بوّابات الذاكرة

حجم الخط
0

بوّابات الذاكرة

صبحي حديديبوّابات الذاكرةفي مجلّد ضخم بعنوان ويلات لا تنقضي: تاريخ اليهود في ألمانيا، 1743 ـ 1933 ، صدر بالإنكليزية في 446 صفحة و50 صورة فوتوغرافية ومادّة ببليوغرافية مدهشة، يسعي الكاتب والمؤرّخ الإسرائيلي عاموس عيلون إلي تدوين أرشيف جديد حول وقائع مئتي سنة من حياة اليهود في المانيا. وقد يقول قائل، علي الفور: كتاب آخر عن تاريخ اليهود في ألمانيا… ألا تكفي عشرات المؤلفات والمجلدات والأسفار؟ والجواب الدائم، الذي يأتي المرء كلّ شهر تقريباً: نعم، تنقيب دائب، وبحث لا يكلّ، ونزوع استراتيجي في العمق يستهدف إبقاء هذا التاريخ (وهو، في نهاية الأمر، تاريخ المحرقة) علي الألسن، وأمام الأبصار، وفي الضمائر.ولستُ متبحراً في تاريخ اليهود بما يكفي لكي أحكم علي الجديد الذي يضيفه عيلون، ولعلّ الأمر ليس مهماً البتة من هذه الزاوية. أن يأتي بجديد، أو يعيد إنتاج القديم، أو يُلبس القديم لبوس الجديد، أو حتي أن يكتشف وثيقة هنا وصورة هناك… كلّ هذا لا يبدّل من طبيعة وأهداف ومقاصد النزوع الاستراتيجي إياه، سيّما وانّ القسط الأعظم من تراثه يدخل في باب جليل عزيز علي قلوب اليهود في سائر أرجاء الأرض، هو سياسة الذاكرة ، أو الذاكرة بوصفها موضوع صناعة السياسة.والحقّ أنّ عيلون يفصّل الأحداث التي نعرفها للتوّ، الأمر الذي لا يعني القول إنّ جهده العلمي يذهب هباء، إنْ لم يكن بسبب توليفه الذكيّ للمادّة التاريخية المتداولة، فعلي الأقلّ بسبب المقاربة الروائية ـ السردية الذكية التي يعتمدها المؤرّخ. وهكذا نعيد (في صيغة الأقصوصة، تقريباً) قراءة حادثة دخول فتي يهودي في الحادية عشرة من العمر إلي برلين سنة 1743، من بوّابة مخصصة لليهود والمواشي، راغباً في التعلّم كما قال للحرّاس، لكي يصبح بعد سنوات معدودات سقراط ألمانيا بلا منازع، ويجري اسمه علي كلّ لسان: موسي مندلسون، فيلسوف الأنوار في الفقه اليهودي وصاحب لقب موسي الثالث ، بعد النبيّ موسي والمتصوّف الفيلسوف موسي بن ميمون.وثمة في مجلّد عيلون عشرات الحكايات السعيدة، علي صعيد الأدب والفلسفة والعلوم، وعلي صعيد المال والأعمال بصفة خاصة؛ وثمة، أيضاً وأساساً، عشرات الحكايات التعيسة التي بدأت تتكاثر مع تصاعد الخطاب المعادي للسامية، والذي بلغ ذروته عند أدولف هتلر والرايخ الثالث. القاريء ذو الضمير الحيّ، أي ذاك الذي أفلح في التحرّر من أيّ وكلّ خلط بين العداء للسامية والعداء للصهيونية، لا يملك سوي التعاطف مع المآلات المأساوية التي انتهي إليها اليهود، مقارنة بمقدار الحبّ الذي يبدو أنهم كانوا يكنونه لألمانيا وللألمان في الواقع. غير أنّ القاريء ذاته لا يملك صرف المقارنات بين ما عانته هذه الضحية في عقود الجمر والحريق والهولوكوست، وما مارسه بعدئذ ــ ويمارسه علي الدوام ـ أبناؤها وأحفادها، ولكن في فلسطين المحتلة اليوم.قد يقول قائل إنّ المقارنة معادة، وثمة فوارق، ولا طائل من الرياضة بأسرها. ولكن، أهي حقاً معادة أكثر ممّا يُعاد ويُستعاد من تفاصيل الرواية اليهودية عن الضحية الكونية الأوحد؟ وكيف أنها حين تضطرّ إلي ممارسة العنف، أي أن تتخلي عن مكانتها السامية كضحية مقدّسة، فإنّ الفلسطيني وحده هو المسؤول عن تدهور قِيَمها وأخلاقياتها وصورتها؟ ثمة سياسة ذاكرة عند الفلسطيني أيضاً، وثمة جَدْوَلة مشروعة لهذه السياسة حسب أطوار انقلاب الضحية إلي سفّاح، وسجين النازية إلي سجّان نازي، وقاطن الـ غيتو إلي مستوطن عنصري، وعابر البوّابات المخصصة لليهود والمواشي إلي صانع بوّابات للفلسطينيين والمواشي، وموسي مندلسون إلي أرييل شارون!وهذه، عند الفلسطينيّ علي الأقلّ، ذاكرة ليست للنسيان لأنها ليست مرشّحة لأرشيف آخر سوي ذاك الذي يسجّل ويحفظ ويستعيد، من شتات إلي شتات، ومن قرية تمّ محوها نهائياً عن الخريطة إلي أخري بقيت محض أطلال دارسة، إليثالثة في منزلة بين المنزلتين: مُحيت ولكنّ أطلالها بقيت شاخصة، سُكني لشبح فلسطيني لا يُهجّر ولا يُعاد. وهي، في واحد من أفضل دروس التاريخ، تذكرة بأنّ تواريخ الهدم والمحو والإقتلاع والإستلاب هي أيضاً تواريخ مقاومة.ذاكرة ليست للنسيان، لأنها لا يمكن أن تكون سوي ذلك المستوي الشامل المحتشد بالمعني وبممارسة الوجود في المعني، حيث يتوجّب علي الفلسطينيين أن يطوّروا أنماط حياتهم في غمرة ثقافة المقاومة، تحت الحراب وأمام البلدوزر، وأن يفرزوا تلك الأشكال الحيوية الأكثر تعبيراً عن تجاربهم الروحية والمادية والاجتماعية والسياسية.وذاكرة ليست للنسيان لأن عُدّة أية سلطة احتلال هي ابتذال الشخصية المقاومة في الثقافة الوطنية للشعب الذي لا مناص له من المقاومة. وهي استيلاد نَحْو بذيء لإعراب العلاقة بين تاريخ ما قبل و تاريخ ما بعد ، بين احتلال لا شرعي وبين الاحتلال ذاته وقد بات ملتبساً (وبالتالي شبه شرعي) بفضيلة النصوص والإتفاقات ومذكرات التفاهم.أليس من حقّ الفلسطينيّ أن يحوّل كتاب عيلون الجديد إلي سلاح ثقافيّ مضادّ، ينقلب علي جوهر التفكير الصهيوني، في صميم حروب الذاكرة؟ واستطراداً، هل يجرؤ الإسرائيلي، أو اليهودي أينما كان، علي مطالبة الفلسطيني بالنسيان؟0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية