لو لم يأتِ البرابرة؟!

حجم الخط
0

لو لم يأتِ البرابرة؟!

فــاروق واديلو لم يأتِ البرابرة؟!ربما في هذا المكان، في الشقة الواقعة في الشارع الذي كان يحمل اسم ليبسيوس، بين هذه الجدران العتيقة التي يربو عمرها عن قرن من الزمان، جلس قسطنطين كافافيس وكتب قصيدته.. في انتظار البرابرة”.كان ذلك بعد نحو ثلاثين عاماً من غزو إحدي قوي برابرة القرن التاسع عشر للاسكندريّة، وفقدان الشاعر بيته الذي وُلد فيه في شارع شريف. ربما كُتبت القصيدة في هذا المكان الذي انتفض من مكانه، وعاد قبل سنواتٍ بيتاً لكافافيس ضمّ ما تيسّر من مقتنياته اليوميّة وأيقوناتٍ تشغل خزانة مُغلقة، وسريره أو ما يشبه سريره، ومكتب يُشبه مكتبه، وبورتريهات بالفحم للشاعر متلاصقة علي الجدار، وكتب بلغات عديدة ضمّت ترجمات لقصائد الشاعر. الشاب المتحمِّس، محمّد السيِّد، أمين المتحف الصغير الذي حمل اسم الشاعر اليوناني السكندري، وبعد أن استفاض في شرح فكرة تحويل البيت الذي عاش فيه الشاعر في الاسكندريّة إلي متحف، بعد أن شغل المكان طويلاً نُزُل صغير يديره رجل يونانيّ، أمسك بديوانٍ يضمّ قصائد مترجمة للشاعر إلي العربيّة، وقرأ علينا، دون مناسبة، المقطع الأخير من القصيدة الأشهر لكافافيس:”والآن ماذا نفعل من دون برابرة لقد كان هؤلاء الناس نوعاً من الحلّ”زوجتي الاسكندرانيّة، لم توافق علي مضمون القصيدة التي كُتبت قبل نحو مئة عام، قالت: ـ يكفي ما لدينا الآن من برابرة.. إنهم لم يشكِّلوا في يومٍ من الأيّام نوعاً من الحلّ!لكننا لم نشأ أن نستفيض في الكلام غير المُباح، فنُفسد روح الشعر التي تطفو في ذرات الغبار السابحة في المكان، عبر تأويلات أخري للقصيدة تُسقط عليها أحوالنا البائسة التي يتدفّق فيها البرابرة علي أرضنا ومياهنا، ونجد منّا من يهيئ المدينة لاستقبالهم بالزينات.. مثل إمبراطور المدينة في القصيدة وقناصلها وحُكّامها وخطبائها ومجلس شيوخها، الذين تهيّأوا وهيّأو المدينة لاستقبال البرابرة. لولا تلك الهيمنة القاسية علي مشاعرنا للبرابرة الذين فعلوا ما لم يفعله برابرة القصيدة، فجاءوا بأساطيلهم إلينا، لكان الصفاء المُدوي علي روح المكان قد منح الشعر فرصة أوسع لكيّ يسيل من الجدران، ويهطل من سقف الشقّة الهادئة.لكنّ الشعر، رغم كلّ شيء، ظلّ هناك. وكافافيس، الذي ودّع الاسكندريّة مراراً بعد أن ظنّ أنه فاقدها إلي الأبد، في الحياة وفي القصيدة، ظلّ يعود إليها في كلّ مرّة بعد أن عجز عن إيجاد أرض ثانية وبحر آخر، ربما لأنه لم يجد المدينة التي بحث عنها طويلاً، والتي قد تكون واقعة في قلب أسطورة يونانيّة تائهة. أو لأن الاسكندريّة ظلّت تُلاحقه بسطوة المعشوقة إلي كلّ مكانٍ آخر حلّ فيه، حتّي لحظته الأخيرة. وهو ما زال هناك، مسجياً في تراب المدافن اليونانيّة بالشاطبي. كأنما الآلهة حكمت عليه بأن يبقي في الاسكندريّة ولا يغادرها، جسداً يتحلل بترابها، وروحاً ما انفكت تطوف في البيت العتيق الواقع في شارع ليبسيوس.. الذي لا يبتعد كثيراً عن بحر طالما تأمله الشاعر بعينيّ عاشق.. وعينيّ خياله الجامح.علاقة الشاعر الملتبسة بالاسكندريّة، تبدو أقرب إلي حالة من التناقض الوجداني.. حالة حبّ مُقيم، مع رغبة جارفة لأن يبرح، عاشهما الرجل في حياته وقصيدته معاً، وأحسهما معاً تجاه المدينة. كأنما هو عاشق أسير يودّ لو كان قادراً علي التحرر من حالة العشق التي تتلبّسه كمرضٍ لا فكاك منه. ومثلما توقّع في القصيدة، فقد ظلّ كافافيس هائماً في شوارع الاسكندريّة، حيث أدركه المشيب هناك. وقد ظلّت المدينة تسافر معه إلي حيث يُسافر، وتعود إلي أرضها حين يعود. لقد أقامت في أغوار حنينه وعجزه عن إيجاد مدينته الأخري المشتهاة. كان متورطاً فيها إلي حدّ العجز، وقد ظلّت تسكنه بسطوتها المهيبة، حيث أدركته الشيخوخة هناك، كما توقعت القصيدة، وأدركه المرض الذي أصاب حنجرته وأفقده النطق دون أن يتمكّن من أن يفقده الشِّعر.ربما، ولكي تريح خيالك من إعادة بناء الاسكندريّة التي تجوّل فيها كافافيس، عليك أن تقطع المسافة بين هذا البيت ومكتبة الاسكندريّة، لتتأمّل مقتنيات قاعة الدكتور محمد عوض، التي ضمّت عدداً كبيراً من الصور والوثائق والخرائط النادرة التي جمعها الأكاديمي السكندري العاشق بدأب حول المدينة. هناك، يمكنك أن تتجوّل في الشوارع مع كافافيس، ترجع في الصور القديمة إلي المكان نحو قرنٍ أو ما يزيد من الزمان. وفي الشوارع النظيفة والفسيحة والميادين الجميلة، ربما يدلّك قلبك علي سيِّد يوناني يتجوّل هناك، يرتدي قبعة قشيّة، كما وصفه أحد الذين كتبوا تاريخ الاسكندريّة.. يقف بلا حراك أبداً عند زاوية منحرفة قليلاً من الكون .. إنه قسطنطين كافافيس!تغادر الشقّة المتحف، تهبط علي الدرجات نحو الشارع الذي كان اسمه ليبسيوس، ويبدو أنه من الأولي أن يحمل اسم كافافيس. تمشي بضع خطوات في شارع السلطان حسين، ثم تنعطف يساراً نحو شارع صفيّة زغلول. تتوقف عند باعة الصحف والكتب في محطّة الرمل، تقرأ عناوين صحف ما زالت تتحدث عن البرابرة الذين تدفقوا علينا خلال قرن من عمر القصيدة، فتتساءل بحسرة: كيف كانت حياتنا وأشعارنا ستكون.. لو لم يأتِ البرابرة؟! كاتب من فلسطين0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية