لماذا كل هذا الاهتمام بسورية؟
لماذا كل هذا الاهتمام بسورية؟ سورية، التي تمتد من الخليج العربي الي البحر المتوسط، ومن الجبال الشامخة شمالا الي الرمال الناعمة جنوبا، بيت الحضارة وطريق المهتدين.سورية: تعني (إله الشمس) أو (آلهة الشمس) وسع البابليون فيما بعد مدلول الاسم فصار يشمل سورية كلها، وضيق الفرنسيون معناها لتطلق علي الجمهورية العربية السورية فقط. في العهد العثماني كانت تقسم اداريا الي بلاد الرافدين او العراق وبلاد الشام (سورية ـ لبنان ـ الاردن وفلسطين).ولذا ادراك الغرب أهمية هذه المنطقة كونها درع العرب، وتتوسط العالم القديم، وسعوا الي تدمير وحدتها، وتقسيمها بغية اضعافها، حيث حذر العديد من المثقفين كالأب لامنس اليسوعي عام 1919 في احدي محاضراته: حذار! لا تقسِّموا سورية، فهي قميص عثمان .ولكن لم تفلح الدعوات للحفاظ علي وحدتها امام شراسة المستعمرين، فطبقت سايكس بيكو القاضي تقطيع اوصالها، وزرع الكيان الصهيوني. والان عاد المحتل الي العراق، ووزعت الادوار في المنطقة من جديد، لايجاد وشحن النعرات ان كانت طائفية او مذهبية او عرقية امعانا في تقسيمها.وللاسف هذه الامور كلها معروفة، ولكنها لا تلقي صدي بين الساسة في المنطقة، فكل منهم له ابجديته، وارتباطاته الداخلية والخارجية، مما يجعل بعضهم مستفيدا من التقسيم او صانعا له او بعض من اكتفي بغض النظر، وكأن الامر لا يعنيه او يشكل خطرا علي بلاده.ولكن تحول الخلافات الي المستوي الشعبي ظاهرة جديدة لا اجد لها من مبررات الا انخفاض مستوي الايمان بتاريخنا، نتيجة الاعلام الموجه من الخارج بشتي اساليبه وما يزرعه من فتن وفكر عنصري غريب عن المنطقة برمتها، فكل وصولي يحاول لم الناس من حوله، ويجد في هذه النعرات الوسيلة ـ لضعف طروحاته ـ الأسهل لتحقيق غايته، علما ان هذه الجماعات القبلية او الطائفية او العرقية متعايشة منذ الازل بشكل سلمي مع بعضها، وليست وليدة اللحظة، فلم نستيقظ يوما لنجد كل التنوع الموجود لدينا، فمن الغريب رؤية الخلافات في هذه البلاد حيث كل طرف يصر انه المظلوم والاخرين هم دخلاء علي الوطن.كما ان البعض الذين يظنون ان الوطن لهم وحدهم، وهم يمنون علي البقية بالاقامة او الجنسية او العمل، وان استطاعوا لامنوا بالهواء عليهم، وهذا ما نراه يحدث غالبا مع اللاجئين او الاقليات الصغيرة، علما ان الاقلية تأتي بطريقة التصنيف ان كان قبليا او طائفيا او مذهبيا او عرقيا، اما ان كان التقسيم سوريا فهو اغلبية علي الاطلاق واعني سوري بكل مساحة سورية التاريخية.اما ما يدعي بلاجئ ـ غريب هذا التعبير ـ ان كان انسانا يحيا علي ارضه، حتي لو لم يتبع الي كيانها السياسي، فهي ارضه وليس من الكرم ابقاءه فيها، وليس من الكرم الدفاع عن حقه وارضه، فالارض واحدة، وكل الاراضي المحتلة لكل السوريين، كما ان كل اراضي سورية لكل السوريين، وان كان هناك كيان سياسي يتعامل بغير هذا، فهو يحتل هذه الارض ولا يحكمها، حتي لو كان من ابنائها، فمن عايش خروج المحتل الفرنسي يذكر كيف كانت المظاهرات لتحرير جنوب سورية، حيث وقع ثوار فلسطين مع مندوبي الحكومة السورية علي الوحدة، او كيف رفض الشعب انسلاخ الكيان اللبناني حيث يقول جبران خليل جبران عندما رأي إنشاء الكيان اللبناني السياسي (لكم لبنانكم ولي لبناني).ويقول الكاتب سليمان البستاني (وارض سورية: محط الأمل إلي حماها يسير الرفات وأهلها تلقي قبيل الممات).و لو نظرنا الي القبائل الموزعة في البادية علي شطري الحدود، نري وحدة واهلا ممزقين بين دويلات، تمنع الظروف السياسية اللقاء بينهم، كلما غضب حاكم ما دون اسباب مبررة لذلك.و للاسف يظن البعض ان الكلام عن الوحدة هو بسبب الحاجة، او مجاملة لجهة او حكومة ما، او فات زمان الحديث عنها.وهذا يضعف صوت الوحدة، فالجميع صمتوا وان تكلموا، ورضينا ان نكون غرباء في وطننا، وعن تاريخنا وعن انفسنا. فان شعر احدكم يوما انه غريب وحيد في وطنه، فليعلم بأنه في وحدته، ليس الوحيد.قيصر سوداحرسالة علي البريد الالكتروني6