عقلية التدمير الذاتي العراقية والحنكة الامريكية ـ الاسرائيلية

حجم الخط
0

عقلية التدمير الذاتي العراقية والحنكة الامريكية ـ الاسرائيلية

سليم مطرعقلية التدمير الذاتي العراقية والحنكة الامريكية ـ الاسرائيلية الكثير من القوميين واليساريين والمتعاطفين مع النظام العراقي السابق، يرددون مقولة فحواها بان روح العنف والخراب الحالية والحقد الطائفي ليس لها اي اساس مسبق، وان العراقيين فيما مضي (عهد صدام وقبله) كانوا عقالا ومتطورين ومتحابين ومتصالحين، ولم يعرفوا مثل هذا العنف والحقد الا بتاثير القوي الطائفية والامريكية الحالية. وان روح الخراب المستشرية منذ اعوام هي من صنع القوي السياسية المؤثرة حاليا في الوضع: الاطراف الدينية (سنية وشيعية) والحكومية والامريكية والاسرائيلية.. الخ.مبدئيا، ولكي لا يتصور البعض اننا نبرئ القوي الحالية، نقول نعم صحيح، ان هذه الاطراف جميعها، وخصوصا امريكا واسرائيل، لعبت وتلعب ادورا اساسية في تفجير وديمومة الحالة الجنونية لخدمة مصالحها الخاصة بها..لكن يتوجب القول ايضا بان اية قوي مهما كانت مهيمنة وفعالة وجبارة في مجتمع ما، من المستحيل عليها ان تنجح في فرض حالة شعبية كبيرة وفعالة مثل هذه الحرب الطائفية المستعرة، من دون وجود استعداد عقلي (ثقافي ونفسي) متجذر في رؤوس ونفوس الناس. هذا لا يعني ابدا اننا نتفق مع تلك المقولة العنصرية والساذجة المعروفة والمكررة من قبل الكثيرين من مثقفين وغيرهم، عن (الطبيعة العنفية للعراقيين)!! ان تاريخ العراق منذ خمسة آلاف عام وحتي الآن، بقدر ما هو مليء بالعنف والمذابح والكوارث، فانه ايضا مليء بالابداعات الانسانية العظيمة والحضارات المزدهرة والانجازات الثقافية والاجتماعية التي تؤكد علي روح الاخوة والمتعة والفن والادب والرفاهية والمحبة والفكاهة والغزل، الخ.. اننا نقصد بالحالة العقلية، ليست كصفات ثابتة جينيا وغريزيا، بل كحالة (ثقافية ونفسية) مرتبطة بحقبة تاريخية معينة، تتغير مع تغير الظروف التي انتجتها.ان اية سياسة مهيمنة مهما كانت، سلمية او عنفية، لم ولن تستمر وتسيطر علي وطن باكمله الا بالاعتماد علي هذه البنية العقلية الظرفية التي تبررها وتجبر السياسيين، مهما كانوا منقطعين وتابعين، علي وضع برامجهم وممارسة سياستهم حسب متطلباتها..الطاقة الايجابية والسلبيةان المجتمع الانساني، مثل الفرد، حسب ظروفه وتطورات حياته، قد تتراكم فيه طاقة ايجابية تقوم علي محبة الذات والآخر والسلام والتسامح والتضامن وتفضيل الراحة والمتعة، تؤدي طبيعيا الي الصحة والازدهار والتطور الابداعي والحضاري. وقد تتراكم فيه طاقة سلبية (حزن وغضب وحقد وغيرة وحسد..الخ) نتيجة الخيبات والجروح والاندحارات والمتاعب وغيرها، لكي تتفجر عندما تحين الفرصة علي شكل مرض خطير او ازمة مستعصية بالنسبة للفرد، وعلي شكل ثورات دموية وحروب اهلية او خارجية، بالنسبة للمجتمع.ـ الاساس النفسي: لنفترض مثلا، لو اننا تمكنا من صنع قيادات واحزاب ومنظمات طائفية مع قوات امريكية، شبيهة تماما بامثالها العراقية المتحاربة الحالية، ووضعناها في المغرب او مصر او تونس، مع ذلك فانه من المستحيل عليها ان تعيد حالة العنف السائدة في العراق، لان عقلية (ثقافة ونفسية) المجتمع المغربي والمصري والتونسي غير مهيأة حاليا لتقبل سياسة العنف والقتل والتفجير والابادة الجماعية. لان اي حالة عنف شاملة تتطلب خزينا هائلا ومتراكما من الطاقة السلبية.بالنسبة للحالة النفسية العراقية، فانه منذ اجيال عديدة تراكمت علي الانسان العراقي الخيبات من التجارب السياسية والانقلابات المتتالية والمشاريع الوطنية والقومية، كذلك هزائم الحروب العديدة وفراق الابناء والاحبة في السجون والمنافي وساحات الحروب، بالاضافة الي القمع المنظم ثم المجاعات وعمليات الاذلال بسبب الحصار.. كل هذه العوامل المتراكمة منذ اجيال جعلت الطاقة السلبية من احقاد ضد الذات وضد الآخر، ومخاوف وغضب وحسد وغيرة، هي التي تهيمن علي نفوس العراقيين وتطغي علي المشاعر الايجابية والانسانية، وتصبح اشبه بالوقود المهيأ للاشتعال بأي سبب كان. ان هذه الطاقة السلبية المتراكمة عرفتها جميع الشعوب، وهي التي تدفع عادة الي تفجير الثورات الدموية والحروب الاهلية والصراعات الدولية. ان طاقة الحقد علي الذات وعلي الآخر هذه تبحث عن اية حجة لكي تتفجر، باسم الصراع بين الطبقات او الاحزاب او القبائل او القوميات او المناطق او الطوائف. لنتذكر مثال الحرب الاهلية في الجزائر اعوام التسعينات، حيث مورست تقريبا نفس عمليات العنف والحقد بين الناس كما هو حاصل حاليا في العراق، رغم ان الجزائريين كلهم مسلمون ومن نفس المذهب (المالكي)، بحيث ان الارهابي كان يفجر قريته وعائلته وابناء عمومته، باسم الجهاد ومحاربة الكفرة. لنتذكر كذلك الحقد المدمر الذي اندلع ابان الثورات الفرنسية والروسية والصينية، ثم آخرها الحرب اليوغسلافية، وغيرها ..علي هذا الاساس، يمكن القول ان الطاقة السلبية المتراكمة لدي العراقيين، كان بالامكان ان تتفجر بحجج اخري غير الحجة الطائفية، كأن تكون علي شكل حرب شعبية ضد الامريكيين، او بين البعثيين وخصومهم، او بين العلمانيين والمتدينين، الخ.. ان اختيار طريقة التنفيس عن الطاقة السلبية المتراكمة لدي اي شعب، تعتمد قبل كل شيء علي مخزونه الثقافي وعلي نوعية النخب السياسية والثقافية المؤثرة فيه، فهي التي تقوده بصورة مقصودة وغير مقصودة نحو الاسلوب الذي يمكنه به ان يفجر طاقته السلبية المتراكمة. وهنا ياتي دور الاساس الثقافي المتراكم..ـ الاساس الثقافي: منذ بدايات القرن العشرين وتأسيس العراق الحديث، عاني الانسان العراقي من حالة انمساخ ثقافية قاسية وسريعة، اذ شنت جميع الحكومات منذ العهد الملكي حتي عهد صدام، مع غالبية الاحزاب الليبرالية واليسارية والقومية، حملات تحديث وتغريب ومحاربة للثقافة الشعبية والتراثية والدينية باسم مكافحة التخلف والرجعية ومن اجل التحضر والتطور والعلمانية والتقدم. لقد حاولت النخب، الحكومية والمعارضة، ان تختصر بعدة سنين التغيير الثقافي الذي انجزته اوروبا بعدة قرون. ان حالة العودة المرعبة الي الثقافة الدينية السائدة حاليا في المجتمع العراقي، لهي دليل ساطع ويقيني علي مدي عنف وتطرف وسذاجة عمليات التثقيف التغريبية والتحديثية التي حاولتها الحكومات والنخب العراقية خلال قرن باكمله.هنالك مشكلة ثقافية اخري اهم واعظم تضاف الي هذا الانمساخ التغريبي السطحي والمصطنع الذي عاني منه المجتمع العراقي، الا وهي مشكلة الفشل والتجاهل التام لواجب احياء (الهوية الوطنية) التي هي اول وأهم خطوة من اجل بناء اية دولة واية امة. للاسف الشديد ان النخب الثقافية والسياسية والدينية العراقية، لاسباب ومؤثرات داخلية وخارجية عديدة، تغافلت عن هذه المهمة الحاسمة، بل انها لجأت الي العكس، حيث تبنت المفاهيم القومية والاممية والدينية الطائفية بصورة متطرفة خارجية منافية للوحدة الوطنية. وهذا ما ادي الي فقدان المجتمع العراقي للقاسم الثقافي الوطني المشترك القادر علي جمع مكوناته المختلفة، وشعور كل فئة عراقية (شيعة، سنة، اكراد، تركمان، سريان، الخ..) انها مختلفة بل متنـــاقضة سياسيا مع باقي الفئات، ويتوجب عليها اللجوء الي دعم خارجي، قومي او ديني او طائفي، لكي تحمي نفسها من منافسة الفئات الاخري! ان هذا الانمساخ الثقافي الحضاري والوطني، مع التشوه النفسي، هو السبب الاول والاكبر في تمزيق المجتمع العراقي واضعافه من داخله، وجعله فاقدا لثقته بذاته وبوطنه. خلال قرن تقريبا، ومع مرور الزمن تراكمت التشوهات الثقافية والخيبات النفسية فانحدر الانسان العراقي اكثر واكثر الي حالة من الهشاشة والضعف والانهزامية، واصبح مريضا فاقدا للمناعة النفسية والثقافية، اشبه بطفل خائف غيور حسود يمقت اخوته الذين يتميزون عنه. كل هذا سهل انقياده من قبل تلك الحفن من الرعاع الذين نجحوا، منذ اعوام واعوام، بالتعامل معه كقطيع خنوع وجره الي حروبهم، الصدامية السابقة ثم الطائفية الحالية. الحنكة الامريكية ـ الاسرائيليةان النخب العراقية (السياسية والثقافية) المؤثرة، لو كانت اكثر اصالة واكثر وطنية، لكانت غيرت تماما اختيار العراقيين لهذا الاسلوب الطائفي المقيت لتفجير الطاقة السلبية المتراكمة. ان علماء النفس والاجتماع الامريكيين والاسرائيليين بحكم تخصصهم ودراستهم لتجارب الشعوب، كانوا متيقنين تماما بان الشعب العراقي يمتلك مخزونا مرعبا من الطاقة السلبية المتراكمة، وان هذه الطاقة لا بد ان تتفجر يوما ما، وخصوصا بعد زوال الغطاء الحديدي الذي يكبتها والمتمثل بنظام صدام. نعم ان الامريكيين كانوا يدركون جيدا ان طاقة الحقد العراقية يمكن ان تتفجر ضدهم من خلال ثورة شعبية عظمي تشبه ثورة العشرين، لهذا فانهم بحنكتهم وذكائهم واستخدامهم الشيطاني للفضائيات (العروبية الطائفية) التابعة لهم، وفتح الحدود لتسهيل دخول جماعة القاعدة، وكذلك تصفية وابعاد القيادات العراقية الوطنية والمعتدلة مثل (محمد باقر الحكيم) و(احمد الكبيسي) و(عز الدين سليم)، لاعلاء شأن القيادات الطائفية المتطرفة، كذلك التركيز علي المسرحية الطائفية المفضوحة بمحاكمة صدام ثم اعدامه التلفزيوني (دائما الحاكم كردي والمدعي العام شيعي موسوي ومحامي الدفاع سني دليمي)!!!!! بهكذا سياسة شيطانية نجحوا بصورة فائقة بتوجيه هذه الطاقة العراقية نحو الحقد الطائفي القديم والمتراكم. والذي سهل كثيرا نجاح الامريكان والاسرائيليين في خطتهم الجهنمية هذه، هو ضعف وهشاشة وتآمر النخب العراقية، الثقافية والسياسية، المتحالفة معهم والمعارضة لهم. جميع النخب العراقية، بقصد وغير قصد، ساهمت بإنجاح الخطة الامريكية ـ الاسرائيلية لتوجيه طاقة العنف العراقية ضد العراقيين انفسهم. من كل هذا يحق لنا القول: ان الخلاص الوحيد امام العراقيين يعتمد اولا واخيرا علي كفاح النخب الثقافية العراقية خصوصا مع جميع الخيرين من ابناء الوطن، بالتاكيد علي ثقافة عراقية جديدة ضمن المبادئ التالية: اولا، ثقافة السلام والتسامح والتصالح ونبذ العنف بكل اشكاله ومهما كانت حججه، والعودة الي المقاومة السلمية الشعبية والثقافية.ثانيا، ثقافة الاصالة والاعتدال والوسطية التي تحترم تراثنا الوطني الديني والتاريخي والشعبي، مع قبول ضرورات الحداثة العقلانية.ثالثا، ثقافة (الهوية الوطنية العراقية) كقاسم ثقافي وسياسي مشترك لجميع الهويات الفرعية، مع مفهوم (الامة العراقية) كخيمة شاملة لجميع القوميات والطوائف.ہ كاتب من العراق يقيم في جنيف[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية