطبق علي خاصية التعايش الطائفي التي لازمت تاريخ بلاد الرافدين لآلاف السنين.ان الذي جري بالعراق، مند العشرين من آذار (مارس) من العام 2003 والي حد الساعة، انما هو تجن صارخ علي الشعب الأمريكي، كما علي العراق والعراقيين حتي باختلاف المستويات وطبيعة الضرر. وهو تجن علي المنطق وعلي الحس السليم. وهو، فضلا عن كل هذا وذاك، تجن علي التاريخ وعلي الجغرافيا…لمجرد هوس انتاب رئيسا، أو مصالح أعمت بصره وبصيرته.هو لم يجن شيئا، هو جني علي العراق وعلي مواطنيه وعلي نفسه.ولما كان الأمر كذلك، فلن ينفعه كثيرا التمرير المتعجل لقانون النفط والغاز، ولا السرعة في اقامة القواعد العسكرية الدائمة…لأن المقاومة العراقية لن تعدم سبل دوس هذا القانون ولا وسائل تدمير تلك القواعد…لهذا السبب، فهي لا تريد استعجال اعلان النصر. هي تنتظر لحين اعلان بوش عن هزيمته.ہباحث وأكاديمي من المغرب[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية