حكايات من البر الإنكليزي: ذات نهار في كنغستون

حجم الخط
0

حكايات من البر الإنكليزي: ذات نهار في كنغستون

جمعة بوكليبحكايات من البر الإنكليزي: ذات نهار في كنغستونلا اعرف السبب الذي جعلني اقرر زيارة كنغستون ذلك السبت، ويبدو أنني بعد استيقاظي من نومي وانتهائي من إعداد والتهام وجبة إفطاري وإعادة ترتيبي وسيطرتي علي الفوضي الضاربة أطنابها في بيتي طوال الاسبوع دون رادع، شعرت بشيء من الكساد الروحي جعلني زاهداً في القراءة أو مشاهدة برامج التلفزة وأنا مستلق علي الأريكة أدخن مرارة سجائري وأرتشف قهوتي، لذلك خطر لي أن أغادر البيت، و(نغير جوي) والذهاب إلي كنغستون علي أمل أن التقي بعض الأصدقاء القدماء والذين كنت اعلم أنهم يلتقون كل سبت هناك للهدرزة وتوسيع الخاطر وأيضاً ( القرمة في عباد الله). والحقيقة انني، رغم كرهي للزحام والتسوق، نشأت علاقة ودية بيني وبين كنغستون، خاصة الجزء الواقع منها علي النهر، حيث المقاهي والمطاعم والحانات، وحيث أيضاً يمكنني التمشي علي جانب النهر والتمتع بشيء من الاسترخاء النفسي اللذيذ بعد توتر الاسبوع وصداع اللهاث خلف القطارات وازدحام المحطات والشوارع والارصفة ودواخ العمل طوال خمسة ايام دون توقف. كان الوقت قرابة الظهر، والطقس مغيّماً، وشعرت بتيار بارد خفيف يغزو مسامات بدني النحيف ويغوص حتي العظم مني. في طريقي للمحطة كان الشارع شبه خال من المارة، ومن حين لاخر تعبرني سيارة من هذا الاتجاه أو ذاك. الأشجار، كعادتها في ذلك الوقت من السنة، علي جانبي الطريق، لا ورق يغطي عري أغصانها، ولا اخضرار يشع منها. يوم سبت آخر يتمطي في كسل، ولا يعير انتباهاً لأحد. في محطة قطارات ويمبلدون وجدتني اقف في طابور طويل في إنتظار شراء تذكرة . أنصار فريق تشيلسي بفانلاتهم وطواقيهم وشالاتهم الزرقاء وضجيجهم جعلوني اشعر بالضيق. لا أذيع سراً إذا قلت أنني من مدمني مشاهدة مباريات كرة القدم، وليفربول فريقي المفضل، وليس في قلبي سوي كره شديد ومقت لا يوصف نحو فريق تشليسي وانصاره. أعترف أيضاً انني رغم حبي لكرة القدم لم اشاهد إلا عدداً قليلاً من المباريات، لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، لكني أحرص كل الحرص علي متابعة مباريات الدوري الإنكليزي في التلفزيون، والصحف. أنا واحد من جمهور كبير من قراء الصحف الذين يصرون علي قراءة الصحيفة من الخلف للإمام اي أن أبدأ قراءة الصفحات الرياضية أولاً. هذه العادة بدأت معي مبكراً منذ أيام التلمذة. في القطار جلست في مقعد لوحدي، وشعرت (لا أعرف لماذا؟) برغبة دافئة في الغناء. سمعت في قلبي صوت فيروز تغني: أنا عندي حنين ما بعرف لمين .. ليلي بيخطفني من بين السهرانين . كلما سمعت فيروز تغني هذه الأغنية كنت أقول في نفسي: ولكن يا حبيبتي فيروز أنا مثلك عندي حنين ولكني علي عكسك أعرف لمن هذا الحنين . فيروز لحسن الحظ لا تسمعني وتواصل غناءها داخلي، فأحس بالذكريات كينابيع من فردوس خفي تتفتق في قلبي، وأحس وكأن أجنحة ملائكية من نور رباني تنبت في جسدي وأطير مرفرفاً مخترقاً جدران عربة القطار محلًقاً في فضاء الله، سابحاً في ملكوت الغيم، صاعداً نحو شمس تراني وأراها، مستشعراً دفئاً كالطفولة. في محطة قطارات كنغستون غادرت عربة القطار، وحين وصلت المخرج الرئيسي وجدته مختنقاً من شدة الزحام. ارتأيت الصبر والانتظار حتي خلا الطريق لي وخرجت. خارج مدخل المحطة الرئيسي وجدت شرطيين يستجوبان صبياً في سن المراهقة، نحيفاً بشعر رأس اشقر كثيف، وعينين زرقاوين شيطانيتين. في الطريق تركت مهمة مراقبة الطريق لعينيّ، ولقدميّ مواصلة السير دون مبالاة بالبشر الذين يسيرون بمحاذاتي وأمامي وخلفي محملين بأكياس بلاستيكية منتفخة. سرت باتجاه مركز التسوق، وحين وصلت مقهي (كافيه نيرو) دخلت والقيت نظرة في الرواد الجالسين والواقفين فلم أتعرف علي وجه أعرفه. ترددت في الجلوس لكني حسمت التردد وقررت البقاء قليلاً . طلبت قهوة واخترت كرسياً شاغراً قرب الواجهة الزجاجية المطلة علي ميدان صغير وجلست. تذكرت أن الجزء الأرضي من المقهي، حيث أجلس، مخصص لغير المدخنين، وأدركت أنه ليس أمامي من حل سوي رشف قهوتي دون التفكير في التدخين إذا اردت البقاء في مكاني. كان الميدان غاصاً بالبشر، وكنت أمني النفس برؤية صديق من أصدقائي القدماء إلا أن الحظ لم يكن حليفي. جاءت سيدة وجلست في الكرسي المجاور لي، وأولتني ظهرها في بداية الأمر، ثم عنّ لها تغيير جلستها، فاستدارت وجلست ووجهها قبالة الواجهة الزجاجية. كانت تشرب عصيراً ملوناً لم أتعرف عليه. قاومت فكرة الحديث إليها، وواصلت عيناي التحديق عبر الزجاج، في حين انفلت عقلي إلي عوالم أخري بعيدة، لا علاقة لها بما أري وأسمع. سمعت صوتاً يقول لي: والله زمان يا زول . التفت وجدت خالد صديقي السوداني بقامته الطويلة واقفاً إلي جواري وابتسامة تملأ وجهه. قمت من مكاني وسلمت عليه وبدأنا حديثاً طويلاً. قال لي خالد: يا زول البلد دي تجنن، انا ما قادر أعيش من كثر الغلاء . ضحكت وسألته عن أخبار حياته في (البلد دي). قال لي أن أموره ما زالت كما عهدتها، إلا انه يفكر في العودة إلي الخرطوم نهائياً والزواج. سألته غامزاً عن حكاية الزواج مع دون جوان مثله . ابتسم وقال لي: يا زول انت عارف كبرنا في السن والجاذبية ما عادت زي زمان، والنسوان في البلد دي يريدون الشباب، وفي النهاية ما فيه غير التسليم بأمر الله وقبول الواقع المر، وانت عارف كويس أن الزواج للرجل زي الموت ما في مفر منه . سألته عن أصدقائنا القدامي، فأعلمني أنه لم يعد يراهم منذ مدة. تخلت السيدة التي كانت تجلس بجانبي عن مقعدها واتجهت خارجة من المقهي. تابعناها بأعيننا معاً حتي غابت. غمز لي خالد وقال ضاحكاً: قال زواج قال . ضحكت ثم سحبت الكرسي نحوي قليلاً وطلبت من خالد الجلوس، إلا انه أعتذر لأنه في عجالة من أمره للقاء صديق. قلت له: صديق أم صديقة؟ رد عليّ بابتسامة وقال: يا زول والله ما أبدل القعدة معاك بعشر نسوان . ودّعني وغادر. عدت إلي سابق كرسيي ومتابعة ما كنت افعل: ماذا كنت أفعل تحديداً؟! . رأيت سيدة عجوزاً تجلس علي مقعد مقابل لي في الميدان، ثم تخرج علبة سجائر من حقيبة يدها، وتشعلها وتنفث الدخان في الهواء بانسجام. شعرت بنقمة في داخلي نحو كل الذين يعارضون فكرة التدخين في الأماكن العامة: يخافون من الموت وهو لاحقهم . تابعت السيدة العجوز تدخن علي مهل، وتراقب العالم من حولها. لم أعد أطيق البقاء في المقهي، فقررت المغادرة. اتجهت نحو المخرج، ثم توجهت إلي حيث تجلس السيدة العجوز، وجلست بجانبها. أخرجت علبة سجائري، أشعلت واحدة وبدأت أدخن. التفت نحو العجوز وقلت: يوماً ما سيمنعون التدخين كلية . نظرت إليّ بعينيين صغيرتين وانفرجت شفتاها عن ابتسامة وقالت: اليس من الأفضل لهم لو منعوا الحروب؟ . كاتب من ليبيا0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية