عزيز أزغاي: ضربات علي كل الألوان تشبه ترديد التعاويذ!

حجم الخط
0

عزيز أزغاي: ضربات علي كل الألوان تشبه ترديد التعاويذ!

أعماله تستعصي علي الوصف عبر اللغةعلي تيزلكادعزيز أزغاي: ضربات علي كل الألوان تشبه ترديد التعاويذ!هناك فئة من الأعمال التشكيلية تستعصي علي الوصف عبر اللغة، لدرجة أنها، في نهاية المطاف، تفرض علي المرء وجودها من خلال ملاحقته واستقطاب اهتمامه كاملا ما لم يستطع إيجاد العبارات التي تبدو له مواتية للإخبار عن هذه الأعمال، لجعلها في مساقط النظرة المتبصرة، للإيحاء بحضورها وقوتها. وتندرج الأعمال الفنية بالتأكيد في هذا الصنف من الأعمال. بل إنها قابلة لتشكيل نموذج في منتهي التعبير عن هذه الفئة من التعبير التشكيلي التي تقاوم محاولات إدراجها في قوالب الكلمات، تستعصي علي الحكي اللغوي، ربما لأنها هي نفسها تعتبر ذاتها لغة تعبير فصيحة، مستقلة، مكتفية بذاتها، مستغنية عما سواها، متناهية.في حين أن صاحبها (أقصد عزيز أزغاي) لا تستهويه بالضرورة أغوار الانغلاق، ولا يرغب علي العموم في التواري وراء الألغاز وما عمد يوما ما إلي اعتناق التعقيد والتقنية كسلوك في الحياة. عندما تتوفر لأحدنا فرصة الاحتكاك به علي فترات طويلة نسبيا، ورؤيته وهو يغطس في غياهب عمله، ثم يتصاعد من تلك الأعماق الانصهارية كما لو أنه لم يرحل أبدا، حينئذ يمكنك قياس المسافة التي يستطيع إقامتها ما بين فعل التشكيل وفعل الحياة: فهو تارة فنان بكليته وتارة أخري كائن مغاير تماما. إنها بالفعل غيرية مدهشة ولكنها حاضرة أيما حضور وحقيقية إلي أبعد الحدود.والشخص، كما يعهده الجميع شديد الأناقة، عالي الأريحية، شغوف بالحياة، بارع في فنون الطبخ، عند الاقتضاء، شاعر غزير العطاء، أب كثير الاعتناء، كثير الفضول الفكري، كريم الجهد، حاكٍ ممتع… لكن، هل هي هذه الخصال المثلي لفنان تشكيلي؟ كما يحتمل لأي كان أن يتساءل.والجواب يأتيك من خلال ذلك الزخم من الألوان والأشكال والأحجام والمقاسات والمواد والرسوم التي يقضي الساعات والساعات، أحيانا بحدة تكاد تكون جنونية، في نسجها والاشتغال عليها، وإعادة النظر فيها، وقلب معادلاتها، وتشويه صفحاتها، وإعادة صياغتها، وملاطفتها، وزعزعتها وتعريضها للارتجاج، إلي أن يعتبر أن وحدة اللوحة قد اكتملت، وأن نغمتها قد تساوت، وأن توازنها وانسجامها وتمامها قد أصبحت واقعا متمكنا منه.ثم ماذا بعد؟ لوحة ثانية وثالثة ورابعة حتي الثانية عشرة أو العشرين أحيانا، ترديدات علي كل الألوان وبكل الوتائر حتي الإرهاق، فيما يشبه ترداد التعاويذ والصلوات.. لكن ليس هناك أية طقوس عقائدية، بل مجرد نظام ما، نوع من أنواع الحسابات من خلال التأليف ما بين عناصر مبهمة بمنطق شديد التجريد إلي حد الانغلاق. بهذه النظرة يستقبل المشاهد تلك السلسلات الهائلة من اللوحات المتآخية لدرجة التساؤل إن كان تجانسها وكليتها هي المستهدفة بدءا، سواء عن سبق إصرار من الفنان أو من غير شعوره، أم أنه فقط التركيز الشديد علي كل عنصر علي حدة هو السبب في التقرب ما بين مختلف أجزاء الإنجاز، من خلال لمسات متعاقبة وتساؤلات متراكبة وحميميات لصيقة بجوهر المواد والعلامات المحجوزة والمثبتة علي صفحة اللوحة.إن أزغاي يروم الأفضل في عمله باستمرار. بالفعل، يقف المرء مشدوها أمام غني لوحاته وكثافة المواد التي يستعملها في تركيب رسومه، وسماكة تلك العجينة المستعملة، خليط من طحين رخام، تراب، طبقات سخية من الصباغة، مما يعطي للعمل مزيدا من التضاريس، تراقص ظلال وتجاوب حوارات تروي قصة، قصصا، أغلبها يحكي العنف والصدمات، ولكنها باستمرار ملينة بواسطة تلك الرسوم الخفية المضمنة في المساحات الخلفية للوحات. نوع من التطبيق الخفي ولكنه في نفس الوقت كله دلالات وامتلاء.في الواقع، عندما تُتناول لوحة ما من لوحات أزغاي علي حدة، نجدها في غالب الأحيان عبارة عن متاهة من المعاني. فالتداخلات ما بين العلامات والتراكيب التشكيلية، وخطوط الانكسار، وخطاطات أشكال غير مكتملة، إيحائية بالكاد، ومحاولات تركيبات مجهضة، كل هذا بدل الدفع بالنظر إلي العدول والانزياح ها هو حبيس، أسير مدعو إلي التأمل وإلي الدخول في حميمية مع هذه الرسوم وهذه الألوان المرهقة لفرط ما مورس عليها من ضغوطات ومن تشكيك… وبالتالي يجد المرء نفسه مستدرجا للدخول في صلب هذا الفضاء، لامتلاكه حتي يصبح جزءا منه. في علم الفيزيولوجيا، تنعت هذه الملكة، عند اعتبارها من زاوية الجسد المحتوي، بعبارة جميلة: ملكة الابتلاع.ثم، ما أن تتصور أنك استطعت النفاذ إلي مسلك قد يؤدي بك إلي فهم كنه الأمور وآليات اشتغال هذا الفنان، الذي لا تظهر عليه أبدا علامات كلفة توحي بأنه بصدد مرحلة تجريبية ما لفرط ما ينم عنه من أسباب التحكم العاتي في أسلوبه التشكيلي، حتي يجد وسيلة أخري لمفاجأتك أكثر فأكثر ويبسط أمامك أوجها خفية ولا تقل إثارة للإعجاب من كفاءته وقدراته الإبداعية.فما بين لوحات البدايات التي تعود إلي أكثر من عقد من الزمن، وسلسلات اللوحات الأخيرة المبنية في أغلبها علي الأشكال الهندسية التي يغلب عليها اللونان الرمادي والأسود، انتقل الفنان إلي نوع من الصقل في تجربته من خلال جهد دؤوب من الإنضاج في الممارسة التشكيلية والتفنن في الأداء. وعلي كل فإنه يقدم لنا بهذا وعودا هائلة يحملها عاشق جماليات كُلّه حيوية سيكون غدا، لا محالة، قيمة أكيدة ضمن سفر الفنون التشكيلية المغربية المعاصرة.ہ شاعر وفنان تشكيليبيان معلومات* عزيز أزغاي / Aziz AZRHAI* من مواليد 4 حزيران (يونيو) 1965 بالدار البيضاء.* حاصل علي الإجازة في التاريخ القديم، ويتابع دراساته العليا في الأدب العام والنقد المقارن.* اشتغل بالصحافة في الفترة ما بين 1993 و1998. * اشتغل مستشارا دائما بالمجلس الوطني للشباب والمستقبل ما بين 1995 و1998. * يعمل منذ سنة 2002 مستشارا لوزير التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي.* انتخب عضوا للمكتب المركزي لاتحاد كتاب المغرب، كأمين للماء ومكلف بالعلاقات الخارجية، خلال المؤتمر الرابع عشر 1998.* عضو سابق في هيئة تحرير مجلة آفاق الثقافية، التي يصدرها اتحاد كتاب المغرب، ما بين 1998 و2001.* اختير عضوا دائما ببيت الشعر بالمغرب منذ سنة 2000.* حاصل علي شهادة المشاركة في الدورة التكوينية في مجال الإعلام الجمعوي، التي نظمها المركز الدولي للإعلام التربوي التابع لجامعة ولاية جورجيا الأمريكية في سنة 1999 بالدار البيضاء.* صدر له لا أحد في النافذة ديوان شعر ـ منشورات افريقيا الشرق سنة 1998. * و كؤوس لا تشبه الهندسة ديوان شعر ـ منشورات اتحاد كتاب المغرب سنة 2002. * وله ـ قبل الطبع ـ كتاب خاص عن سيرة حياة الكاتب المغربي إدريس الخوري، وديوانان شعريان يحملان علي التوالي عنوان: أكبر من قميص و رصاص الموناليزا .* ينشر الشعر والمقالات الأدبية والفنية في العديد من الجرائد والمجلات المغربية والعربية.* شارك في العديد من التظاهرات الثقافية داخل المغرب وخارجه.* ترجمت بعض نصوصه إلي اللغات: الفرنسية، الإنكليزية، الإسبانية، الألمانية والهولندية.* أقام العديد من المعارض التشكيلية داخل المغرب.QTS0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية