فئران أقل بياضا
خيري منصورفئران أقل بياضاليس فقط لأنها حقنت علي امتداد تاريخها بسموم تكفي لتلقيحها ضد الابادة النووية، وليس لأنها عديمة اللون لهذا أصبح اسمها لونا فيقال فئراني … وليس لأن جماجمها امتازت عن سائر الكائنات بمرونة مطاطية تتيح لها الدخول من كل الجحور حتي لو كانت فوهة أحدها لا تتجاوز قطر خاتم الاصبع الصّغير… وليس لأنها استبقت البقر بجنونه والطيور بزكامها الوبائي بطاعون حوّل حضارات الي اطلال.. وليس لأن انهيار سدّ مأرب ينسب اليها، فهي الكائن الذكي اللبون المراوغ الذي يتقن التخفّي، ويدين لذاكرة الرّعب بالرشاقة والطيران بلا أجنحة.والفئران الأقل بياضا هي الأشد فئرانية، لهذا استبعدت من المختبرات، وبقي الأبيض شبه الأليف ضحية التجريب، لأنه يمتاز بشبقية نادرة بين المخلوقات، ويتكاثر باصرار لمعرفته بأن ذريته كلها مطلوبة ومحكوم عليها بالاعدام منذ الولادة في الجحور!وما كنت لأكتب عنها لولا استضافها جون شتاينبك والبير كامو ودانيال ديفو وآخرون، ولولا ان تجربة مثيرة حدثت في أمريكا اللاتينية قبل نصف قرن اختصرت عليّ الطريق، لأقول في سطور ما كان يحتاج الي صفحات..ففي جامايكا انتشر قبل خمسة عقود الرّعب من غزو الفئران للجزيرة، ولم يكن الخوف من الطاعون فقط، بل لأن هذه المخلوقات التي تعيش في جيوب خفية أهلكت المزروعات ولم يسلم منها حتي الحديد…ووجد أهل جامايكا من يقترح عليهم حلاً غير المبيدات التي أثبت الفأر أنه قادر علي تحويلها الي عافية، لفرط ما تلقّح بها ضدّها، بحيث اصبحت المضادات البشرية وليس الحيوية فقط، كان الاقتراح هو ببساطة احضار اعداد كبيرة من النموس، لأنها عدو تقليدي للفئران، وبالفعل أتت النّموس خلال ايام علي كل الفئران في الجزيرة، لكنها أكملت المهمة بالتهام وتحطيم كل شيء آخر..وقد أعانتني هذه الامثولة علي تفسير ظاهرة مزمنة في التاريخ، وبالتحديد تاريخنا العربي منذ لجأ امرؤ القيس الي القيصر طلبا للنجدة ضد أبناء جلدته وتهرأ جلده حتي مات غريبا في جبل عسيب، مرورا بالغساسنة والمناذرة، وكل الحالات التي استعان فيها المنكوبون بالنموس، فأصبحوا يحنّون الي زمن الفئران .لقد استعان العرب بالغرب الاتكولونيالي ضد الامبراطورية العثمانية الدرداء، وكان سايكس ـ بيكو اول الغيث ثم تكررت التجربة بعد تسعين عاما، وها هي النّموس تمتص نخاع البشر وليس الفئران فقط!ہہہفي رواية البير كامو الطاعون، يتحول الفأر الي رمز، وكان بعض النقاد يظنون ان كامو كان قد اتخذ من مدينة وهران الجزائرية ساحة لرواية قابلة للتأويل السياسي، بحيث قريء الطاعون علي انه الاحتلال، ثم قفز الي المشهد قس ايرلندي جريء اسمه الفرد اوبراين… وتساءل لماذا اطلق كامو اسماء فرنسية نموذجية وتقليدية علي اسماء ابطاله من عرب وهران؟واستنتج القس الحصيف ان كامو كان يحمل في لا وعيه موقفا سياسيا وثقافيا لم يستطع التحرر منه، والعبارة التي قالها القس اوبراين بالغة الكثافة ومشحونة بذكاء نادر، فقد قال ان جرثومة الطاعون في الرواية اصابت عدواها المؤلف أيضا!واستعان القس وعدد من نقاد كامو الذين اعادوا قراءته بما كتبه عدة مرات عن أمه التي كانت تعيش في حيّ بلكور بمدينة الجزائر، ولو لم تكن أمه تعيش في ذلك الحي لتغيّر الأمر!وتلك بالطبع حكاية يطول فيها السّجال، والعود الي الفئران الأقل بياضا هو الأحمد في هذا السّياق …وما ينسب الي الفأر من ذكاء مكتسب بسبب تراكم الخبرة في الدفاع عن النوع، لا يصمد كثيرا امام حكاية شعبية فلسطينية سمعتها قبل اعوام من سيدة طاعنة في اللجوء والسنّ معاً!كانت تصف لي الاحتلال الذي شهدت فصلين من فصوله عامي 1948 و 1967، ثم انتهت الي وصفه بالفأر الصغير الذي استطاع ان يثقب ثمرة يقطين في أحد الحقول، واستمرأ الفأر الاقامة داخل الثمرة لأنه كان يأكل من محتواها ومن بذورها ويسمن، وكلّما أكل منها شعر بأنها تتسع له بحيث يستطيع التثاؤب، لكن مرور الوقت أدي الي ما لم يتوقعه الفأر الأقل بياضا… وهو ان جوف الثمرة قد يبس، وتصلّب، ولم يبق داخلها ما يكفيه ليعيش.. بالاضافة الي أن جسده كبر، وكان عليه لكي يخرج من الزنزانة احد الأمرين: اما الانتظار اسابيع من الجوع كي يصاب بالهزال، او البقاء حبيسا حتي الموت، لأن قشرة الثمرة تصلبت وأصبحت اشبه بمحارة، رغم ان الذي في داخلها فأر وليس لؤلؤة!وحين سمعت حكاية تلك العجوز توقفت لأسبوع علي الاقل عن القراءة، متأملا البعد التأويلي للحكاية التي ساهم في تأليفها الانسان والشجرة، وهما التوأمان الحميمان في كل ريف، واللذان يتحولان الي كائن واحد عندما يتناغم صوت الجرافة والدبابة!هكذا ينتهي الفأر الأقل بياضا الي خاتمة غير سعيدة رغم تسلحه بالذكاء والحذر المبالغ فيه والذي يفضي حتما الي تعثّر…والفأر الذي خدع الأسد، تخدعه قطعة جبن متعفّنة في فخّ واحيانا ثمرة يقطين مهملة علي قارعة حقل او طريق!ہہہفي احدي التجارب العلمية، التي اجراها العالم اردري علي الفئران الأقل بياضا، اتضح له أن الفأر هو الذكر الوحيد بين عدة ذكور من مختلف الانواع الحيوانية الذي يمارس الجنس حتي الموت اذا اتيح له ذلك بطريقة غير تقليدية، وملخص التجربة: وضع العالم سلكا كهربائيا يؤدي لمسه الي رعشة جنسية اورغيزم وحين اجري التجربة علي عدد من ذكور الحيوان وجد انها تكتفي برعشة او رعشتين، اما الفأر فقد واصل حتي الانتحار …والتفسير الوحيد لشبقية الفأر هو دفاعه عن النوع بواسطة الافراط في التكاثر، فهو يلد منذ بدء الخليقة ولائم للقطط ثم اصبح يلد ذرية للمبيدات والسموم التي غالبا ما تجرّب في جسده ..واخيرا اصبح يلد للمختبرات كي يفتدي الانسان وينوب عنه في الموت والتشوّه وكل ما تفضي اليه التجارب غير الناجحة!نعرف بالطبع ان ما من احصائية لعدد الفئران في هذا الكوكب، لأنها تعيش في عالم سرّي، لكنها تندلع من جحورها عندما تأزف الفرصة الطاعونية المرتقبة، ورغم انها تموت في الشوارع والساحات وعلي مداخل البيوت، الا انها تستمريء هذا الانتحار لأنه يؤدي الي انتقام من عدوّها التاريخي وهو الانسان لا القط …فالفأر أدمن عدوه الثاني وهو القط، لهذا لا يهرب منه، ويقال انه يصاب بقشعريرة تصيبه بالشلل فيمكث في مكانه وقد يتسلي به القط طويلا قبل ان يأكله كأن يشيح عنه قليلا ويوفر له فرصة الفرار…لكن سادية القط أدت الي مازوشية الفأر وهكذا أصبحت العلاقة بلا تاريخ، لأنها تكرار سقيم لحادثة واحدة وقعت قبل عدد لا نعرفه من القرون!ہہہبالطبع هذه ليست مقالة في علم الأحياء، والفأر الأقل بياضا كما يرد فيها هو اسم حركي او مستعار لشيء آخر له تاريخ.وفي الثقافة تزدهر ثنائية الفأر والقط علي نحو لا ينافسه الا ما يحدث في عالم السياسة وأنظمة الحكم الاستبدادية، اذ سرعان ما تتحول سادية المسيطر وصاحب النفوذ الي نقيضها المازوشي لدي الضحية.ان هذا بالضبط ما اصاب النساء اللواتي خضعن لأيديولوجيا الذكورة ستة آلاف عام، ومنهن من احترفن عداء زميلاتهن اللواتي اعلنّ العصيان علي هذا القدر التاريخي الذي لم يتحوّل الي قضاء الا بفضل التواطؤ، وخضوع الضحية.وما يقال عن نساء تقمّصن الفئران أمام القطط الذكورية يمكن ان يقال بقدر اكبر عن مجموعات بشرية أدمنت الخضوع وقررت ان الكف لا تقاوم المخرز، لأنها لم تعترف بعد بدور الكف في الكتابة والرسم والنحت والعزف، وكأن الكف خلقت للصفع فقط عندما تتوفر المقدرة!ان نظرية الحكّ المتبادل في السياسة والثقافة ذات جذر فئراني بامتياز، وهذا ما يقوله علماء انثروبولوجيا غالبا ما يفضلون التعبير عن الشجون البشرية من خلال شجون حيوانية.فكما أن هناك انسانا أسدا، يوجد بالمقابل انسان ضبع، وآخر ثعلب وثالث ثعبان، والفأر الأقل بياضا ليس فقط من خلال درجات اللون، فالبياض سايكولوجيا أيضا، لهذا لم يجد جان بول سارتر في دراسته المعمّقة عن بودلير أفضل من وصفه بأنه أدرك في طفولته بأنه شحرور في سحابة الغربان، وحين لمح لون جناحه بدأت الدراما التي انتهت بانتحاره الداندي والمازوشي سواء من خلال العلاقة مع جان دوفال او من خلال اعلان الحرب علي زوج الأم …وهذا ما عبّر عنه ايضا وليم بليك عن النّمر الذي وضع منذ الولادة مع قطيع الغنم، ثم اكتشف ذات ظهيرة أمام صفحة الماء بأنه نمر وليس خروفا!0