يا عرب.. انجدوا أهلكم في العراق ضمانا لكم
هارون محمديا عرب.. انجدوا أهلكم في العراق ضمانا لكم مرت يوم امس الذكري الرابعة لنكبة العرب الثانية في العراق بعد نكبة فلسطين، نكبة حولت بلدا حرا وسيدا ومستقلا وناهضا وعزيزا، الي محتل ومغتصب ومدمر، تشتعل الحرائق فيه منذ اربع سنوات جاءت علي كل شيء فيه، الانسان والحياة، الحضارة والتأريخ، الثقافة والابداع، البناء والتنمية، ولم يكتف الغزاة بما خربوه منذ التاسع من نيسان (ابريل) 2003، بسياساتهم ودباباتهم وطائراتهم ومارينزهم وسفرائهم، وانما أوكلوا تنفيذ جزء من مهماتهم العدوانية التدميرية الي جواسيس وعملاء وأدلاء حسبوا أنفسهم علي العراق بالتزوير وهم أصلا أعداء العراق وأشد الكائنات كراهية وأحقادا علي شعبه العربي العريق. وقد برهنت السنوات الاربع العجاف من الاحتلال، ان لحوم العراقيين الاصلاء مرة، ليس من اليسير أكلها والاستمتاع بتناول وجباتها، وتأكد بالملموس ان الغزاة مع قسوتهم وشراستهم احتلوا بعض اجزاء الجغرافيا العراقية، ولم يقدروا رغم مجازر الدم التي ارتكبوها، والاغراءات التي لوحوا بها، هم وذيولهم، ان يحتلوا نفوس العراقيين الذين ظلوا أباة صامدين، زادتهم محنة الاحتلال جلدا ومثابرة ومقاومة، ولعل البلاغات الامريكية اليومية عن اعداد قتلي قواتهم العسكرية، تعطي مؤشرات لا تقبل التشكيك بان العراق حي كوطن وشعب وثبات، لن يهدأ او يستكين الا بزوال الاحتلال، وان البناء الذي أرسي ركائزه وساهم في نهضته رجال أفذاذ أمثال: فيصل وغازي وياسين الهاشمي وعبد المحسن السعدون وطالب النقيب وناجي السويدي وجعفر العسكري وتحسين علي ورشيد عالي الكيلاني وفاضل الجمالي ومولود مخلص وجميل المدفعي ويونس السبعاوي وناجي شوكت وصلاح الدين الصباغ ورفيق عارف، مرورا بعبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف ومحمد مهدي كبة وناجي طالب وطاهر يحيي وعبد الرحمن البزاز وكامل الجادرجي وفؤاد الركابي وباسل الكبيسي وعبد العزيز العقيلي، وانتهاء بعدنان خيرالله وعبد الجبار شنشل وعبد التواب الملا حويش وعامر السعدي وجعفر ضياء جعفر ومئات مئات علي شاكلتهم لا يسع المجال لذكرهم ـ اتفقنا معهم سياسيا أم اختلفنا ـ وآلاف العلماء والخبراء والاكاديميين والضباط والمثقفين والفنانين والرياضيين، وملايين العمال والحرفيين والفلاحين وابناء الشعب كل من موقعه وحسب قدراته، لن ينتهي ما دام الانسان العراقي يتقد وطنيا وقوميا وابداعيا، رغم جور سلطات الحكم او تغيرها، ومرارة الاحتلال وفساد أذنابه، ولاحظوا خدم المحتلين والمتعاونين معهم، هل رأيتم سياسيا محترما، او عالما معترفا به، او عسكريا بارزا، او مثقفا لامعا، او فنانا او رياضيا معروفا، او رجل دين موقرا، أو شيخ عشيرة له وزن وحضور، او وجها اجتماعيا له مكانة ومنزلة من بينهم؟ مع ان كثيرا من هذه الشخصيات كان يناهض النظام السابق ويعارض حكوماته، ولكنها الشخصية العراقية التي تأنف الذل والخضوع للمحتل وترفض الاستعمار بكل اشكاله، وتلفظ الخونة والاجراء والمستخدمين من أعداء العراق. ويتوهم الرئيس بوش عندما يقول ان قواته حررت العراق، فلو تأمل المشهد في العراق منذ احتلاله، وأبعد العناد عن رأسه والمكابرة عن نفسه، وعاد انسانا سويا، لضرب وجهه بكلتا يديه ندما وأسفا، ولكنه خرج عن آدميته وتحول الي وحش مفترس وما زال، عندما غزا بلدا آمنا يبعد عن بلاده آلاف الاميال، وقتل مليون ومائتي ألف انسان عراقي وشرد خمسة ملايين آخرين، حسب احصاءات هيئات دولية من ضمنها امريكية، ودمر الاف المصانع والمؤسسات والمدارس والمستشفيات والمساجد والأحياء والمدن، وسلط علي العراقيين عصاة ومتمردين وملالي متخلفين لا يحسنون غير الايذاء والسرقة والنهب وارتكاب الجرائم والانتهاكات.وعندما يقول بوش في آخر خطاب له الخميس الماضي ان الشعب الامريكي قد سئم الحرب في العراق، فهذا يعني ان الامريكيين سئموا رئيسهم الذي قاد ابناءهم الي المحرقة العراقية، واحدث شرخا في مجتمعهم وانقساما في بيوتهم، ومثل هكذا رئيس يجب ان يواجه العزل، خصوصا اذا قارنا خطأ الرئيس الاسبق نيكسون في فضيحة (ووتر غيت) واستقالته، بجرائم بوش وسياساته الكارثية علي امريكا نفسها، لتوصلنا بلا عناء تفكير،الي ان الاخير يجب ان يقال او يستقيل ويحاكم ايضا، عن ما أحدثته حربه علي العراق من ويلات ومصائب وخراب وقتل جماعي، وما جرته علي امريكا من خسائر بشرية ومالية وسياسية.وعندما يحذر عراب السياسات الامريكية العدوانية خلال العقود الثلاثة الاخيرة هنري كيسنجر من صعوبة احراز نصر امريكي في العراق، فانه لا يقول هذا الكلام حبا بالعراقيين، لكنه يقرأ الاحداث وعينه علي مصالح بلاده التي يتهددها الضياع مستقبلا اذا استمر احتلال العراق، وعندما يطالب وزير الخارجية الاسبق جيمس بيكر وهو أحد اقطاب حزب الرئيس الجمهوري بضرورة صوغ سياسة أمريكية موحدة للتعاطي مع الازمة العراقية ويدعو بوش الي الاستماع لما يقوله الامريكيون بشأن العراق، فانه هو الاخر يتحدث من منطلقات امريكية لا علاقة لها بالعراق وشعبه، وهو الذي له دور لا ينسي في ضرب العراق عام 1991 ولكنه يري اليوم ان الامة الامريكية ـ كما يصفها ـ في مفترق طرق بسبب التورط في العراق، والامر نفسه ينطبق علي مواقف الكثير من السياسيين والعسكريين ومراكز الدراسات والكتاب ووسائل الاعلام وقيادات الرأي العام والجمهور الامريكي.ان الحرب الامريكية علي العراق كما أوضحت تجربة السنوات الاربع الماضية، لم تكن تستهدف اسقاط نظام سياسي او سلطته كما زعم بوش واركان ادارته، وانما هي حرب علي العراق، البلد والشعب والسيادة والتأريخ والحاضر والمستقبل، وحرب علي العرب يرمي الرئيس الامريكي من ورائها الي اذلالهم ووأد تطلعاتهم وتغييب تضامنهم وسلب ارادتهم، وجرهم الي التقاتل فيما بينهم، وما حدث في العراق من احتلال، هو رسالة واضحة الاغراض الي العرب تحديدا، حتي ان اعدام الرئيس العراقي السابق صدام حسين في محاكمة صورية وبطريقة همجية موجه اساسا للحكام العرب الذين رغم ما يقدمونه من خدمات الي امريكا علي حساب مصالح شعوبهم وبلدانهم، فانهم يظلون اهدافا تنتظر التنفيذ عندما يحين الوقت المناسب امريكيا، وتأسيسا علي ذلك فان الدول العربية حكاما ومسؤولين وشعوبا، مدعوة الي وقفة جادة لاخذ زمام الامور قوميا والعمل علي تقديم العون والدعم الي القوي العراقية الحية وفي مقدمتها المقاومة الوطنية والقوي العروبية، التي تناضل وتضحي لالحاق الهزيمة بالمشروع الامريكي في العراق، لان فشل هذا المشروع في الجناح الشرقي للامة العربية، يعني فشله اتوماتيكيا في البلدان العراقية الاخري، هذه الحقيقة يجب ان تكون ماثلة امام انظار العرب اليوم، في كل ساعاته ودقائقه ولحظاته، وعليهم ان ينتبهوا جيدا الي ان القوي الوطنية والقومية المعارضة والمقاومة في العراق بذلت واعطت وضحت ليس من اجل ازالة الاحتلال عن العراق وتحريره فقط، وانما دفعا للمخططات الامريكية والصهيونية والايرانية التي تستهدف الدول العربية، لأن النجاحات التي يحرزها المقاومون والمعارضون في داخل العراق ضد المحتلين الامريكان وحلفائهم، هي نجاح لكل بلد عربي، وعلي هذا الاساس لا بد من مقابلة التضحيات العراقية بدعم واسناد عربيين علنا بلا تردد او خوف من تهديدات بوش وتشيني وكوندليزا رايس، فلا يعقل ان تتضور عوائل الشهداء جوعا بعد ان فقدت معيلها في ساحة جهاد، ولا يمكن تصور ابناء وبنات الشهداء يتركون مدارسهم لانهم لا يملكون اجرة سيارة، وعيب علي العرب ان يتجاهلوا معاناة ملايين العراقيين ممن هدمت بيوتهم وحوصرت مدنهم ومنعت عنهم المواد الغذائية والطبية.هل يعلم العرب ان الحصص التموينية لسكان الموصل وهم ثلاثة ملايين انسان عربي، حولت الي دهوك المدينة الكردية وباعلان حكومي؟ هل يعرف العرب ان مدن محافظة الانبار من الفلوجة الي الرمادي الي حديثة الي هيت والخالدية وعنه وراوة والقائم تواجه منذ اربعة اعوام هجمات واقتحامات يومية، ومنع عن سكانها وهم قرابة مليونين، الاكل والشرب والتنقل والعمل وطلب الرزق؟ ولولا نخوة الغياري وتبرعاتهم المتواضعة لمات عرب المنطقة الغربية جوعا وحصارا؟هل يعلمون ان عرب كركوك وعددهم ثلاثة ارباع المليون يواجهون الطرد من منازلهم ومزارعهم التي شادوها بالدم والجهود المضنية منذ اربعة عقود واكثر، لمجرد انهم عرب فقط؟ هل يعلم العرب كيف يعيش عرب ديالي في بعقوبة وبهرز والمقدادية وجلولاء وبلدروز ومندلي والخالص وخانقين والسعدية والمنصورية وخان بني سعد وهبهب والعظيم والكاطون، وهم يواجهون الموت في كل ساعة بعد ان احرقت بساتينهم ومزارعهم ودمرت مدارسهم ومستشفياتهم وطرقاتهم من قبل الامريكان والاجهزة الحكومية والمليشيات الكردية والشيعية، وكل ذنبهم انهم يرفضون التعاون مع المحتلين وعملائهم؟ وما يحدث لسكان الاعظمية والكرخ والتاجي والرصافة القديمة من بغداد بات معروفا، وكذلك ما تشهده سامراء وتكريت وبيجي والشرقاط، انها حرب طائفية وعنصرية واستعمارية، القصد منها قتل الروح والقيم والاخلاق والتقاليد والاعراف العربية، واجبارعرب العراق علي الكفر بعروبتهم وفصمها عنهم. المقاومون والمعارضون للاحتلال في العراق الذين يدافعون عن شرف العرب لا يريدون مدافع وقنابل وصواريخ فلديهم ما يكفي ولكن اسرهم ومناطقهم ومدنهم تحتاج الي اغاثات ومعونات معيشية وصحية وتعليمية واجتماعية، وهذه قضايا انسانية ليست محظورة يقرها القانون الدولي ومواثيق الامم المتحدة، فلماذا لا تتحرك الدول العربية لنجدة اخوانهم؟ان الله جلا وعلا قد يصفح عن المغفلين والتائهين من اصحاب العقول الناقصة، ولكنه سبحانه لن يغفر لكل مقتدر حجب العون عن أخيه، وأحجم عن مساعدته وتهرب من غوثه، والتاريخ لا يرحم القاعدين والمتفرجين علي مأساة عرب العراق. انها محنة وتمر وتتقابل الوجوه وعندها لا ينفع الندم او الاسف.9