في انتظار جودة

حجم الخط
0

في انتظار جودة

عزت القمحاوي في انتظار جودةكبرنا. والنخيل الذي كانت عراجينه ترضع من طين الأرض كبر، لكنه لم يستطع النمو بالسرعة التي نبتت بها الأبراج الشاهقة علي كورنيش الدوحة. مقهي الصيادين تخلص من اسمه القديم، من غير أن ينسي إضافة تكلفة الاسم العولمي، مع الطريقة الجديدة المتأنقة في الخدمة إلي الفاتورة. وعلي الأصح؛ لم تكن هنالك من فاتورة في ذلك الوقت، ولم يكن لدي النادل المصري كمبيوتر ولا أرقام طاولات ولا ببيون يطوق عنقه. كل شيء تغير، لكن أحداً لم يقتلع أنفاسنا ولا أشياءنا الصغري التي تركناها هناك، وقد خلت أنني لو قلبت في صندوق مهملات المقهي فقد أعثر علي بقايا سندويتشاتنا التي كنا نحملها إلي هناك ونحبس بعدها بالشاي والشيشة. يا الله! ماذا يتبقي من الإنسان، إذا كان يترك بعضاً من نفسه في كل مكان يذهب إليه؟! وماذا يفعل إذا لم يستطع العودة للم أشلاء ما تناثر من روحه في المرة الماضية؟! يحن المرء إلي خبز أمه، لكنه يحن أيضاً إلي خبز غيرها ـ وإن بدرجة أقل لكنه يحن ـ حنينه إلي المفقود من زمنه المحدود علي هذه الأرض. هل كان لكلمة مثل الحنين أن توجد لو كان الإنسان خالداً؟ من دون خشية الفقد هل كنا نحن إلي من فارقناهم أو نهتم بزيارة مكان غادرناه؟ هل كنا لنحرص علي زيارة ذات المطاعم، ذات المقاهي والبارات في المدن التي تتيسر لنا العودة إليها، حتي تلك التي لم تكن مميزة علي أي وجه؟! هل نستمد من هذه العودة ترياقاً ـ عديم النفع ـ مضاداً لكوننا طارئين وعابرين؟***عدت مع طلعت الشايب ولم يأت ثالثنا جودة خليفة الممنوع من مغادرة تراب مصر. مقهانا القديم في مكانه من دون أن يبقي من قديمه سوي الإطلالة ذاتها علي خليج بزوارق ليلة تحمل بدلاً من العشاق صيادين لوح يود البحر بشرتهم. لا، للأمانة كانت انت عمري تتردد في جنبات المكان، وعندما دققت اكتشفت أنها ليست بصوت أم كلثوم الذي اعتدناه في هذا المقهي بل بصوت صبي كان يقلدها منذ سنوات ثم اختفي. لعله كبر وتعقل، وفهم أي خطل يقدم عليه المجترئون علي إعادة أغاني أم كلثوم وفيروز وعبدالوهاب… اية وقاحة! جلسنا ندخن نرجيلتينا، في انتظار جودة الذي لم يكن يتأخر أبداً عن لقاء كهذا. ولم نكن بحاجة إلي مواعدته لكي ننتظر. هكذا عود أصدقاءه دائماً. لم يطوق معصمه بساعة ونادراً ما تذكر في أي يوم من الأسبوع أو الشهر نحن، وكان من المستحيل ضرب المواعيد معه، كان يكفي أن تفكر به لتجده أمامك. هكذا عودنا، وهكذا فكرنا به مراراً وكان دائماً ما يظهر حتي في أكثر الأماكن غرابة. هذه المرة لم يأت جودة، علي الرغم من أن الريح كانت تحمل قهقهاته المنفلتة بعيدة ومبعوجة من دون أن تتبدد فنفقد الأمل أو تقترب لنعانقه بينما يثير جلبته المعتادة. كنا ننتظر أن يبادرنا جودة بصيحة يلتفت إليها الحضور الأممي الذي يميز شوارع وأسواق ومقاهي الخليج: ـ هي، هيء، رجعتم ياولاد الـ … ! ضحكات جودة وصيحاته عند اللقاء نوع من هدير، حمله من قريته التي هي قريتي حيث يتمتع الفرد بأضعاف حصته من الفضاء الذي يخصه في المدينة.. هاجر إلي القاهرة وحافظ خلال أربعين عاماً من الحياة فيها علي تدفق ضحكته بلا أدني تحفظ، والنداء علي أصحابه من البعيد، كمن يواصل حمل سلم بالعرض في الشوارع المزدحمة. لايعترف جودة بخصوصية مكتب أو صالة استقبال في احتفال برجوازي. وقد بذلنا نحن أصحابه مجهوداً ضخماً لكي نقنعه بأن الخليجيين لايقبلون النساء عند المصافحة. ***جودة تراجع عن تعاقدات للسفر إلي مدن أخري خوفاً من الاختناق في غياب المقاهي، ثم قبل بالسفر إلي الدوحة بعد أن تأكد من وجود مقاه بها تقدم الشيشة والشاي المنعنع. لم يحمل إليها سوي ضحكته وألوانه وباكيت المعسل. وعندما وصل إليها اكتشف أن القيلولة الإجبارية التي تحصل عليها المدينة فرصة نادرة للتواجد في المقهي أربع مرات في اليوم بحد أدني (مرتان حول الدوام الصباحي ومثلهما حول المسائي) وبينهما كان الشيخ الشريب لايتوقف عن شرب الشاي بينما يرسم لمجلة أخبار الأسبوع ـ التي لم تعد موجودة هي الأخري ـ فإن ذكّره سنان المسلماني بموعد الطبع بادره جودة بإشارة تهدئة من أصابعه المضمومة:ـ الدنيا مش ها تطير، لما نشرب الشاي! يرسم كائنات تحمل وجوهها سكينة وسلاماً لم يوجدا علي هذه الأرض سوي في قلب جودة، كائنات يسكنها شجن دائم، حتي ليخال من يراها أن جودة قد استهلك لنفسه حصتها في الابتسام. لكن العكس هو الصحيح. كان جودة في العمق هو ذلك الشجي وإن لم يكن بمقدورك أن تضبطه عابساً أبدا. احتفظ بوجه باسم لنفسه واستأمن أقلامه وفرشاته علي سره الأعمق. وكانت تشي به وتكشف أسراره من خلال خطوط مقتضبة لوجه امرأة أو طائر البلشون، وهو الطائر الفرعوني الذي تحمل قرية جودة البلاشون اسمه. كان جودة بذاته هو ذلك الطائر العابس علي أوراق بيضاء، لايستردها بعد صدور العدد من هذه المجلة أو تلك.جودة الذي وزع رسومه علي عديد من المجلات في مصر من دون أن يقيم لنفسه معرضاً أو يبيع لوحة واحدة، لم يكن معنياً بأن يخلق لنفسه أسطورة خاصة، لأنه كان بذاته هذه الأسطورة. كان يرسم فقط، لأن المرء ينبغي أن يفعل شيئاً إلي جانب القراءة والضحك والمشي في الشوارع وشرب الشاي وتدخين الشيشة. ولم يكن يحب من الشعر العربي بيتاً قدر حبه لبيت تميم بن أُبي:ما أطيب العيش لو أن الفتي حجرتنبو الحوادث عنه وهو ملموم ولم يكن الحجر الذي يعنيه جودة سوي حجر المعسل، الرحم المحتضن لتبغ وجمر متعته القصوي. ***أخذنا ننظر في ساعتينا ولم يقل أحدنا للآخر إن جودة لن يأتي إلي المقهي، وليس بمقدوره أن يذهب إلي مقهي آخر، فهو ملموم هناك تحت تراب القرية التي ولدت فيها ضحكته العفية. 0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية