مرحلة جديدة ورئيس جديد للجمهورية التركية
د. بشير موسي نافعمرحلة جديدة ورئيس جديد للجمهورية التركية تنتهي في أيار (مايو) المقبل ولاية الرئيس الحالي للجمهورية التركية؛ ولذا، فمن المتوقع أن يقوم البرلمان التركي، المعروف بالمجلس الوطني الكبير، بانتخاب رئيس جديد قبل نهاية هذا الشهر. وبالرغم من أن رئاسة الجمهورية تدوم فترة واحدة من سبع سنوات، لا يجدد للرئيس بعدها، وأن رئيس الجمهورية لا ينتخب من الشعب مباشرة، ويتوقع منه الارتفاع فوق مستوي التدافع السياسي الحزبي، فإن منصب الرئيس هو منصب بالغ الأهمية. بعكس الأنظمة الجمهورية البرلمانية الأخري، كالنظام الهندي مثلاً، فإن رئاسة الجمهورية التركية ليست شرفية وحسب؛ فإلي جانب حراسة الدستور وتعهد تنفيذ الأنظمة الدستورية، فإن التعيينات التي يقوم بها رئيس الوزراء لكبار موظفي بيروقراطية الدولة والجهاز العدلي لابد أن تحظي بموافقة رئيس الجمهورية. كما يسيطر الرئيس علي مجلس التعليم الأعلي، الذي يتحكم بدوره في القطاع التعليمي، بما في ذلك رئاسة الجامعات الحكومية والترخيص والإشراف علي الجامعات الخاصة. جاء الرئيس الحالي إلي موقعه من الجهاز القضائي، وقد انتخب قبل أكثر من عامين علي النجاح الانتخابي الكبير لحزب العدالة والتنمية وتولي الحكومة الحالية برئاسة الطيب رجب أردوغان شؤون البلاد. وفي حين ينظر الرئيس إلي نفسه باعتباره الحارس لعلمانية الدولة وميراث الجمهورية المعادية للدين، فإن العدالة والتنمية حزب وطني، ليبرالي، يقوده سياسيون من خلفيات إسلامية، يرون أن باستطاعتهم تحقيق مصالحة تاريخية بين الدولة التركية الحديثة ودين الأغلبية العظمي من الأتراك. خلت السنوات الخمس الماضية إلي حد كبير من الأزمات في العلاقة بين الرئيس وحكومة العدالة والتنمية، ولكن المعروف أن الرئيس قام بتعطيل عدد كبير من التعيينات التي قررها رئيس الحكومة ووزراؤه في أجهزة الدولة ودوائرها، مما أبقي علي عدد ملموس منها كتعيينات مؤقتة. وبالرغم من الانتصار الانتخابي غير المسبوق الذي حمل العدالة والتنمية إلي سدة الحكم، والنجاح الملحوظ للحكومة علي الأصعدة الاقتصادية والدبلوماسية، فلم تزل هناك قطاعات بالغة الأهمية في الحياة التركية لم يستطع حكم العدالة والتنمية وضع بصماته عليها. وهذا ما يجعل انتخاب الرئيس القادم للجمهورية حدثاً بالغ الأهمية. أي رئيس جديد تتوقع تركيا؟ هل تشهد تركيا مطلع القرن الحادي والعشرين تكراراً لجمهورية الخمسينات من القرن الماضي؟ وهل تحمل مثل هذه الاستعادة المخاطر التي حملتها التجربة السابقة؟في 1950، حقق الحزب الديمقراطي برئاسة عدنان مندريس فوزاً انتخابياً ساحقاً علي الحزب الجمهوري الحاكم، حزب مؤسس الجمهورية وملهمها مصطفي كمال أتاتورك. ويقر عدد من المؤرخين اليوم أن المشروع العلماني الراديكالي، المعادي للإسلام، الذي قاده أتاتورك، كان قد وصل نهاية الطريق بموت المؤسس في 1938، وأن عدداً من رفاقه أنفسهم أدركوا منذ الأربعينات ضرورة التراجع عن الكثير من إجراءات جمهورية أتاتورك المناهضة للإسلام وإلا فقد الشعب التركي روحه وقدرته علي النهوض، أو تصاعدت حالة الاغتراب والخصومة بين الشعب ودولته. مهما كان الأمر، فقد جاء مندريس لينفذ برنامج مصالحة أولي بين الدولة والشعب، متبعاً سلسلة من الإجراءات، التي تعتبر اليوم بالغة البساطة والبديهية ولكنها لم تكن كذلك حينها، مثل إعادة الآذان باللغة العربية، رفع القيود عن أداء شعيرة الحج، وفتح عدد محدود من المدارس ذات المناهج الإضافية الإسلامية. وبالرغم من أنها لم تمس في أي شكل من الأشكال علمانية الدولة والحكم، فإن ما أوحت به إجراءات جمهورية مندريس، باختصار، أن الدولة لم تعد في حالة حرب صليبية ماحقة ضد الدين. المشكلة أن انتصار مندريس الانتخابي الأول لم يقف عند حد؛ وقد نجح السياسي المحافظ ابن عائلة ملاك الأراضي القدامي، وأحد الشخصيات البارزة السابقة في الحزب الجمهوري، في كسب ثلاث جولات انتخابية أخري، ليسيطر علي الحكم طوال عشر سنوات متصلة، تسلم خلال معظمها صديقه جلال بايار موقع رئاسة الجمهورية. في 1960، أصبح واضحاً لعدد من دوائر النخبة المدنية والعسكرية التركية أن لا طريقة للتخلص من حكم مندريس وحزبه إلا الانقلاب العسكري. وهذا ما حدث فعلاً. لم يخسر مندريس وبايار الحكم وحسب، ولكنهما قدما لمحاكمة انتهت بإعدام مندريس.التاريخ بالطبع لا يكرر نفسه؛ ولكن من الصعب فصل الأمم عن تجاربها السابقة. بطريقة أخري، في سياق آخر، وبقيادة مختلفة إلي هذا الحد أو ذاك، يمكن القول أن العدالة والتنمية بقيادة أردوغان يسير علي نهج الحزب الديمقراطي وقيادة مندريس. مثل مندريس، وصل العدالة والتنمية إلي الحكم بعد فترة من التدهور والاضطراب السياسي والاقتصادي، ومثله أيضاً يتبع العدالة والتنمية سياسة بالغة الاعتدال، سواء في مجال العلاقة بين الدولة والدين، أو في مجال العلاقة بين تركيا وحلفائها الغربيين التقليديين، والولايات المتحدة علي وجه الخصوص. وبعد خمس سنوات من الحكم، ليس ثمة شك كبير في أن حزب العدالة والتنمية سيحقق فوزاً ثانياً في الانتخابات البرلمانية المقرر عقدها في تشرين الثاني (نوفمبر) القادم. السؤال هو حول حجم الفوز لا ترجيح وقوعه. تعيش تركيا العدالة والتنمية نهضة اقتصادية كبري، أوصلت معدل النمو السنوي إلي سبعة في المائة؛ وفي منطقة تموج بالاضطراب وفقدان اليقين، تبدو تركيا واحة من الأمن، وتبرز باعتبارها قوة إقليمية لا غني عنها. الجهتان اللتان تقفان موقف المعارضة القاطع لحكومة العدالة والتنمية تضم تلك الدوائر الإسلامية التي تري أن الحكومة لا تبذل جهداً حقيقياً لتحقيق آمال الإسلاميين وأنها تفرط بمصالح تركية وإسلامية للحفاظ علي رضا الإسرائيليين والقوي الغربية؛ إضافة إلي الدوائر العلمانية الراديكالية التي تعتقد أن العدالة والتنمية هو في الحقيقة حزب إسلامي مقنع ينتظر فرصة ما للانقضاض علي الجمهورية وميراثها العلماني. بخلاف هؤلاء، تتمتع الحكومة الحالية بثقة ودعم الغالبية العظمي من عامة الأتراك.بناء انسجام وتوافق سياسيين حقيقيين بين الحكومة ورئاسة الجمهورية لا بد أن يكون هدفاً رئيسياً لحزب يسعي إلي ويتوقع أن يقود البلاد لخمس سنوات قادمة علي الأقل. ولأن العدالة والتنمية يملك أكثرية قاطعة في البرلمان التركي، فإن الحزب يستطيع إيصال من يريد إلي رئاسة الجمهورية. وحتي شهور قليلة، كان المرجح أن يدعم الحزب انتخاب مرشح للرئاسة ليس عضواً في الحزب ولا يعتبر من المحسوبين عليه، ولكنه من بين الشخصيات المقبولة من دوائر النخبة العسكرية والمدنية العلمانية والتي يمكن لحكومة عدالة وتنمية جديدة التعايش والعمل معها. ولكن ما يتوقع الآن هو أن يقوم الحزب بترشيح زعيمه، رئيس الحكومة الحالي الطيب رجب أردوغان، للرئاسة، علي أن يحل محله في رئاسة الحكومة وزير الخارجية عبد الله غول، ليقود من ثم الحزب في الانتخابات البرلمانية القادمة. ما قد يمنع تحقق هذا السيناريو هو ضغط معارض كبير من داخل الحزب، أو ضغط مشابه غير مصرح به من أعلي مستويات دوائر الدولة العلمانية. ولكن في حال تقدم الحزب بترشيح أردوغان فإن فوزه بمنصب الرئاسة هو أمر مؤكد.الفوائد التي سيحققها الحزب وحكومته القادمة من التوافق الفكري والسياسي بين رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية لا تحصي. ولكن ثمة مخاطر أيضاً. بين هذه المخاطر أن يغري كسب موقع رئاسة الجمهورية والانتصار المقبل في الانتخابات حكومة العدالة والتنمية القادمة في الاصطدام بقوي علمانية نافذة في جناحي الدولة المدني والعسكري، مما قد يدفع هذه القوي للجوء، مرة أخري في تاريخ الجمهورية التركية المضطرب، إلي الانقلاب العسكري، المباشر والجلي، أو غير المباشر والمقنع. إن استشعرت هذه القوي خوفاً ملموساً علي تصورها للجمهورية، فإن أحداً لا يجب أن يستبعد نزعتها الانقلابية، التي كانت وسيلتها الدائمة لمواجهة القوي السياسية المناهضة لها والتي تتمتع بمصداقية شعبية راسخة. وإن كان هناك الكثير من القوي الداخلية التي تتربص بالعدالة والتنمية الدوائر، فإن مثيلاتها الخارجية لا تقل خطراً. علي رأس الأخيرة تقف القوي الغربية الرئيسية، مثل الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية التي تعارض دخول تركيا الاتحاد الأوروبي. فبالرغم من الترحيب الغربي الظاهر بحكومة العدالة والتنمية، وما يقال أحياناً عن المثال الذي تقدمه لحكم إسلامي، علماني، معتدل ، فإن العدالة والتنمية لا يوحي بالاطمئنان في العديد من العواصم الغربية، ليس فقط لخلفية زعمائه الإسلامية، بل أيضاً لنزعتهم الاستقلالية الحذرة، ولما يعنيه نجاحهم علي المستوي الإسلامي الواسع. في حال وجدت القوي الغربية أن العدالة والتنمية أحكم سيطرته علي شؤون البلاد، وأنه باق في الحكم لفترة طويلة، فقد تلجأ للعمل علي تقويض نجاحاته الاقتصادية، أو حتي علي تشجيع الجيش للانقلاب عليه. الانقلاب العسكري لن يريح أطرافاً متعددة من حزب خرج من لا مكان ليحقق النجاح تلو الآخر وحسب، بل وسيريح أوروبا أيضاً من معضلة التعامل مع الطلب التركي دخول الاتحاد الأوروبي، متذرعة بتدخل الجيش في الحكم.الذين يستبعدون مثل هذه المخاطر يقولون التالي: ان تركيا الحالية تخلصت نهائياً من شبح الانقلابات العسكرية. أولاً، لأن الشعب التركي لم يعد مستعداً للسكوت علي الانقلابات العسكرية، وأن قيادة الجيش تعرف هذا جيداً. ثانياً، أن دور المؤسسة العسكرية التقليدي في السياسة، الذي مارسه الجنرالات في السابق عبر مجلس الأمن القومي، قد تقلص إلي حد كبير بفضل الإصلاحات الدستورية التي أنجزت خلال السنوات القليلة الماضية. ثالثاً، أن تلك الإصلاحات قد تمت بطلب أوروبي أصلاً، وبهدف وضع تركيا علي طريق الانتساب للاتحاد الأوروبي وكشرط لكسب العضوية الكاملة فيه بعد زمن ما. فكيف يمكن لأوروبا أمام العالم (والعالم الإسلامي علي وجه الخصوص) اشتراط ابتعاد الجيش عن السياسة والتشجيع علي الانقلاب العسكري في الوقت نفسه؟ وأخيراً، إن كل الانقلابات العسكرية السابقة وقعت علي خلفية أزمات داخلية سياسية أو اقتصادية أو أمنية، وتركيا اليوم لا تواجه مثل هذا الوضع الذي يمكن أن يستخدم مبرراً لانقلاب الجنرالات علي السياسيين.تركيا، علي أية حال، مقبلة علي مرحلة جديدة في تاريخها الحديث. إن نجح خيار المصالحة الديمقراطي، التدريجي، بين الدولة والإسلام، فستكون له آثار كبري علي كل الجوار الإسلامي. وإن فشل، فستكون آثاره أكبر بالتأكيد. 9