بداية صعبة للنظام الرسمي العربي ورحيل الديكتاتور بداية التغيير رغم الخوف على مصير الثورة ممن يحكم تونسلندن ‘القدس العربي’: ‘رؤساء مدى الحياة يقدمون خدمات كاذبة ضد سراب الارهاب وليسوا اصدقاء حقيقيين’.. هذا عنوان فرعي لافتتاحية أمس الأحد بصحيفة ‘اوبزيرفر’ البريطانية التي خصصتها لثورة تونس. قال كاتب الافتتاحية ان سقوط الرئيس التونسي زين العابدين بن علي يعتبر واحدا من الاحداث التي لم يكن أحد يتوقعها، لكن بنظرة الى الوراء فقد كان سقوطه حتميا.
ويضيف: ‘رغم ان الانظمة الشمولية عادة ما تتسم بالهشاشة، ونظام بن علي لم يكن استثناء، إلا ان الكثيرين لم يكونوا يتوقعوا الاطاحة به بهذه السرعة بسبب الضغط الشعبي’. واشار التحليل الى نظرة الغرب لبن علي على انه رجل الغرب الذي كان يقوم بالنيابة عنه في المنطقة. وتحدث عن فساد بن علي وحاشيته كما اشارت تقارير الدبلوماسيين الامريكيين من العاصمة تونس والتي كشفتها ويكيليكس وكيف ان الامريكيين رهنوا اي تغيير من ناحية البطالة وتراجع الاقتصاد والقضاء على الفساد في البلاد برحيل بن علي. وقالت الافتتاحية ان حركة الرد الشعبي على حرق الشاب محمد البوعزيزي نفسه كانت مفاجئة، لكنها كانت تعبر عن عقود من الغضب والاحباط.
ثورة الشبابوقالت الصحيفة ان الثورة التونسية هي ديموغرافية واقتصادية وسياسية في الوقت نفسه، مشيرة الى شباب الدولة التونسية من ناحية طبيعة سكانها (1 ـ 5 تونسيين من الفئة العمرية 15 ـ 24 عاما)، وترتفع نسبة البطالة بينهم بنسبة 30 بالمئة او اكثر. وتونس ليست استثناء في هذا الاتجاه، بل كل الدول العربية تعاني من نفس الازمة، مما يعني جيلا من الشباب لديه اوقات فراغ بدون مال حيث يسمون في الجزائر بـ’الحيطست’. ومع ان الدولة تحاول قمعهم الا ان لديهم فرصة للتواصل الاجتماعي عبر الانترنت مما يعني انهم يشكلون مصدرا من مصادر الثوران السياسي. وعليه تقول ‘اوبزيرفر’ ان هناك سببا واحدا يجعل من جارتي تونس، الجزائر والمغرب اضافة الى دول المشرق العربي من مصر وسورية والاردن ودول الخليج والسعودية، تراقب ما حدث بخوف وحذر، وهو ان هذه الدول كبيرة تحكمها نخب فاسدة متجمدة وتنقصها اي مبادئ للحكم باستثناء الرغبة في مقاومة مطالب التغيير من الاسلاميين واللبيراليين، حسب الصحيفة. وتعاني هذه النخب ايضا من عقم ثقافي واكاديمي وهي خانقة لحرية الرأي. وتعتمد الانظمة العربية على عاملين في البقاء في الحكم: عدم مبالاة السكان وآلة القمع التي تعود للدولة، لكن ما تغير في تونس هو تحرك الشارع التونسي وهو ما يخيف الحكام العرب الذين شاهدوا شجاعة التونسيين وهم يواجهون قوات مكافحة الشغب التي كانت تطلق عليهم الرصاص. ومن هنا، ترى الصحيفة، ان الانظمة العربية لن تكون قادرة على البقاء في حالة تم كشف الغطاء عنها كما تم في تونس. ورغم انها لا ترى أن منظور انهيار الانظمة العربية بات محتوما، فتجربة الحكم الشيوعي في اوروبا الشرقية في ثمانينيات القرن الماضي اثبتت انها قادرة على التمسك بالحكم لنهاية اللعبة لكنها سقطت في النهاية. ومع ان التظاهرات عمت دولا عربية من مثل الاردن والجزائر ومصر احتجاجا على ارتفاع الاسعار وتزييف الانتخابات، الا ان المقارنة بين حالة الانظمة الشيوعية والدول العربية مثيرة للانتباه: ففي الوقت الذي دعم فيه الغرب المنشقين من هذه الدول، فضل أن يغض الطرف عن القوى المدنية المعارضة للانظمة العربية واقتنع ان أمنه لا يتحقق الا من خلال دعم الانظمة الفاسدة في العالم العربي والتي ستكون لها حرزا من التطرف الاسلامي. وترى الصحيفة أن المعارضة في تونس ليست كلها اسلامية، وتستنتج أن محاولات بن علي تصوير المتظاهرين بالارهابيين لنيل عطف داعميه الامريكيين او الفرنسيين، لم تنفعه. وترى الصحيفة في محاولاته هذه تعبيرا عن ‘اليأس’. الشارع العربي صديقناوفي الوقت الذي دعت فيه امريكا على لسان وزيرة خارجيتها الانظمة العربية للاصلاح، ردت لدول الغربية ببطء على التطورات في العالم العربي، فيما عرض وزير فرنسي بن علي حتى اللحظة الاخيرة ارسال قوات مكافحة الشغب لدعمه. ومن هنا دعا الاتحاد الاوروبي الى عملية تفعيل لبرامجه في حوض المتوسط، مشيرا في النهاية الى حالة من عدم الوضوح التي تغلف الثورة التونسية، خاصة انه لا يعرف ان كانت ستظهر في تونس قيادة احسن من تلك التي اطيح بها، بحسب الصحيفة. واصبح الآن هناك أمل بتحقق تقدم بدون بن علي الذي يجب ان ينظر لرحيله كتحذير لكل القادة في المنطقة، تقول الصحيفة التي تضيف ان درس بن علي وغيره هو ان قادة ينصبون انفسهم مدى الحياة ليسوا اصدقاء يمكن الاعتماد عليهم. فالاصدقاء الحقيقيون هم المواطنون العرب العاديون الذين سحقت احلامهم بشكل دائم، وعليه فعلى الغرب ان يقوم بشكل حثيث للبحث عن طرق لمصادقتهم. نبوءة ابو القاسموفي معرض تغطيتها للاحداث اشار تحليل الصحيفة الى دور شعر ابي القاسم الشابي في الهاب الثورة التونسية. قال بيتر بيمونت ان بيت الشابي ‘من يزرع الشوك يجن الجراح’ قد يكون مساحة لزين العابدين للنظر اليه وهو في منفاه في السعودية. وكتب بيمونت قائلا ان ما فاجأ المراقبين هو هشاشة الدولة البوليسية التي كان بن علي يقف على رأسها. وقال ان هذا هو نفس المصير الذي سيلاقيه الحكام الاتوقراطيون العرب فتتحقق نبوءة الشابي ‘حذار فتحت الرماد اللهيب ومن يبذر الشوك يجن الجراح’. ويرى بول ليغ مراسل ‘بي بي سي’ و’الغارديان’ في تونس بين 1986 و1987 ان صعود بن علي السريع للسلطة وسقوطه السريع دليل على ان الديكتاتوريين الذين يحكمون بيد من حديد يتعلمون الدرس بطريقة قاسية، لكن بن علي الذي قايض التونسيين بالديكتاتورية مقابل الاقتصاد وقع في مصيدته عندما لم ينتبه مثل بقية الديكتاتوريين الى ان نهايته ستكون مرتبطة بالارتباط بزوجة لا يحبها الشعب، اي ليلى الطرابلسي. عام جديد وبداية صعبةوفي العموم، يظل العام الجديد عاما صعبا للانظمة العربية.. اضطرابات العام الجديد في مصر، ومظاهرات الجزائر والاردن واستفتاء السودان ونهاية بن علي وانهيار الحكومة اللبنانية اضافة الى عودة مقتدى الصدر الى العراق بما تحمله من مشاكل لنوري المالكي والعراق. كل هذا يجعل المعلقين ينظرون الى الدرس التونسي على انه الشرارة التي اطلقت موجة تغيير صار من الصعوبة الوقوف امامها. فيما اعتبر آخرون انه بداية نهاية الدولة العربية التي فشلت في منح سكانها التعددية السياسية والحرية والرفاه وأدت في كثير من المناطق كلبنان والعراق الى تعزيز الهوية الطائفية والعرقية، بينما يشك البعض في تكراره في مصر بسبب الخلافات بين البلدين من ناحية مستويات التواصل الاجتماعي عبر الانترنت وعدم توفر الفضائيات الاجنبية للكثيرين باستثناء القنوات الرسمية. ومهما يكن من أمر فالثورة التونسية التي حدثت بشكل غير منظم تعتبر نهاية لعصر الخوف، كما اشار تقرير في صحيفة ‘اندبندنت اون صاندي’. فشارة الثورة قد تأخذ وقتا كي تمرر لدول اخرى كما يقول سير ريتشارد ميرفي ـ السفير البريطاني السابق في كل من ليبيا وايران، خاصة ان الانظمة في العالم العربي قد تتعلم درسا حول كيفية استخدام العنف مع المتظاهرين. من سيحكم تونس؟ وعلى الرغم من انجازات الثورة التونسية برحيل بن علي، إلا ان الوضع التونسي والمستقبل ما زال مفتوحا نظرا لتعدد القوى التي شاركت فيها، اضافة لطموح المنفيين بالعودة والمشاركة في الانتخابات وادارة البلاد. فقد نقلت ‘نيويورك تايمز’ عن ميكائيل كوبلو قوله ان هناك الكثير من القوى التي يجب النظر اليها ومراقبتها اضافة الى ان انتخابات حرة قد لا تؤدي لتحديد من سيختاره الشعب ويثق به. وما يعقد الامور ان الثورة التي استمرت اربعة اسابيع شعبية وبدون قائد او ناطق رسمي. ولم تستبعد الصحيفة ان يمارس الجيش دورا في تحديد من سيقود البلاد، خاصة قائد الجيش رشيد عمار. ويقلل مراقبون من هذه التكهنات لأن الجيش التونسي يظل صغيرا مقارنة مع القوى العسكرية في المنطقة، كما انه لا رشيد عمار ولا اياً من قادة الجيش خطا خطوات لقيادة البلاد. ويخشى معلقون ان يتحول النزاع الى الجيش مع وحدات الامن التي ظلت موالية للنظام مما يعني اجهاض مكتسبات الثورة. في النهاية تظل الثورة التونسية حجر اساس للتغيير في العالم العربي فبعد ما حصل في تونس يوم الجمعة 14/1/2011 لم يعد كل شيء كما هو في العالم العربي. لقد بدأ العالم العربي عصره الجديد كما يرى معلقون.