دول الخليج تخشي من التهديد الايراني واحتمال اندلاع مواجهة عسكرية جديدة قد تُدمر كل شيء
دولة قطر تواصل اندفاعها نحو الحداثة والازدهار الاقتصاديدول الخليج تخشي من التهديد الايراني واحتمال اندلاع مواجهة عسكرية جديدة قد تُدمر كل شيء سوق الدوحة القديم يسمي سوق الوقيف ، إلا أن المحليين يسمونه السوق الايراني وذلك بسبب السيطرة البطيئة، ولكن العنيدة، الزاحفة للتجار الايرانيين علي البسطات والحوانيت في الأزقة الضيقة. هؤلاء التجار غادروا بلادهم خلال القرن الماضي واستقروا هنا وعلي الشواطيء الساحلية الاخري التي تحولت في وقت لاحق الي مدن غنية مشرقة بفضل الذهب الاسود .دول الخليج تخشي من التهديد الايراني واحتمال اندلاع مواجهة عسكرية جديدة قد تُدمر كل شيءرغم ملكية الايرانيين لأجزاء واسعة من السوق، إلا أنك تجد نوافذ اغلبية الحوانيت مغطاة بالعملات العراقية القديمة التي تظهر عليها صورة صدام حسين. هذه الأوراق النقدية التي أصبحت عديمة القيمة لا تُستخدم كعملة في عاصمة قطر، كما ان المسألة ليست عبارة عن جمع العملة القديمة. هذه الأوراق النقدية ترمز الي اطلاق رسالة سياسية مغزاها التضامن مع الطاغية العراقي الذي جري إعدامه قبل اربعة اشهر. قبل غزو الامريكيين للعراق كان صدام حسين الشخص الأكثر كراهية في الخليج ، قال أحد باعة الحوانيت، أما اليوم فقد تغير الموقف منه، والكثيرون يرون أن الوضع في العراق أصبح أشد سوءا مما كان عليه في ظل صدام حسين، كما أن إعدامه علي يد خصومه الشيعة قد حوّله الي بطل بالنسبة للسنيين. الناس أدركوا فجأة أن التهديد الايراني ـ الشيعي ليس وهميا، وانما هو مسألة واقعية، وبدأوا يرون انهم سيصبحون الضحايا القادمين بعد صدام . في هذا الاسبوع سمع سكان قطر ايضا، وغيرها من إمارات الخليج، الرئيس الايراني محمود أحمدي نجاد وهو يصرح بأن بلاده قد بدأت في انتاج الوقود النووي الصناعي، وأنه لا ينوي الخضوع للضغوط الدولية. خطابه الحماسي هذا، والي جانبه المظاهرات الحاشدة التي نُظمت في هذا الاسبوع في العراق ضد الوجود الامريكي، ذكّرت الكثيرين في المنطقة بأنهم يجاورون بركانا غاضبا. كثيرون في قطر ايضا أدركوا انهم لا يستطيعون مواصلة دفن رؤوسهم في الرمل، والملذات المُترفة لمدة طويلة قادمة. تصريح أحمدي نجاد أثار صدي هائلا في دول المنطقة التي يعمل حُكام العديد منها من اجل تخفيف التوتر المتزايد بين جارتهم النووية والأسرة الدولية. في الخليج كما في كل أرجاء العالم العربي يميل المواطنون الي إبداء تفهم معين لادعاءات طهران بصدد حقها في تطوير الطاقة النووية للأغراض السلمية. من الناحية الاخري يُسمع الخوف في أروقة الحكومات من تحول ايران الي دولة نووية. الناس في الخليج ينظرون بارتياب كبير الي الايرانيين ، يقول مصدر رسمي في الدوحة. ايران كانت علي الدوام دولة كبيرة ذات ميول توسعية، ونظرت علي الدوام بعيون جائعة الي الجانب الآخر من الخليج. من المحظور ايضا تناسي كون قطر وايران تتقاسمان في مناطقهما الاقليمية البحرية أحد حقول الغاز الطبيعي الأكبر في العالم. صحيح أن ايران لم تبدأ بعد في استغلال هذا الحقل، إلا أن احتمالية الاحتكاك قائمة وقد تتجسد في كل لحظة . الناطقون بلسان النظام الايراني يبذلون جهودا كبيرة لحشد تأييد العالم العربي للمشروع النووي في بلادهم. دعم قطر هام للايرانيين بصورة خاصة بسبب عضويتها المؤقتة في مجلس الأمن. الايرانيون يُشبهون كفاح أحمدي نجاد ضد الإملاءات الغربية خلال خطاباتهم أمام الجماهير العربية بالمواجهة التي جرت بين الرئيس المصري جمال عبد الناصر وبين الغرب عندما قام بتأميم قناة السويس. سكان الخليج يستمعون لهذه التأويلات مع شعور كبير بالخوف والخشية. من الواضح لهم أن المصادمة العسكرية بين امريكا وايران ستشعل المنطقة كلها، وأن دول الخليج هي التي ستدفع الثمن.رضا، هو طالب ايراني يبلغ من العمر 25 عاما، وُلد وما زال يعيش في قطر، يقول بأن الكثيرين من اصدقائه الايرانيين الذين وُلدوا في قطر لم يعودوا يعتبرون انفسهم ايرانيين، ويشعرون انهم يبتعدون عن ايران في اطار هويتهم الجديدة، واغلبيتهم لم يعودوا يسافرون لزيارة عائلاتهم هناك. نحن لا نريد أن يقوموا بتجنيدنا للجيش، ولا نشعر بالتضامن مع أحمدي نجاد. مشكلة ايران الكبري هي أن النظام القديم في ظل الشاه كان منفتحا جدا، أما الحالي فمنغلق جدا. ايران بحاجة الي نظام يكون في المنتصف ، قال.أكثر كِبرا وأغلي ثمناالشعور بالتهديد السائد اليوم في إمارات الخليج ينبع في الأساس من أن اغلبية هذه الدول قد اجتازت في السنوات الأخيرة انقلابا فكريا، واستثمرت اموالا ضخمة في تحويل انفسها الي بؤر اقتصادية ريادية في العالم. كل هذه الجهود قد تذهب هباء منثورا اذا اندلعت الحرب في المنطقة مرة اخري.في قطر بدأت الطفرة في أواسط التسعينيات بعد أن قام الأمير الحالي الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني باقالة والده العجوز. خلال سنوات قليلة قام الأمير الجديد بتحويل بلاده من دولة مجهولة تعيش في ظل السعودية وتحت سيفها الي مركز عالمي. الامر بدأ مع محطة الجزيرة التي تحولت الي قوة اعلامية عظيمة، واستمر من خلال شركة الطيران الوطنية الصاعدة التي تحولت الي احدي الشركات الريادية في العالم. الآن تسعي قطر الي دخول التاريخ باعتبارها الدولة العربية الاولي التي ستستضيف الاولمبياد الدولي. البطولة الآسيوية أسياد قد نُظمت هناك في شهر كانون الاول (ديسمبر) الماضي بوجود أحمدي نجاد وبشار الأسد واسماعيل هنية.الساخرون يقولون ان قطر ليست أكثر من محطة تلفزيونية، وشركة طيران تملكان دولة. امريكي يقيم في الامارات يرفض ذلك قائلا أن لدي القطريين الكثير من المال، وانهم يقومون بهذا المال بأمور ايجابية ويستثمرون في المستقبل، في الدمقرطة والتعليم وزيادة الشراكة بين المواطن والسلطات خلافا للدول الاخري مثل روسيا أو فنزويلا. هذه خطوات صغيرة ربما، حسب رأيه، إلا انها خطوات هامة. فقطر دولة صغيرة وغنية وطموحة، وهي تريد دورا أكبر لنفسها في العالم. القطريون يقومون بجهود كبيرة من اجل تحقيق هذا الهدف، وهم يجلبون الي هنا أناسا من كل العالم بما فيهم من اسرائيل .في الـ 11 كيلومترا المربع، التي هي مساحة قطر، يقطن 900 ألف شخص، ولكن 120 ألفا منهم فقط هم مواطنو الدولة. كل الباقين هم من العمال الاجانب الذين جُلبوا من كل أنحاء العالم وخصوصا من آسيا، حتي يقوموا بقيادة السيارات العمومية ويبيعوا في الحوانيت ويُنظفوا الشوارع. القطريون لا يحبون العمل فعلا، ولا يقوم أحد بإجبارهم علي ذلك في الوقت الحالي.ظروف حياة العمال الاجانب أفضل منها في بلادهم الأصلية، ولكن الأسعار المرتفعة لا تتيح لهم المجال لتوفير الكثير. هم يضطرون الي تقاسم المنازل حتي يتمكنوا من دفع أجورها المرتفعة (500 ـ 600 دولار لشقة مساحتها 35 مترا مربعا) والتمتع قليلا بأوقات فراغهم في أحد المراكز التجارية الضخمة وارسال المساعدات لعائلاتهم في بلادهم. كثيرون منهم لم يروا أبناء عائلاتهم منذ سنين عدة. هم لا يستطيعون جلب عائلاتهم الي قطر من جهة، واذا غادروا الدولة لفترة قصيرة فلا يوجد تأكيد بأنهم سيتمكنون من الحصول علي تأشيرة العودة اليها، من الجهة الاخري. من تحت السطح يسود شعور بالمرارة. العمال الاجانب يرون كيف تظهر ناطحات السحاب في أرجاء الدوحة والجزر الاصطناعية والحوانيت المليئة بكل شيء. كما يرون القطريين وهم يسافرون في سياراتهم الحديثة المرتفعة الأثمان التي قد تصل احيانا الي مليون دولار. قطر ومواطنوها مصابون بداء العظمة الصارخ: كل ما يفعلونه يجب أن يكون الأكبر والأغلي ثمنا. مطار الدوحة الجديد الذي بُني بمبلغ 8.5 مليار دولار سيكون أحدث وأغلي مطار في العالم، وسيقدم في سياق ذلك خدمات منتجعية وامكانية الحصول علي مساج تايلندي للمسافرين والمارين. في الآونة الأخيرة تم تدشين المجتمع التجاري ولاجيو في أحد ضواحي المدينة، وهو أحد مراكز الشراء الأكبر في العالم. والي جانب الميناء القديم سيتم بعد اشهر قليلة افتتاح متحف جديد للفنون الاسلامية، ليضم بين جدرانه مجموعة من التحف الأكبر عددا في المعمورة. في الدوحة وقطر كلها لا يتوقف البناء العمراني، ولكن كل هذه الاستثمارات الهائلة قد تذهب سُدي اذا نشبت في المنطقة مجابهة عسكرية لا يمكن لأحد أن يتوقع نتائجها. القطريون مثل جيرانهم قلقون ايضا من نتائج انسحاب الامريكيين من العراق، وانزلاق العنف الطائفي المتفشي في العراق الي بلادهم ايضا. المجتمعات العربية ترتكز علي الاختلاف والتمايزات ، يحلل أكاديمي قطري. حتي بين أهل السنة توجد اختلافات في الآراء مثلما يوجد في اسرائيل وفي العالم كله. حسب رأيي هذه ظاهرة ايجابية خصبة. المشكلة هي أن العالم العربي لا ينجح في استغلال ذلك من اجل منفعة الجميع. المشكلة الاخري هي أن العرب يفكرون دائما بأن الآخر هو الذي يتسبب في مشاكلهم ويربح منها. نحن لا نقوم أبدا باعتبار أنفسنا مسؤولين عن مشاكلنا، وقد آن الأوان حسب رأيي للتوقف عن الالقاء باللائمة علي الآخرين. الهدف الأعلي هو التوصل الي التعايش بين الجميع بما في ذلك مع اليهود والمسيحيين. الداعية الديني المعروف، يوسف القرضاوي، يقول هنا في قطر ان التعايش مع اليهود يمكن ان يتم فقط من خلال القنابل البشرية ، يواصل الاكاديمي القطري. أنا اعتقد ان هذا خطأ. هناك مشاكل مع اسرائيل ومع الولايات المتحدة ومع ايران، ولكن من الممكن حلها كلها بواسطة الحوار اللفظي. الارهاب نابع من ثقافة الكراهية التي تنشر في المدارس والمؤسسات الدينية. الدافع الذي يقف من وراء المجموعات المتطرفة هو رغبتها في الوصول الي الحكم. حماس ايضا وحزب الله يريدان القوة والحكم. في اسرائيل من يريد الحكم يفعل ذلك بواسطة الانتخابات والطرق السلمية، أما في الدول العربية فالأمر يتم من خلال القوة والعنف . العرب لم ينجحوا حتي اليوم في بناء نموذج ديمقراطي، وهذا الامر يحول دون التقدم والازدهار في العالم العربي. المفكرون في العالم العربي لا يلعبون الدور المتوقع منهم. قدرة التأثير علي مؤيدي الاصلاحات قليلة فقط، ولكن عليهم أن يواصلوا ضغوطهم. في بعض الدول تم تحقيق تغيير حيث جاء إثر الضغط الخارجي، الامر الذي يتوجب تأييده. الضغط الامريكي بعد أحداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) أعطي ثماره: النساء أصبحن في مناصب حكومية وزارية بما في ذلك في قطر ايضا. هن يشاركن في الانتخابات ويقمن حتي بقيادة السيارات. قبل خمس سنوات لم يكن ذلك ممكنا .مناخ تحت الرقابةمن يقف من وراء اغلبية هذه الاصلاحات في قطر هو الشيخة موزة، زوجة الأمير الثانية، التي تشغل منصبا مركزيا في ادارة الشؤون الداخلية للدولة. صندوق قطر الذي أسسته بادر الي اقامة مجمع تربوي اكاديمي تنشط فيه خمس بعثات لجامعات امريكية معتبرة. كما أن جامعة اخري ستفتح لنفسها فرعا هناك عما قريب، ويجري التخطيط لمجمع علمي تكنولوجي. الفكرة التي تقف من وراء هذا الاستثمار الهائل ، يوضح أحد المحاضرين الامريكيين الذين يعملون في ذلك المجتمع التربوي، هي الرغبة في منع فرار الأدمغة الي خارج الدولة. تجربة القطريين تشير الي أن من يتوجه للدراسة في الخارج لا يعود، ولذلك فكروا بمجابهة ذلك من خلال جلب الجامعات المعتبرة الي البلاد في ظل الدراسة المجانية بدلا من دفعهم للسفر اليها . في اوساط الطلاب القطريين، بالمناسبة، يزيد عدد النساء علي الرجال. قطر تبني لنفسها مكانة دولية متميزة بفضل قدرتها الاستفزازية ، يُقدر ممثل اوروبي. هم يريدون نيل إعجاب الجميع، ولكنهم ينجحون في إثارة غيظ الجميع . ربما لانهم لا يُعبرون عن تأييدهم الواضح والقاطع لأي طرف من الأطراف. مع اسرائيل مثلا توجد لقطر علاقات رسمية منذ 11 عاما، ولكن في المقابل توجد لها علاقات ممتازة ايضا مع ألد أعداء اسرائيل. الشيخ القرضاوي يحرض من مسجده في الدوحة ومن خلال برنامجه في قناة الجزيرة ، ضد الغرب والولايات المتحدة واليهود واسرائيل ـ ولكن القطريين يدعون في نفس الوقت أنهم حلفاء للامريكيين.القطريون يصدون هذه الانتقادات الموجهة اليهم في هذا السياق مدعين انهم لا يريدون المس بحرية التعبير. أولم يُطالَبوا في نهاية المطاف بتطبيق الدمقرطة؟ بالفعل، من الناحية الرسمية توجد هنا مسألة واحدة خاضعة للرقابة ـ حالة الطقس. لماذا؟ لان القانون يحظر علي الناس التوجه الي العمل عندما تتجاوز درجة الحرارة خط 42 فما فوق. في ايام الصيف القائظة عندما تصل درجة الحرارة الي 50 درجة يواصل الراصدون الجويون القطريون اعلام الناس بأن درجة الحرارة قد وصلت الي 42 فقط حتي يواصل الناس ذهابهم الي العمل، والفقاعة الصحراوية التي تنقسم بين المتناقضات وتحاول السير بين النقاط تواصل تدحرجها.الداد بيك ـ الدوحةكاتب في الصحيفة(يديعوت احرونوت) 13/4/2007