الأزمة الجزائرية والتشريعيات: الي متي يبقي أفق الحل علي هذا الانسداد؟
يزيد بوعنانالأزمة الجزائرية والتشريعيات: الي متي يبقي أفق الحل علي هذا الانسداد؟ حتي وان كان المتفائلون والمدافعون بقوة عن اجراء الانتخابات التشريعية في موعدها يرون بأن ذلك هو الطريق الأنسب لتتجاوز البلاد محنتها وتجد النهج السليم للقضاء علي الأزمة من جذورها، فان الرأي العام الوطني ما زال يترقب بحذر وفي جو من اليأس والقنوط والتشاؤم حيث اصبح الأهم بالنسبة اليه هو هذه اليوميات المثقلة بالمشاكل والمآسي علي كل الجبهات، لأن الانتخابات لم تأته بالجديد اذ ظل علي مدار اكثر من عشر سنوات يتجرع الويلات ولم يتمكن الذين تولوا أمر الشعب سواء بالتعيين أو بالانتخابات من ايجاد الحلول المناسبة للأزمة الحادة التي تمر بها البلاد، بل الأدهي من كل ذلك ان هؤلاء المسؤولين لم يكن همهم سوي تحقيق المصالح الحزبية الضيقة والاستفادة الواسعة من الريع السلطوي الذي أغدق عليهم من قبل رموز النظام المتحكمين في زمام الحكم الفعلي، حتي أصبحت الأزمة الجزائرية بفعل هذا التعنت السلطوي وبفعل النرجسية المبالغ فيها من قبل الأحزاب تبدو وكأنها لوحة قاتمة شديدة السواد وأصبح الحديث معها عن أي استحقاق انتخابي يثير السخرية واللامبالاة في نفوس العديد من المواطنين علي اختلاف مستوياتهم وتوجهاتهم، وهو ما يشكل هاجسا يوميا للكثير من المتتبعين والمحللين من داخل أجهزة السرايا الأعلي للحكم ومن خارجها، اذ تتوقع هذه الدوائر أن تكون النسبة عالية في صفوف الممتنعين والمقاطعين للانتخابات قد تصل او تقترب من 80% حسب بعض التوقعات وذلك اعتمادا علي نسبة المشاركة الضئيلة جدا والتي شهدتها الاستحقاقات السابقة.فالقراءة المتأنية للأرقام التي أعدتها وتعدها مؤسسات وجهات رسمية وشبه رسمية والخاصة بالنمو الاقتصادي واتساع رقعة الفقر والفاقة بين المواطنين، وتدهور الحياة الاجتماعية وحتي الأخلاقية تبين بأن هذه الأرقام مخيفة ومزعجة، فرقم 17 مليون فقير، وأكثر من 3 ملايين بطال، الملايين من العوانس والعزاب، والآلاف من الشباب المدمن علي المخدرات (30% من الشباب مدمن في ولاية واحدة فقط)، وغيرها من الأرقام التي لم تترك للمواطن المغلوب علي أمره أية فرصة للتفكير في أي موعد انتخابي، اذ أن ما يهمه من الانتخابات هو أن تتحسن وضعيته المعيشية وأن يصبح قادرا علي العيش وتحقيق أسباب الحياة الكريمة لأن المواطنين خرجوا سابقا وذهبوا بالآلاف الي صناديق الاقتراع مصدقين ما كان يقوله رؤساء الأحزاب والمترشحون من أنهم سيبذلون قصاري جهودهم للدفاع عن الشعب والتقليل من الامه ومآسيه ولكن وبمجرد حصولهم علي تأشيرة الدخول الي البرلمان او الي المجالس المنتخبة الأخري حتي رموا كل هذه الوعود وراء ظهورهم، وراحوا يفاوضون السلطة ورموزها علي المكاسب والمناصب الريعية التي تحقق لهم الغني وتضمن لهم ولأحزابهم ولعائلاتهم الثراء والعيش الرفيه مدي الحياة، اذ أن التاريخ قد سجل ولن ينسي بأن الأحزاب التي كانت ممثلة في البرلمان الحالي الذي ستنتهي عهدته بعد أيام فقط لم تقدم أي شيء يمكن أن يحفظ لها ماء وجهها أمام المواطنين، ولم تكن سوي آلة للتسجيل والمصادقة علي القوانين التي جاءت بها الحكومة، فالقانون الوحيد الذي أثار جدلا كبيرا خلال عهدتين متتاليتين هو قانون النائب لأنه يتعلق بمصالح النواب الشخصية، أما القوانين الأخري فقد مررت دون أي مقاومة اللهم الا من بعض الأحزاب التي تتمتع باستقلالية معتبرة عن دوائر القرار مثل الأفافاس في العهدة الممتدة بين 1997 و2002، وحركة الاصلاح الوطني قبل أن تدخل في صراعات داخلية واغراء جناح منها بمناصب داخل مؤسسات الدولة لا سيما الحكومة التي ستنبثق عن التشريعيات المقبلة، وهو ما جعل اطارات ومناضلي هذا الحزب تنقسم علي نفسها وتتسارع للترشح سواء في قوائم الاصلاح التابعة لجناح بولحية أو ضمن قوائم أحزاب مجهرية وذلك حفاظا لماء الوجه وحفاظا علي المصالح والمناصب الريعية داخل البرلمان القادم.وحتي ان سلمنا جدلا بأن الانتخابات هي الحل وأن مؤسسات منقوصة الشرعية أحسن من مؤسسات عديمة الشرعية، فان النية التي أصبحت راسخة لدي السلطة ورموزها هو أن جميع المؤسسات لا ينبغي أن تخرج عن طاعتها حتي وان اقتضي ذلك اللجوء الي الأساليب المكشوفة والمفضوحة والمنحطة والأكثر انحطاطا مثل التزوير، والتعفين، وعدم النزاهة، ومما يؤكد هذا الاعتقاد هو ما صرح به العديد من السياسيين والمتتبعين من أن الأحزاب المشاركة في الانتخابات سوف تقبل بالكوطات التي سوف توزع عليها ولو بطرق ذكية وبالتالي فان نسبة المشاركة الضعيفة المتوقعة ستمكن هذه الأحزاب من الحصول علي المقاعد المعتبرة عن طريق الحصص لكي لا تقاطع الانتخابات، اذ من المحتمل جدا أن يكون كل حزب ـ لا سيما الأحزاب السلطوية ـ علي علم مسبق بما ستحصل عليه من مقاعد سواء داخل البرلمان أو الحكومة وهو ما يجعل التزوير هذه المرة يقع تحت تصفيقات المشاركين الذين لن يقوموا بأي احتجاج محرج للسلطة، اللهم الا تلك البيانات والاحتجاجات الظرفية التي سوف لن تكون سوي ذر للرماد في عيون المناضلين والناخبين والمتعاطفين ثم يعود الجميع لممارسة مهامهم القذرة وفق الخطط المرسومة والمتفق عليها سلفا.وعندما تلجأ السلطة ـ أو جناح منها علي الأرجح ـ الي مثل هذه الأساليب والطرق المكتسبة عن عهود الأحادية الفكرية والحزبية، وتقبل الطبقة السياسية بما في ذلك الطبقة التي تدعي بأنها تمارس السياسة وفق مبادئ ومنطلقات لا تقبل النفاق أو المساومة فماذا بقي لنا أن ننتظر من رموز السلطة ورموز الطبقة السياسية؟ وهل بامكان هؤلاء الذين أثبتوا فشلهم وافلاسهم أن يقدموا خدمة لشعبهم أو لبلدهم؟ان الحل الملائم في ظل هذه الظروف غير الملائمة وفي ظل اللامبالاة التامة التي يبديها المواطن تجاه كل ما يصدر عن الأحزاب أو السلطة يكمن في ضرورة البحث الجاد عن الطرق والوسائل والميكانيزمات التي تسمح باقامة طبقة سياسية جديدة وبأجيال وافكار جديدة تتجاوز الطبقة السياسية الحالية التي أثبتت فشلها علي طول الخط، وأصبحت مجرد أداة في أيدي أطراف وجهات توجهها وتستعملها كيفما شاءت وفي الاتجاه الذي تشاء، هذه الطبقة الجديدة التي ينبغي أن تكون مشبعة بروح العصر المنفتحة علي الآخر والبعيدة كلية عن الأحقاد والحواجز الايديولوجية والاغراءات السلطوية التي ميزت طبقتنا السياسية الحالية، ويبقي الكلام عن الانتخابات في ظل هذه الأوضاع المعقدة والأزمات المتشابكة علي جميع الأصعدة الاجتماعية والاقتصادية والأمنية فاقدا لمعناه تماما، لأن الوضع الجزائري أصبح ينذر بكل الأخطار والكوارث، اذ علاوة عن اللامبالاة التي أشرنا اليها والتي أصبحت تطبع يوميات أغلب الجزائريين فان القطاعات الحساسة في البلاد ما زالت تعيش علي وقع القرارات والتهميش الكلي لاطاراتها وموظفيها وذلك رغم الهزات والصيحات التي رفعها ممثلو العمال والموظفين في هذه القطاعات الذين انتظموا في هيئات ونقابات مستقلة ومطلبية رفضت الحكومة اعتمادها والتفاوض معها حول المطالب المشروعة التي رفعتها، ويكون هذا التعنت الحكومي في التعامل مع الجمعيات والنقابات المستقلة قد أسس لعهد جديد من الأحادية السياسية والانغلاق علي الذات وهو ضد كل المبادئ الديمقراطية التي نتشدق بها، فهل يعقل أن نتبني الليبرالية المتوحشة في جانبها الاقتصادي والاجتماعي ونكفر بهذه الليبرالية في جانبها السياسي والجمعوي مثلا، انه التناقض الصارخ الذي يطبع مسار الأحداث في هذه البلاد. هذا المشهد ما هو الا جزء صغير جدا من المشهد العام للبلاد والذي ان لم نسارع لانقاذه فان الشرارة في بعض القطاعات ستمتد لتشمل كل قطاعات الحياة، لأن الضغوطات كبيرة والمناورات ومحاولات الخلط والتعفين أكبر حجما، وما يؤسف له حقا هو أن يتحول المسؤول عندنا الي (رامبو) جديد يتحدي الجميع رغم الفشل واللاشعبية التي يمتاز بها ورغم رفض الجميع له بدءا من مقربيه الي أبسط مواطن، وينطبق ذلك تماما علي مختلف الوزراء والنواب الذين هبوا جميعا للترشح علي رأس القوائم الحزبية والحرة رغبة منهم في البقاء في مناصبهم مدي الحياة وعدم التفريط في النعيم الذي توفره هذه المناصب دون أي اعتبار لانشغالات المواطن والمصلحة العليا للمواطن، هكذا اذن تبدو الصورة الجزائرية سابحة وسط ظلام دامس وأزمات متشابكة ومعقدة حتي وان كان البعض يحاول تلميعها ببعض مساحيق الزينة المستهلكة، فمتي تتجلي هذه الصورة لتتضح للجميع وهي علي جمالها وأبهتها؟ الأكيد أن أفق التغيير في الجزائر لن يبقي علي هذا الانسداد، ولكن الي متي!ہ كاتب من الجزائرE-mail:[email protected]@hotmail.com8