وعل في الغابة
أمجد ناصروعل في الغابة(أنا رياض الصالح الحسينعمري اثنتان وعشرون برتقالة قاحلةومئات المجازر والانقلابات).لعل هذه اول مرة يذكر فيها شاعر عربي اسمه كاملا في قصيدة له.ذكر الاسم ليس انفلاتة نرجسية من (أنا) متضخمة، ولا تنفجا فجا، انه الدمغة الشخصية التي يحيل الشاعر، من خلالها، عمله الي شخصه المتناهي وحياته التي ينهبها اليومي، فيما يتكفل المقطع الذي يليه بالاحالة الي ما هو اعم، وما كان شغل النخبة الثقافية اليسارية العربية الشاغل، في سبعينات كانت فيها الانقلابات (اصطلاحا او مجازا) ممكنة.هذه الخلطة المحكمة بين الشخصي والعام هي التي قدمت قصيدة الشاعر السوري الراحل رياض الصالح الحسين الي قارئه، علي خلفية غنائية أسية خفيفة، ولكن، ابدا، غير متفجعة ومنثالة. سيترك الزمن ـ الحاصد رياض الصالح الحسين يتم اربع مجموعات شعرية ثم يختطفه، تاركا كثيرين غيره، يواصلون (ضعف عمر الشاعر الراحل تقريبا) بناء قصائدهم سطرا سطرا، وقد لا يبلغون، بمسعاهم المثابر، شباب رياض الصالح الحسين الشعري المغدور.***في العام 1979 صدرت في بيروت مجموعتي الشعرية الاولي (مديح لمقهي آخر)، وفي دمشق صدرت مجموعة رياض الصالح الحسين الاولي (خراب الدورة الدموية). قبل ذلك زرت دمشق اكثر من مرة، وفي كل زيارة كنت اري رياض الصالح الحسين في (اللاتيرنا) او غيره من مقاهي العاصمة السورية. كان الشاعر السوري اصم. لكن بقايا اغان قديمة، من عمر سابق، ظلت تتموج في أذنيه اللتين فقدتا السمع بيد أنهما، مع ذلك، قادرتان علي التقاط رفيف جناح فراشة علي سطح القمر. بوسعه قراءة حركة الشفاه الضاحكة او المزمومة، تأوهات القلوب الجريحة، ولكن عندما يتعقد الكلام (الثقافي) ولا تعود الشفاه قادرة علي نقل ادعاءته يدون له الاصدقاء ملاحظات مكتوبة. كان رياض الصالح الحسين ظاهرة. له قصيدته اليومية الغنائية اليسارية الطالعة من ارث الماغوط، الذاهبة مباشرة الي يوميّ ملموس ومتعين، اكثر مما هي عليه قصيدة الماغوط. لم تنعقد بيني ورياض الصالح الحسين صداقة سريعة كما حصل مع عدد من شعراء وكتاب جيله (جميل حتمل، بندر عبد الحميد ، بشير البكر، عادل محمود، خليل صويلح، حسان عزت، فراس السواح). لا اعرف سبب بقاء علاقتنا علي هامش لقاءاتي بالشعراء والكتاب المذكورين الذين تحلق بعضهم حول كراسات سرية خطرة، كان يشرف علي اصدارها جميل حتمل. لعل اعاقة السمع هي السبب. لعله خجله. لكن ذلك لم يمنعني من رؤية ألمعيته الشعرية، بل تفوقه علينا في بناء قصيدة تشبه حياته.جئت شعريا من الوزن (التفعيلة) وجاء هو مباشرة مما يسمي عربيا (قصيدة النثر). حمل ديواني الاول الصادر في العام نفسه الذي صدر فيه ديوانه الاول التباس (التفعيلة) بـ (النثر)، فيما كان عمله الاول صافيا في رؤيته الشعرية والاسلوبية. كانت قصائدي (بروفة) لقصيدة لاحقة، فيما تجاوزت قصيدته التدريب الي عرض فوري ناضج. وعندما كنت ازور اهلي في الامارات بعد حصار بيروت توفي رياض الصالح الحسين بـ (خطأ) طبي في مشفي (المواساة) الذي سيموت فيه بـ (خطأ) طبي، بعد سنين قليلة، غالب هلسا.***نحن أبناء جيل واحد. تفصل بيني وبينه سنة. مات هو في اواخر عام 1982 عن اربع مجموعات شعرية وثمان وعشرين سنة وأذنين تصغيان، من دون شبهة رومانسية، الي رفيف جناح فراشة علي سطح القمر، ووصلت أنا الي الخمسين بشعر رمادي وسحنة مكفهرة وأذنين معبأتين بضجيج المدن وتقصف الاحلام وشهقات الاوطان في نزعها الاخير.ما مناسبة الحديث عن ذلك الشاعر الجارح؟انها اعماله الشعرية التي جمعها وقدمها، الكترونيا، الشاعر السوري خلف الخلف المشرف علي موقع (جدار) الالكتروني الرصين.اعادت الي هذه الاعمال ذكري الشاعر الر احل باكرا واعماله التي لم تطبع ورقيا مرة ثانية، رغم انه الموهبة الابرز في شعر السبعينات السوري. اما لِمَ المقارنة بيني وبينه؟انها المفاجأة التي طلعت الي طازجة من اواسط السبعينات اثناء مطالعتي هذه الاعمال مجددا بعد انحسار ضجيج صراعات التفعلية والنثر، اليومي والميتافيزيقي، التفصيلي والجوهري، ولم يبق، علي ما اظن، من كل ذلك سوي الشعر في اي شكل كان.كان علي (وربما علي غيري من شعراء جيله) ان يصلوا الي الخمسين ليزعموا امتلاك قصيدتهم، بينما امتلك رياض الصالح الحسين قصيدته، دفعة واحدة، قبل ان يبلغ الثلاثين. هناك شعراء يرأف بهم الزمن. يعطيهم فرصة بناء قصيدتهم سطرا سطرا، فيما هناك شعراء يتحققون، بمواهبهم الفذة، من اعمالهم الاولي. انا (وكثيرون مثلي) من الذين يحظون، بزلفي ماكرة، بنفحة من رأفة الزمن القاسي، بينما لم يكن رياض الصالح الحسين ممن يتزلفون الي الزمن، ممن لم يحتاجوا الي رأفته، فقصيدته جاهزة وبصمته حاضرة منذ توقيعه الاول، وليركب الزمن اعلي خيوله.***تنتسب قصيدة رياض الي الماغوط. هذا، تقريبا، لا شك فيه. لم ينج شاعر في جيله من (حزن في ضوء القمر)، لكن هذا النسب الاول لم يكتف بملامح الماغوط الساخطة ، برومانسية متأخرة، علي الواقع، بل اصغي الي ما يحفل في قلب اليومي (الصاخب عند الماغوط) بأذن اكثر رهافة وعين اشد دقة، واضاف، الي اليومي الحار والمتحرك، رؤيا تنفذ الي ما ورائه.رياض الصالح الحسين، عندي، مزيج من نزعتين: احتجاجية ماغوطية وتأملية ريتسوسية. هناك اكثر من نموذج يشير الي هذا الامتزاج البارع والشخصي. قصائده عن الموت، مثلا. قصيدته (الخنجر) تحديدا:(الرجل ماتالخنجر في القلبالابتسامة بين الشفتينالرجل مات الرجل يتنزه في قبرهينظر الي الاعليينظر الي الاسفلينظر حولهلا شيء سوي الترابلا شيء سوي القبضة اللامعة للخنجر في صدرهيبتسم الرجل الميت ويربت علي قبضة الخنجرالخنجر صديقه الوحيدالخنجر ذكري عزيزة من الذين في الاعلي).هذه ملامح ريتسوسية بامتياز: الموت العادي، العنف غير المدوي، الهجران، الاموات الذين يتجولون في امكنتهم الاولي او الذين ينظرون، باشفاق، الي من لا يزالون يدبون فوق التراب.لا تتسع هذا الوقفة السريعة امام شعر رياض الصالح الحسين الي تقليب اوجه منجزه، انها تحية لشاعر حي من جيلنا والي وفاء جميل ابداه شعراء لاحقون حيال هذا الشاعر الذي لا يذكر الشعر السوري السبعيني من دون ان يكون في قلبه. شكرا لخلف الخلف وسوزان عليان وغيرهما ممن جعلوا منجزه متاحا علي الوسائط عابرة الرقابات.0