صورة لمستقبل السياسة السودانية (2 من 3)

حجم الخط
0

صورة لمستقبل السياسة السودانية (2 من 3)

من يسعي للتغيير في المجتمع لن ينجح إلا من خلال حركة سياسية تستمد مشروعيتها من صحة رسالتها إليهالناظر للساحتين السودانية والعربية يكتشف أن الهم الاساسي لبعض الجماعات ليس البناء وانما الصراعصورة لمستقبل السياسة السودانية (2 من 3)د. غازي صلاح الدين العتباني:شجعني علي كتابة هذه المساهمة جدل أثارته مقالات متبادلة لبعض الإسلاميين نشرت في الصحف السودانية والعربية قبل بضعة أسابيع. وقد سألني بعضهم رأيي فيما قيل وتبادلته الكلمات. وكنت في نفس الفترة قد كتبت، بغير تجاهل لما نشر، مقالات أقرب إلي الوجدانيات منها إلي المقالات السياسية، عن بعض أفذاذ الحضارة الإسلامية، فبدوت كمن أخذ ينشئ قصيدة في النسيب والناس في فزع يوم القيامة. ولولا المعلوم من مبادرات قديمة بالمحاضرة والقلم حول ضرورة المراجعات النقدية لصح الوصف بأنني كنت مشتغلاً بغير حركة المكان. وأقر بتأييدي غير المقيد لكل من طرق هذا الباب لا تحمله علي طرقه سوي صدق النوايا، ولا بأس من اختلاف فيما نراه فالاعتداد هو بأصل النية وصدق العزم علي إصابة الحقيقة.علي أن القضايا التي طرحت تتجاوز في موضوعها الحركة الإسلامية وتعم جميع التكوينات السياسية، بل والثقافية والاجتماعية والتعبدية المحض. فالتكوينات الإنسانية متشابهة في أبنيتها وأوعيتها ومضامينها واستجاباتها، وفي الصلة بين قيادتها وصفها، وفي كل القوانين والسنن التي تتحكم في مسالك البشر ونفسياتهم في حال اجتماعهم. وقد كان للفيلسوف الاجتماعي الفرنسي جوستاف لوبون شأن عظيم في وصف هذه السنن الاجتماعية التي لا تفلت من أحكامها جماعة، فللمتعمق أن يراجع كتابيه سيكلوجية الجماعة و سيكلوجية الثورة .ولئن بدا بعض خصوم الإسلاميين في السودان طربين لما يرونه صراعاً يشغل خصومهم بأنفسهم، فلربما أساؤوا تقدير سلامتهم من نفس الداء لأنهم في الحقيقة مصابون به بدرجة ما؛ ولعل الفرق يكمن في أن الإسلاميين الذين أثاروا تلك المسائل لهم بقايا من حيوية وقدرة علي تجديد النظر وتقليب العبر في ما أصابهم، وهي بقايا ملكات نضبت لدي كثير من جماعات تكلست مفاصلها وتيبست عظامها فلم تعد قادرة حتي علي طرح الأسئلة حول وجودها وبقائها ومستقبلها.لذلك لن أعتني ههنا بتعقب الآراء التي قيلت في شأن الحركة الإسلامية وحدها. ولن أعتني بتصويب ما أراه صائباً منها ولا بتخطئة ما أراه مخطئاً. إنني سأعتني فقط باستخلاص بعض السنن التي ينطبق حكمها علي الجماعات الإسلامية أو الوطنية أو العلمانية، فالقانون الاجتماعي الذي يسري علي هؤلاء جميعاً هو في جوهره قانون واحد. وآمل متواضعاً أن تنتفع بآرائي هذه الأحزاب والجماعات السياسية أينما وجدت فعبرة التجارب الإنسانية بطبيعتها مستفيضة وليست منحصرة.في البداية اخترت لمساهمتي هذه عنوانا هو مستقبل السياسة السياسية ثم أدركت أنه عنوان لا ينطوي علي القدر اللازم من التواضع الذي مدحه المولي- سبحانه، فعدلته إلي رؤية لمستقبل السياسة السودانية ، ثم عدلته مرة إلي صورة لمستقبل السياسة السودانية ولولا أن تستطيل المماحكة وتضيع حكمة الموضوع لبحثت عن عنوان أدق وصفاً للمقصد من هذه المقالات. هل ينبغي أن تنشأ حركاتوأحزاب سياسية جديدة؟ ما من شيء أعسر منالاً، ولا أخطر مأخذاً، ولا أريب ناتجا ًمن أن يتولي المرء تغيير الأوضاع القائمة. فعلي الذين يقودون التغيير أن يتوقعوا عداوة شرسة من خصومهم المستفيدين من الأوضاع القائمة، بينما عليهم ألا يتوقعوا سوي حماسة فاترة ومتشككة من مناصريهم المحتملين نيقولا مكيافيلليالتاريخ يصدق مكيافيللي. فقد خرج الحسين بن علي (رضي الله عنه)، بكل ما قد يتاح لرجل من حق ومشروعية دينية وسياسية، إلي العراق وفي متاعه رسائل تؤكد أن سبعين ألف رجلاً سينصرونه بسيوفهم؛ وبقية القصة معروفة حيث تقلص العدد إلي سبعين فقط صمدوا معه في موقعة كربلاء.لكنه من الخطأ الأخذ بهذا القول علي إطلاقه. ولا أظن أن مكيافيللي كتب كتابه ناصحاً حاكم فلورنسا ليقول بأن تغيير الأوضاع القائمة من المستحيلات. إنه فقط نبه، صائباً في تنبيهه، علي أن تلك مهمة لا ينبغي الاستهانة بها أو الاستخفاف بموجباتها. ولو أننا استنتجنا أنه ليس بالإمكان أفضل مما هو قائم لما اندلعت ثورات ولما نجحت نهضات، ولما سادت حضارات، ولما انعطف التاريخ انعطافاته الكبري.وسواءً نصحنا بأن تقوم حركات جديدة أم لم ننصح فهناك الذين سيتحمسون لسلوك هذا الطريق، ثقة في أنفسهم، أو إيماناً منهم بأحقيتهم في ذلك الفعل، أو استهانة خالصة بالمهمة، أو لمحض المغامرة. وقد يكون من الأفضل إزاء تكلس الحركة السياسية السودانية، والعربية عموماً، أن تنشأ أحزاب وحركات سياسية جديدة. فقط هناك مزالق في هذا الطريق يجب علي من يسلكه أن يعرف مواطنها.أولا، علي خلفية الخيبة من التجارب القائمة، ربما تكون الحماسة للدعوة إلي إنشاء حركة سياسية جديدة عاليةًً في البداية، لكنها ستكون حماسة مؤقتة، مشوبة بالحذر، وقابلة للتحول في وقت قصير إلي حالة إحباط للجماهير ثم إلي النقمة علي من يقودون تلك المحاولات لطيشهم وفشل مغامرتهم، وهذا بعض ما رمي مكيافيللي إلي قوله.ثانياً، عندما تفشل التجارب الإصلاحية في أن تقدم بديلاً حقيقياً، بديلا لا يستبدل فقط زعامات بزعامات أخري، ولا يقايض مواتاً فكرياً وعقماً ثقافياً بشعارات مشكوك في صحتها أو في درجة الالتزام بها، مثل هذه المحاولات تنتهي في العادة إلي حركات انشقاقية لا تقدم جديداً مفيداً ولا تبقي علي ما تبقي من تماسك الجماعات علي هشاشته.ثالثاً، الحركة السياسية المعاصرة في ظل الشروط والإجراءات الديمقراطية أصبحت عملا مكلفاً من الناحية المادية. هناك مقار الحزب وشبكاته التنظيمية وهناك أعباء العمل السياسي والانتقال والاتصال والانتخابات والإعلام. وكلما كان البلد واسعاً وعدد السكان كبيراً، ارتفعت التكلفة. صحيح أن الحركة السياسية صاحبة الرسوخ الوجداني والثقل الجماهيري تعتمد علي التزام أعضائها أكثر مما تعتمد علي تمويلها، لكن قضية التمويل تبقي قضية أساسية وحاجة عملية وإن تفاوتت أهميتها بين حركة سياسية وأخري. لذلك مهما تحمس الذين ينشئون الكيانات الجديدة فسيواجهون بحقيقة أنه كي ما تنشئ حركة سياسية فعالة لا بد من إمكانات مادية كبيرة. وعندما تثور مسألة الإمكانات المادية تثور معها مسألة مصادر الإمكانات. بطبيعة الحال هناك من سيفضلونها مصادر خارجية لا داخلية ولا ذاتية، وهو ما يثير إشكالية الحدود الفاصلة بين الوطنية والعمالة وهي إشكالية معقدة.الذي لا شك فيه هو أن من يسعي إلي أي نوع من أنواع التغيير، السياسي أو الثقافي أو الاقتصادي الاجتماعي، في المجتمع لن ينجح في أهدافه إلا من خلال حركة سياسية. ليس شرطاً ضروريا أن تستمد الحركة السياسية مشروعيتها من القانون. يكفيها أن تستمد مشروعيتها من صحة رسالتها ومن التفاف الجماهير حولها ومن إيمان الناس بها. لا ينبغي أن يفسد علينا التفسير القانوني الضيق ما نرمي إليه. المهم هو أن التغيير لا بد من أن يكون من خلال كتلة من الناس يتحركون في المجتمع بأفكارهم. ولن تستطيع كتلة كتلك أن تبلغ أقصي قوة لتأثيرها إلا إذا سعت إلي ذلك الهدف من خلال السلطة السياسية. ليس بتسنم السلطة بالضرورة ولكن بمقاربتها والوصول إلي مركز القرار فيها للتأثير عليه. وكثير ممن يمارسون السياسة يفعلون ذلك من خلال كونهم صناع ملوك لا ملوكاً أنفسهم. خذ الكنيسة مثلا: الشريعة المسيحية تقضي بأن نعطي لقيصر ما لقيصر ولله ما لله. لكن من يستطيع أن يدعي أن الكنيسة لا تؤثر في السياسة. الحالة الماثلة في أمريكا اليوم تثبت أن كنيسة بعينها هي صانعة الملك في أمريكا. وقبل ذلك كانت تجربة الكنيسة الكاثوليكية في أمريكا اللاتينية في دعم الثورات الاجتماعية علي الحكومات المتسلطة الفاسدة.مثال آخر تقدمه لنا تجربة النقابات في بريطانيا ابتداءً من النصف الثاني للقرن التاسع عشر. عندما بدأت تظهر التحولات التي جلبتها الثورة الصناعية لم تكن توجد نقابات في البداية وكان العمال مفرقين غير منظمين، فكانوا لذلك تحت رحمة الرأسماليين وأطماعهم. بعد ذلك انتظمت الحركة النقابية وقررت أن تنافس علي مركز اتخاذ القرار، وهكذا تشكلت العلاقة ما بين حزب العمال (أو العمل علي الأصح) وما بين الحركة النقابية العمالية. لم تصبح الحركة النقابية المنظمة حزباً لكنها امتطت إلي التأثير علي صناعة القرار الوطني صهوة حزب آخر وأصبحت بذلك حركة سياسية ضاغطة.إذن إجابة علي السؤال الذي تصدر هذه المقالة فإن نشوء حركات سياسية جديدة هو عمل مشروع إذا استوفي شروط نجاحه. وأول شروط نجاحه أن يعلم القائمون عليه أن قيام حركة سياسية حقيقية لا يمكن أن يكون عملية تجميل كشد الوجه أو تعديل الأنف، كما لا يمكن أن يكون عملية استزراع لجسم أجنبي. هناك شرط أساسي وهو أن تتوفر للحركة السياسية ما يمكن تسميته بحاضنتها الاجتماعية.حركات سياسية تركت بصماتهاإن الحركات السياسية التي تركت بصمات حقيقية في مجتمعاتها لم تقم إلا في إطار تحول اجتماعي أو إزاء مواجهة خيار مصيري. في مثل ذلك السعي تتفتق الأفكار وتتفرع المواقف وتنساب الحركة ويتكون العمق الحيوي في جسم المجتمع. وجملة هذه الأشياء تشكل ما نسميه الحاضنة الاجتماعية الثقافية. وبدون هذه الحاضنة تتحول عملية إنشاء حركة سياسية جديدة إلي مجرد فقاعة، تنتفخ لتنفجر.الحركة الإسلامية علي مستوي العالم الإسلامي كله نشأت ونضجت علي نار هادئة ومستمرة من مجاهدة عدوان الحضارة الغربية العسكري والسياسي والثقافي. وقد سعت بالإضافة إلي ذلك إلي تزكية المجتمع بتعاليم مؤصلة في التراث وواعية باللحظة الزمانية المعاصرة. ومن هنا اكتسبت وزنها وأثرها.الحركة اليسارية في أصولها الماركسية، كمثال آخر، قامت من خلال نضال متطاول دفعه روح التصدي الفكري والسياسي للرأسمالية وتداعيات الثورة الصناعية وما أحدثته من تغييرات جذرية في تركيبة المجتمعات وفي قوي الإنتاج وعلاقاتها وأحوال الاستغلال التي نشأت جراء ذلك. وتمددت الحركات اليسارية من بعد في الدول النامية في سياق مقاومة النفوذ الغربي ولمصلحة النفوذ السوفييتي ونموذجه في النهضة والتحديث.الحركة القومية العربية أيضاً، في أول نشأتها، قامت علي خلفية رفض ما رأته إقصاءً عثمانياً للثقافة والحقوق العربية، ثم تأثرت لاحقاً بالرؤية الاشتراكية في الاقتصاد وتشكلت أخيراً من خلال رؤية مثالية للوحدة العربية.علي الصعيد المحلي في السودان نشأت الحركة السياسية التي يمثلها حزب الأمة من مجاهدات الثورة المهدية وما طرحته من مشروع للتحرير والنهضة، ثم حول مشروع استقلال السودان عبر تقرير المصير.الحركة الاتحادية أيضاً ولدت من مخاض تحريري وتنويري، وحملت رؤية الاتحاد مع مصر قضية ملهمة تطورت من مؤتمر الخريجين ونمت من خلالها الحركة الاتحادية.الآن، إذا خصمت هذه الجذور والأعماق الحيوية التي تكونت عبر مسيرة تلك الحركات فستجدها عارية من أي مقومات أخري للمشروعية، ولما تحقق لها الكسب الذي حققته. إن المشروعية التي تقوم عليها أي حركة سياسية هي عملية تكوينية مستمرة وهادئة بعيدة كل البعد عن ظاهرة الفقاعة السياسية.بعض علل الحركات السياسيةتواجه الحركة الحزبية مشكلات علي الصعيد العالمي كله لا علي صعيد العالم النامي وحده. وليس هذا مجال للتفصيل في تلك الأزمات، لكن أهمها نتج من ضرب احتكار الأحزاب السياسية لصورة التنظيم السياسي وبروز أشكال أخري جديدة للتنظيمات في المجتمع أكثر تنوعاً ومرونة، مثل التنظيمات الأهلية. لكن الفرق بين ما يواجه الأحزاب في الدول الأكثر استقراراً وما يواجه تلك المنتمية إلي بعض أطراف العالم النامي هو فرق نوعي أو كيفي في الأساس وليس كمياً. أخطر تلك المشكلات النوعية ناتج من الفـــقدان التدريجي للأحزاب والجماعات لشروط البقـــاء والـقدرة علي أداء وظائفها بالكفاءة المرجوة.إن أهم شروط البقاء للحزب أو الجماعة السياسية يتعلق أولاً بالهوية، وثانياً بالبنية التنظيمية، وثالثاً بالعلاقات والتقاليد الداخلية. إذا بدأنا بالهوية، وهي القيمة الذاتية التي يبنيها الحزب من مجموع المواقف والرؤي التي ارتبطت بنشأته وسيرته وأكسبته صورته المعروفة وما يشكله من انطباع لدي الآخرين، فسيسهل علينا أن نري أن كثيراً من الأحزاب أو الجماعات ما عادت موجودة بصورتها الأولي ولا هي تمثل بقدر معقول شكلها المعهود. بعبارة موجزة، إنها تفقد هويتها باستمرار. وأول من يلاحظ تلك الغربة ويستوحش منها هم أتباع تلك الأحزاب والجماعات، خاصة عندما يقارنون بين دورهم وكسبهم في الماضي وبين واقعهم وأزمتهم الراهنة فلا يجدون رابطاً بين ما كانوا عليه وما آلوا إليه.وإذا تناولنا البنية التنظيمية فسنجد غالبية الأحزاب والجماعات تنحسر بوتيرة مستقرة عن المساحات التي توجد بها التيارات الفاعلة والمتجددة في المجتمع مثل الشباب والمثقفين والمهنيين، بل وحتي المساحات التي توجد بها التيارات التقليدية مثل التكوينات القبلية والطائفية. هي تنحسر بوتيرة متسارعة، وأهم من ذلك انها تخلي تلك المساحات الحيوية للتشكيلات العرقية والقبلية الطارئة والمنتشرة كالسرطان في الفضاء السياسي والاجتماعي العام. وربما كان تمدد هذه الأخيرة ناشئاً من أنها أصبحت أوضح رؤية وآمن بقاءً للفرد المنتمي إليها من الأحزاب والجماعات الفكرية في ظل تحلل مستمر للحركة السياسية لعناصرها الأولية. بمعني آخر، هي بدأت تكتسب الدور الحيوي للحاضنة الاجتماعية علي حساب القوي التقليدية.بسبب هذه العلل التنظيمية تراجعت الأحزاب والجماعات السياسية عن أن تؤدي دور الحركة الجماهيرية المنفعلة بذاتها والمنطلقة بتلقائية في التعبير عن مبادئها ومواقفها. وهذه خصيصة مهمة حيث أن قدرة الجماعة علي الأداء والعطاء مرتبطة بتجذر منهجها وقيمها في السلوك التلقائي لقياداتها و جماهيرها، لا السلوك المتكلف أمام القيادة الذي تحشر فيه الجماهير حشراً بوسائل التعبئة والتغليف المصطنعة.الشرط الثالث يتمثل في العلاقات والتقاليد الداخلية للجماعات والأحزاب. وهي علاقات وتقاليد يصوغها مجموع القوانين العاملة داخل الجماعة التي تنسج الروابط ما بين القيادات والقواعد وتكيفها من حيث ولاء القاعدة وصلتها بالقيادة ومن حيث طريقة اختيار القيادة بواسطة القاعدة واكتسابها بذلك حق القيادة. تلك العلاقات، وجملة العمليات التي تعبر عنها، هي التي تبني وتحدد في نهاية المطاف التماسك الداخلي للجماعة، وهي التي تمدها بسلسلة من القيادات المستولدة من خلال الحراك اليومي، وهي التي تربي أفرادها وتصوغ مفاهيمهم وتكوّن غرائزهم السياسية والتنظيمية. وهي التي تقوي التقاليد الداخلية التي تبني عبر فترة طويلة من الزمن بالممارسات الشورية أو الديمقراطية في الجماعة أو الحزب. وهذه الممارسات هي التي تكرس المؤسسية أو توهنها. وعندما تضعف تلك العلاقات والتقاليد تبدأ العلل الطائفية في الظهور من خلال تكريس ولاء ديماغوجي مغيب. ومن العجيب أن هذه العلل لم تنج منها حتي الحركات الحديثة كبعض الجماعات الإسلامية واليسارية. ومن خلال ذلك التحور التدريجي نحو الطائفية السياسية تكتسب الصور والطقوس والأسماء التاريخية أهمية تعلو علي المبادئ المنشئة للجماعة. وبدلاً من أن تقوم الوحدة الداخلية وينشأ التماسك من قوة المأسسة، يدب تحول متدرج نحو الشخصنة، فيصبح الضامن لتماسك الحزب أو الجماعة حبل رميم معلق بقيادات متشبثة تستمد سطوتها من كاريزما قديمة أو من تمترس محض بموقع القيادة وما يمنحه من ميزات المنع والعطاء التي تضمن لصاحبه خلوداً غير مستحق في موقعه. وبما أن الأحزاب لديها مسؤولية لا تقل عن مسؤولية الحكومات في تأسيس التقاليد الشورية والديمقراطية فإن جانباً كبيراً من عطب النظام السياسي اليوم ناشئ عن إخفاقات الحركة الحزبية في إنشاء تلك العلاقات والتقاليد أكثر مما هو ناشئ من قهر الحكومات.إن الجماعات والأحزاب، بناءً علي قدرتها أو عدم قدرتها، علي اجتياز اختبارات الهوية والتنظيم والعلاقات والتقاليد الداخلية المذكورة أعلاه تكسب، أو تخسر، معركتها ليس فقط من أجل الحصول علي الحق في تمثيل نفسها، بل من أجل تثبيت مقومات بقائها وعطائها وقدرتها في التأثير في المجتمع من خلال مشروعها السياسي.صراعات حول الاشكالعلي تلك الخلفية فإن الناظر إلي الساحة السودانية خصوصاً، والعربية عموماً، يكتشف أن الهم والنشاط الرئيسي، لبعض الجماعات السياسية والأحزاب، أو لما تبقي منها، لم يعد نشاطاً بنائياً يرمي إلي تكريس أسباب القوة المعنوية والعملية وإنما تحول إلي صراعات حول الأشكال. هكذا تتوجه أولوية الخصومة إلي المنازعين من داخل نفس الجماعة ويكاد ينحصر الجهد في محاولة انتزاع الاسم التاريخي واحتكاره، أو الاستيلاء علي المقار، أو الحصول علي الرمزيات التي تربط جماهير تلك الجماعة عاطفياً. أصبح النشاط المفضل والشائع هو التشبث بكل رمز وكل طقس يضفي المشروعية الصورية، دون رغبة في تجديد الدعوة أو الفكرة أو الرؤية التي أكسبت الجماعة بريقها ومشروعيتها في عهدها الأول. علي الأصح أصبح العطاء منصبا نحو تجويد لعبة الكراسي الموسيقية حيث يتحدد السبق في الجلوس علي الكرسي بخفة الحركة والبراعة في توقيت القفز أكثر من الاعتماد علي أي موهبة أو ملكة أو استحقاق مشروع. وفي سبيل تلك المكاسب الصورية التي تهدهد الجماهير، أو ما تبقّي من جماهير هرمة، في نومتها المستلذة يستجاز سلوك كل المسالك من أجل نظرة أخري قصيرة من الزمن. وهكذا رويداً رويداً تتحول الجماعة التي كانت تنبض بالحياة إلي كيان ممل ومغلق، أقرب إلي الموت منه إلي الحياة.إن تلك الأزمات النوعية التي تعتمل بداخل الأحزاب والجماعات تتجاوز آثارها الأحزاب والجماعات نفسها إلي مجمل الحركة السياسية. إن ثلاثاً من أهم وظائف الأحزاب والحركات السياسية في الساحة العامة هي: الأولي، تنظيم عملية انخراط المجتمع في الساحة العامة وتشجيعها؛ والثانية، بناء أجيال متعاقبة من القيادات؛ والثالثة، توليد مواقف تصاغ من خلالها بدائل السياسات. لذا فإن ضعف الأحزاب والحركات السياسية عن أداء تلك الوظائف يسري أثره السالب علي المجتمع كله. وهي لن تستطيع أن تؤدي تلك الوظائف في ظل ضعفها وانقسامها الداخلي، بل إن انشقاقاتها وانقساماتها سرعان ما تنتقل إلي الساحة العامة. إن ضعف الأحزاب والجماعات يضعف وحدتها الداخلية، لكنه أيضاً ينقل داء الخلاف إلي الساحة العامة كلها بإضعاف العلاقات البينية الكلية للقوي السياسية وتعطيل التقارب بينها من خلال التفاعلات اليومية. وهو لا يؤدي إلي توهين الحركة السياسية الكلية وإضعاف وشائجها فحسب، لكنه يؤدي أيضاً إلي تعطيل نمو التقاليد والثقافة السياسية الموحدة داخلها، وهو شرط ضروري لنجاح التجربة السيـــاسية في أي مجتمع، ولنجاح القوي السياسية أفراداً، خاصة في البلاد المهددة بمخاطر الانقسام.استشعاراً لتلك الأزمات يروج منطق في الفترة الراهنة يقول بأن العلاج الجذري للأزمات يتلخص في الاجتهاد من أجل إعادة توحيد الأحزاب والجماعات المنقسمة. وليس من الحكمة القول بأن التوحيد لن يكون مفيداً، لكنه أثبت في المحك العملي، ومن خلال المحاولات المستميتة التي جرت في الفترة الماضية، أنه بعيد بدرجة تجعل الانشغال به ليس فقط ضرباً من السذاجة، بل ضرباً من البطالة. إن ضمور الجماهيرية وتضخم دور القيادات يجعل التوحد، بل مجرد التصالح، داخل الجماعات المنقسمة قريباً من المستحيل. القرار في هذه المسألة، ككل القرارات الأخري، مرهون بيد القيادات، والقيادات لا تري مصلحتها في التوحد وإنما تري المصلحة، كل المصلحة، في بقاء حالة الفرقة.إن تصويب الأنظار والتحديق فقط في خيار توحيد المنقسمين باعتباره إكسيراً لأدواء الأحزاب يحمل في طياته رؤية اختزالية تبسيطية تعلق مفهوماً شاملاً ومستوعباً ومجهداً كمفهوم الإصلاح بحدث فريد ومعزول. المشكلة هي أنه حتي لو توحدت الأحزاب والجماعات السياسية فستبقي أزماتها كما هي علي صعيد الأبنية التنظيمية، وعلي صعيد الأفكار المحركة، وعلي صعيد نهج القيادة، وعلي صعيد العلاقات الداخلية والمؤسسات، وعلي صعيد أساليب اتخاذ القرار. إنها ستظل تعاني من مشكلات كبيرة لن يفيدها التوحد إلا شيئاً يسيراً لا يتعدي توفير الطاقة المستهلكة الآن في العداوة والمكايدة. وهي، إن لم تــقارب الإصلاح بفهم شامل وجذري، فربما وقعت في داء الانقسام مرة أخري قبل مرور شهر عسل التوحد.بمقابل العقبات الكبيرة أمام جهود التوحيد الجارية داخل الأحزاب المنقسمة، فإن الواجب يقضي بضرورة البحث عن بديل يحقق نوعاً آخر من الوحدة أكبر وأشمل، وهو خيار متاح. بعبارة أخري، إن الوحدة قد لا تستعصي بنفس الدرجة لو طرحت علي قاعدة أوسع من قاعدة الحزب المنقسم. وحدة تسمح بالتعدد والتنوع والتميز بداخلها. وحدة أشبه بالفيدرالية، هي أرفع درجة من الجبهة السياسية أو تجمع الأحزاب، وأدني درجة من الاندماج الكامل. كيف يمكن أن ينطبق ذلك علي مثال واقعي؟ سؤال يقودنا إلي البحث عن الصورة المثالية للحركة السياسية وهو ما سنعرض له في الحلقتين الأخيرتين من هذه المقالات.ہ سياسي سوداني7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية