مع الانتخابات تودّع فرنسا عصر الرئاسيات الرسالية؟
مطاع صفديمع الانتخابات تودّع فرنسا عصر الرئاسيات الرسالية؟هل أمست الديمقراطية الفرنسية مريضة. سؤال تطرحه ألسنة الإعلام في باريس بصيغ مختلفة، وتأتيه بأجوبة أكثر اختلافاً. لكنه إحساس معمم لدي النقاد الثقافيين بصورة خاصة. إحساس بأن ثمة أعطالاً كثيرة اعترت ولا تزال تعتري سياق الديمقراطية في حقول الممارسة. وان أعطال الممارسات اليومية تنتقل سريعاً بأذاها إلي مستوي المفاهيم. فالشكوك في الجدوي لنظام معين سريعاً ما تنال من صلاحته المفهومية. وقد اعتادت الديمقراطية أن تتعايش مع ثقافة النقد التي من دونها تنحدر الديمقراطية إلي مجرد أنظمة حكم قائمة بفعل الأمر الواقع، أكثر من كونها نوعاً من الانتظام العقلاني المشترك الضامن لأوسع تمثيل يغطي تنوع المشاريع السياسية الحاشدة وراءها لقطاعات المجتمع، وتياراته المختلفة.فالخوف الحقيقي الذي يساور المراقب الثقافي، والفرنسي تحديداً، ومنذ اندلاع ثورة حقوق الإنسان قبل قرنين ونيف، هو أن تقع الديمقراطية في أسر فئة أو حزب أو تيار سياسي معين، هو الخوف من (خَوْصنة) أعم ثروة يمتلكها ويغذيها دائماً تراث الحرية العريق في هذا البلد. وما تعنيه الخَوْصَنة هنا هو احتكار الشأن العام من قبل قوة الخاص، وإن تخفيّ الخاصُّ تحت يافطات الشرعية، وادّعي حفاظه المشبوه عليها. وحول هذه النقطة يبرز في ساحة النقاش السياسي الحار المصاحب للحملة الرئاسية الراهنة، مصطلح جديد تحت اسم الديمقراطية التشاركية، التي تريد أن تضع حداً لعصر الديمقراطية التمثيلية، التي تسود أوروبا الغربية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والفارق كبير بين المصطلحين. لكن المجال ضيق في هذه العجالة لتقصي دلالة الفوارق. يكفي علي الأقل الاشارة إلي أن الديمقراطية التمثيلية تحملت أعنف الانتقادات الموجهة إليها طيلة الصراع مع مدارس الفكر اليساري منذ أن قوض مسارها النظري ماركس.ما تدعيه الديمقراطية التشاركية هو أنها تأتي بالتصحيحين النظري والعملي اللذين افتقرت إليهما طويلاً الديمقراطية التمثيلية. فمن جهة المفهوم تشكو صيغة التمثيل أصلاً من علة اختزال المجموع العددي الأكبر من الناخبين في القلة القليلة من النواب، مما يجعل كلاً من طرفي العملية التشريعية في حال من العزلة المتفاقمة عن الآخر. حتي أمست المجالس النيابية أشبه بمؤسسات مستقلة ترعي مصالح أفرادها، وتخضع لمنطق تنازعاتهم واتفاقاتهم حول مشاريع القوانين والأبعاد الفئوية التي تخدمها من بعيد أو قريب. وفي الآن عينه يكاد المجتمع ينسي هذه المؤسسة، وقلما يتفاعل مع إنجازاتها. ونتيجة لهذا الوضع، ولأسباب أخري كثيرة، راح يتضاءل عدد الذين يدلون بأصواتهم إلي ما دون نسبة 25 ـ 30%، وربما أقل، وذلك من دورة تشريعيات إلي أخري. هنالك تراجع ملحوظ في معظم دول الغرب يعتري تقاليد الاهتمام الشعبي فيما يتعلق بالشأن السياسي في معناه الحرفي: كأنما تحولت الأحزاب إلي ما يشبه مؤسسات مهنية، كنوع آخر من الشركات ذات الاختصاص بأمور التشريعات وأجهزتها وسلطاتها. هذا بالرغم من أن المجتمع الفرنسي المعروف تاريخياً بأدواره الرائدة في طرح القضايا العامة وتحقيق تحولات مصيرية كبري لذاته، وللغرب، ولثقافة حقوق الإنسان وتطوراتها علي الصعيد العالمي، إلا أن هذا المجتمع نفسه هو الذي راح يفقد احترامه تدريجياً للطبقة السياسية، خاصة مع تفشي ظاهرة الاحتراف السياسوي، وانقضاء عصر الرموز الوطنية المتمتعة بالزعامات الكاريزمية، من أمثال الجنرال ديغول، ومن حاول بعده من رؤساء الجمهورية، التشبه ببعض خصائصه، سواء في خط اليمين المعتدل أو اليسار الاشتراكي. فقد اعتبر البعض أن الرئيس ميتران، وإن كان زعيماً يسارياً، إلا أنه، ومهما فعل لن يكون ديغول الاشتراكيين. وبالطبع سعي جاك شيراك طيلة حكمه إلي الالتزام بنوع من ديغولية عصرية معدلة، كان يشعر أنه هو الأحق بتمثيلها، منذ انتصاره الأول علي المرشح الاشتراكي، وبعد تجديد رئاسته الثانية منتصراً علي مرشح اليمين المتطرف لوبين، بفضل حشد انتخابي شعبي منقطع النظير، في حقبة كساد الشعارات (الثورية). غير أنها كانت أشبه بانتفاضة وطنية عارمة ضداً علي احتمال نجاح لوبين، وعودة اليمين العنصري المتحجر. أي كان يمكن تعليل الانتفاضة تلك أنها لم تكن تقديراً زعامياً لشيراك بقدر ما كانت تعبيراً عن كره فرنسي شعبي عريق لكل ما يذكّرها بالعنصريات ومشاريعها السلطوية ذات النزوع الديكتاتوري المحتوم.كانت مناسبة الانتخابات للرئاسة الثانية حدثاً سياسياً بنيوياً، ويحتل مكانه التاريخي من تراث الانتفاضات الوطنية الصانعة للمصائر العامة؛ حتي اعتبره بعض المتشائمين أنه ربما سيكون الأخير في نوعيته المتميزة تلك. لقد فاز شيراك حينها بما يقارب ثلاثة أرباع أصوات الناخبين، كما أن نسبة المشاركين في التصويت بلغت أكثر من ضعف الأعداد السابقة. ذلك ما أسبغ علي هذه الرئاسة صفة الوطنية الجامعة، أكثر من كونها رئاسة لحزب معين، وإن كان هو حزب الديغوليين. وذلك أيضاً ما أتاح لشيراك أن يتقمص شخصية زعامة عالمية، حاملة لرسالة انسانية، قد لا تتمكن من فرض قرارات دولية بالقوة المادية، لكنها تظل قادرة علي خلق الظروف المؤثرة المناهضة للأولي، وذلك بقوة الرأي العام الدولي نفسه. هكذا سجلت ديغولية شيراك أحد أهم مواقف المسؤولية باسم مصلحة الكل الإنساني، عندما نجحت فرنسا في تشكيل اصطفاف دولي رافض للعدوان الأمريكي علي العراق، قبل وقوعه وأثناءه وبعده؛ فتم حرمانه من غطاء الشرعية الدولية. وكذلك امتنع الاتحاد الأوروبي إجمالاً عن تأييد الغزو أو المشاركة (الجدية) في تحمل بعض أعبائه العسكرية والمادية. وقد تطور هذا الاصطفاف من رفض الحرب العراقية إلي قيادة المعسكر المناهض لحقبة الأمبطرة الأمريكية، وهجمتها العولمية علي المعمورة، والجهر بأشكال الممانعة الثقافية والسياسية ضد أوبئتها الغازية. كل ذلك ساهم في التباعد الفكري علي الأقل بين ضفتيْ الأطلسي. صار هناك جناحان متعارضان داخل جبهة الغرب. فنشأ ما عرف بانشقاق أوروبا (الهرمة) عن توأمها الطاغي: أمريكا البوشية.ربما كانت الشيراكية صورة أخيرة عن نمط زعامة كاريزمية، وباتجاه الخارج خاصة، حيث كانت لشخصية شيراك تحديداً تأثيراتها الواضحة في لعب أدوار الاعتدال السياسي مقابل الجموح الأمريكي إزاء القضايا الخطيرة التي تهز عالم اليوم، منذ مطلع الألفية الثالثة، وتداعيات الأرهاب والمواقف المتباعدة بين ضفتيْ الأطلسي، سواء في فهم ظاهرته، والاتفاق حول أسبابها الحقيقية، أوالتدابير الواجب اتخاذها للحدّ منها.كان مشروع الاتحاد الأوروبي هماً فرنسياً منذ نشأته. وخلال العهد الشيراكي حقق المشروع قفزات نوعية مهمة، علي طريق استكماله لكثير من شروط بنيته الإدارية والحقوقية وتوسيع إطاره الجغرافي باستيعابه لأقطار متزايدة قد تغطي قريباً كامل المساحة الطبيعية للقارة، كل ذلك تم تحقيقه بفضل التحالف القوي، وعلاقة الصداقة والتفاهم الشخصية القائمة بين قيادتي فرنسا وألمانيا (شيراك، والمستشار غيرهارد شرودر)، اللذين شكلا معاً ما دُعي آنذاك بالقاطرة التي تشد وراءها قافلة التكوين المتنامي للاتحاد. حتي كاد المجتمع الدولي يراهن علي دور سياسي كبير ومنتظر للاتحاد الأوروبي، في استعادة توازن استراتيجي مع القطب الأمريكي الطاغي بأحاديته الفظة الرابضة علي صدر المعمورة.خلاصة القول ان انقضاء الحقبة الشيراكية المقترن بما يشبه حالة انهيار لذلك النوع من رهانات المصائر الشاملة التي كانت تدغدغ الحلم الأوروبي بولادة عالم إنساني آخر، قد تكون هذه الخيبة الوجودية ـ إن صحّ الوصف ـ هي المسؤولة عن سيطرة وضع فكري، من الانفراغ الإيديولوجي، الذي ما لبث زحْفُ (الليبرالية الجديدة) من ما وراء الأطلسي، أن حاول ملأه بشعارات أخري، غائمة عائمة، راحت تسيطر أشباحها علي أجواء الانتخابات الرئاسية الحالية.لقد اخترقت الليبراليات هذه كلاً من اليمين واليسار، بحيث لم يعد ممكناً اجتراح شعار ما، لهذا الفريق أو الحزب أو ذاك، من دون أن تكون له صلة ما، سلباً أو إيجاباً بالمصطلح الليبرالي. حتي أن أحد مثقفي اليسار قديماً (دانييل كوهين)، رأي أن اليمين هو محافظ ثقافياً، ليبرالي اقتصادياً، بينما اليسار ليبرالي ثقافياً، محافظ اقتصادياً. والحاصل أن المرشحين للرئاسيات لا يكاد يتحمل أحدهم وزناً معيناً من الرموز المبدئية التي اعتاد الجمهور الفرنسي أن يحدد معسكره بناء علي اختيار واضح ومعلل ما بين مواقعها واتجاهاتها. فلا يكاد المواطن العادي يعثر علي فروق متميزة بين المتنافسيْن الرئيسيين: ساركوزي اليميني، وسيجولين رويال الاشتراكية. هذا وإن كانت إشكالية الهجرة والمهاجرين تلقي بثقلها علي مواقف جميع المرشحين تقريباً. وقد دخل ساركوزي خاصة معترك الترشح من هذا الباب، باعتباره كان وزير الداخلية الذي اقترن اسمه باندلاع اضطرابات الضواحي الدامية عندما هزت باريس لأسابيع طويلة؛ ما جعله يوصف بمرشح الهجرة. هذا اللقب يستهدف النقد لتصرفاته المتناقضة وتصريحاته المثيرة خلال المعالجة البوليسية الطائشة لأحداث تلك (الثورة) الشبابية لأبناء المهاجرين الأفارقة من العرب السمر، والآخرين من السود، أكثر مما يوحي بالتفاؤل حول كون ساركوزي متبنياً حقاً حلولاً عادلة لمشكلات الهجرة المزمنة. أما الحزب الاشتراكي فلم يجد بين زعمائه من يمكنه أن ينافس المرأة الأولي في تاريخ فرنسا، المتقدمة إلي رئاستها. ولعل هذه الخاصية هي التي تجعل من سيجولين رويال تفوز بتعاطف جماهيري يقربها من الرئاسيات، ويطغي علي بقية الخصائص المطلوب توفرها في شخصية رئيس لدولة عظمي كفرنسا.علي كل حال ليس ثمة حماسة شعبية حقيقية لمعركة رئاسية، قد تقترب من النوع الغرائبي في تراث الرئاسيات الفرنسية. إذ لأول مرة تخوض امرأة معركة الحق الأنثوي بالرئاسة، وينافسها مرشح هو ابن مهاجر هنغاري، لكنه لن يكون نصيراً لقضايا المهاجرين بقدر ما يدعي إخلاصاً لمصالح فرنسا العليا.أخيراً، يدرك الفرنسي العادي وهو قاب قوسين أو أدني من الانتخابات، أن الديغولية قد خرجت نهائياً من قصر الإليزيه، وأن من سيؤم هذا القصر قريباً لن تكون له صلة ما بعصر للرئاسيات الرسالية، قد انقضي ومضي إلي غير رجعة في ظل العولمة الليبرالية الكاسحة؟9