هل يُحضر النظام لبيع سورية لشركات العولمة؟
هل يُحضر النظام لبيع سورية لشركات العولمة؟ ما يجري هذه الأيام من هجمة همجية علي أسواق دمشق العتيقة ما هو الا خطوة حتمية في تطور علاقات النظام مع الـطبقة المتوسطة أو ما تسمي خطأ بـ البرجوازية الدمشقية ، فقد عرف النظام منذ مطلع السبعينات من القرن العشرين ما يشبه بالتعايش القائم مع الطبقة الوسطي المدنية في كل مدن سورية الكبري. وقد رأت هذه الطبقة دورها يتهمش وقواها الاقتصادية تتآكل مع كل خطوة من خطوات النظام. واليوم تأتي القرارات الأخيرة لتضع المسمار الأخير لدور هذه الطبقة ونشاطاتها. فحقيقة ما يجري في دمشق هذه الأيام تتجاوز نتائجها الخطيرة كل الجرائم التي ارتكبت بحق الشعب السوري خلال السنوات الخمسين الماضيات. اذ ان البعض ينظر لعملية التدمير المستمرة لمعالم المدينة التاريخية علي أنها جريمة بحق التراث الحضاري والتاريخي للأمة وهم محقون في نظرتهم هذه. وهذه الآثار والمعالم هي أهم ما بقي من ذاكرة دمشق التاريخية، واختفاؤها يعتبر جريمة بحق الأمة وتاريخها وتراثها. وسأدع المهتمين بالتراث يتابعون هذا الجانب في مقالات أخري، ولكنني أريد أن أقدم لنتائج أخري علي التركيبة الاجتماعية للمجتمع المديني. من يزور دمشق يري التداخل القائم بين سور دمشق والأسواق المحيطة بها. فالمشهد ينبه لظاهرة فريدة تري فيها أسواق دمشق تحمل علي أكتافها سور المدينة العتيد وعندما مالت بعض أجزاء السور كان لا بد له ان يستند علي ظهر هذه الأسواق، وعندما ضاقت الأسواق بمشاغلها (المشغل أو الورشة غالبا ما تكون في الطوابق العُليا من السوق) تسلقت هذه مشاغل أطراف السور لتخلق صورة رمزية متكاملة لمجتمع حيوي؛ حيث تتعهد الصناعة والتجارة السور بالصيانة ويقدم السور بدوره الحماية والرعاية لقاعدة البلاد الاقتصادية التي يناهز عمرها أربعة آلاف سنة. وان كان السور رمز الدولة ومنعتها فان الدولة اليوم تقوم بضرب هذ المنعة وآخر معقل من معاقل صمودها في وجه العولمة القادمة. فما هو اليوم تحت الضرب ليس أبنية أثرية ومعالم فحسب، فهي وجه من وجوه الهجمة الشرسة تتعرضها اليوم الطبقة الوسطي التقليدية في البلاد المتمثلة بهذه الأسواق، فالأسواق ليست مجرد حيطان وشوارع، انها تمثل شبكة علاقات اقتصادية واجتماعية كانت وما زالت خط دفاع عن كيان الأمة، هذه العلاقات لا يمكنها أن تستمر في دعم ترابط أطراف البلد وتقديم الفضاء اللازم لاستمرارية فعالياته الاقتصادية وتواصلها ما لم يتم احترام تاريخها وتطور علاقتها بالفضاء والعمران التلقائية التي تختصر قرونا طويلة من علاقات التاريخ الغنية. ومن الطبيعي أن يهتم البعض بعدالة القرار وأثره المالي المجحف علي تجار وحرفيي هذه الأسواق، ولكن الآثار الحقيقية تتمثل بالتهميش الحتمي لدور هذه الطبقة الهامة عندما يتم ابعادها عن مركز المدينة. فآليات المنافسة الحرة التي تتناسب مع طبيعة العلاقات الاجتماعية للمدينة ستصاب بعطب كبير نتيجة هذا التحول، فالسوق ليس مجرد بناء ومرافق، اذ يلعب بتحديد موقعه عوامل كثيرة وأهمها: موقع الزبون وقدرته علي التنقل، وموقع سكن اليد العاملة وقدرتها علي الوصول الي مراكز عملها، والصناعات والحرف المساندة ومواقعها والمسافة بين المنتجين ودرجة تركزهم وكثافتهم الجغرافية، فكلما زادت تكاليف النقل وصعبت مرافق المواصلات والتنقل كلما اضمحل عطاء هذه الأسواق وتركزت القوي الاحتكارية فيه. وكلما بعدت الشقة بين الفاعلين فيه كلما ضعف التضامن والتكافل بين أفراده. انه من الطبيعي أن تكبر الأسواق كما تكبر المدينة، والسوق في تاريخنا الطويل طالما توسعت وباتجاهات كثيرة، ولكننا لا يمكننا أن نجد مثالا واحدا عن توسع لسوق علي حساب المجتمع، فخلافا للمعهود في الغرب حيث يكون السوق هو المهيمن علي الفعاليات الاجتماعية، اعتدنا أن نري الفعاليات الاجتماعية هي التي تسيطر علي السوق وتوسعه في مجتمعاتنا الشرقية، وما يحدث اليوم لا يعبر عن تطور وتوسع طبيعي للسوق، ولكنه نقلة قسرية وقيصرية ستعرض هذه الطبقة الاجتماعية بكل أطرافها للتهميش والموت.لماذا هذه الهجمة اليوم؟لقد نمت حول النظام طبقة من رجال الأعمال والسماسرة، اقتاتت علي أعمال الدولة، وحققت أرباحها وراكمت ثرواتها من خلال قدرتها الاحتكارية في بعض المصالح والنشاطات لا من خلال قدرتها الانتاجية. هذه الطبقة تطرح نفسها ـ بل يطرحها النظام ـ كبديل عن الطبقة الوسطي التقليدية؛ ولا سيما بعدما قادت الأوضاع الاقتصادية التي انشأها النظام بالطبقة الوسطي الي مرحلة من الفقر لم يعد يتمكن النظام وأعوانه من مص المزيد من دمائها بما يشبع نهمه. لنتخيل ما الذي يمكن أن يحدث لسوق مثل سوق الحميدية لو أن وولمارت يفتح فرعا له في مكان ما من دمشق، ومن يعرف وولمارت يعرف أنه ـ بطبيعة البضائع التي يعرضها ـ صورة أمريكية عن سوق الحميدية وسوق الجوخ وسوق العصرونية مجتمعين. فله فروع لما يزيد عن مئة وثلاثين قطرا في العالم، ويعتبر دخله السنوي أعلي من دخل أفقر أربعين دولة في العالم مجتمعة مما يمكنه من تقديم أكثر البضائع تنوعا وبأرخص الأسعار العالمية. فنحن بكل تأكيد نستطيع أن نتخيل تجار هذا السوق يتعرضون للافلاس الواحد بعد الآخر. ولكننا بنفس الوقت نستطيع أن نتخيل الثورة الكبري التي ستزلزل دمشق لو حصل افتتاح وولمارت مثلا. ولكن الذي يحصل اليوم من خلق انقطاع بين أسواق الشام وقواعدها الاجتماعية وعن طريق شرذمتها ونقل ثقلها خارج مركز المدينة يحقق الغرض البعيد الذي يهييء الوضع لتجنب مثل هذه الثورة. فخلال السنوات القليلة القادمات ستنجح عملية النقل هذه في اكمال تهميش طبقة التجار ودورهم، كما تتكفل الفُرقة الجغرافية من اضعاف روح التعاون بينهم، ويتحولون من طبقة تجارية حرفية الي مجرد بياعين بقالين لا علاقة لهم بالمدينة ولا سوقها الاجتماعية. عندها سيصبح خلق وولمارت مجرد تحصيل حاصل وعملية لا مقاومة لها يتقبلها جمهور الناس بالخنوع كما تقبلوا غيرها من مشاريع النظام. وهنا يأتي السؤال الطبيعي: ما مصلحة النظام في هذا العمل؟ اننا رأينا خلال السنوات الخمسين الماضيان أن أكثر ما تمرس النظام به هو فنه في البقاء والسيطرة، ولا يخفي علي الجميع أن الانخراط بالعولمة الأمريكية هو أساس القبول لأي بلد من بلدان العالم الثالث، فالعولمة تقوم بخلق طبقة محلية ترتبط مصالحها بالعولمة الأمريكية فتمنحها الشرعية الدولية والقبول مقابل تحقيق الاستقرار الداخلي المجير لحساب العولمة الأمريكية. والنظام اذ يكرر للغرب بقوله علي لسان رئيسه الاسد جربونا جربونا وان قصد فيها الوفاق السياسي بينه وبين القوي الأمريكية فانه يريد أن يؤكد أنه وحاشيته ومن حام حولهم هم الطبقة المحلية التي ستضمن للعولمة رعاية مصالحها في القطر، فالنظام يحلم بأن هذه العزلة الدولية التي يعيشها هذه الأيام ستزول قريبا، وستعود القنوات مفتوحة من جديد للتواصل مع أسواق العولمة، وكما حققت حاشيته وحاشية أبيه أموالها علي حساب مشاريع التنقيب عن البترول واستخراجه، وكما اشتري صمت ضباط أمنه بتمكين أبنائهم من احتكارات الاستيراد وتمثيل الشركات الغربية في البلد، فانه يهييء الأرضية اللازمة لاحتكارات العولمة الأمريكية الجديدة بالقضاء علي القوي الاجتماعية والاقتصادية التي ستعترض عليها. اننا سنري قريبا أبناء الطبقة الثرية الجديدة والمقربين من النظام يسارعون لافتتاح المشاريع السياحية علي أنقاض هذه الأسواق التاريخية، ولكن الدسم الكبير سيختص به أفراد النظام نفسه عندما يبدأ التعاقد مع شركات العولمة الغربية. فمن غير رامي مخلوف وأمثاله بقادر علي أن يكرر قصص احتكار مثل هذه العلاقات مع السوق الغربية وشركاته؟ فقد تدرج بامثال هذه النشاطات أهله باحتكاراتهم النفطية وقد أثبت نجاحا كبيرا في احتكاراته لقطاعي الاتصالات اللاسلكية والمعلوماتية، وها هو اليوم يقوم بعملية تدوير أمواله عن طريق بيع حصصه لرجال أعمال خليجيين وغيرهم. ان حزني علي أسواق دمشق كبير ولكن حزني وخوفي علي ما تبقي من طبقتنا الوسطي من حرفيين وتجار الذين كانوا لحمة المجتمع حتي اليوم. وان احتجت هذه الطبقة بصمت وهي تشاهد النظام يصادر كفاح الطبقة العاملة وطبقة الفلاحين ويدعي زورا الكلام باسمهم، فانهم اليوم يُقطعون أربا ويستفرد بكل جزء منهم. فبعد تغييب هذه الأسواق من مركز المدينة لن يبقي لتجار الحميدية الباقين أي وزن يذكر بعد أن فقدوا أجنحتهم التي يطيرون بها. وأن نقول لهم أكلت يوم أكل الثور الأسود أصبحت سالفة لا نحتاج لذكرها. ہ اقتصادي وأكاديمي سوري يقيم في شيكاغو[email protected]