الذي يعود
ماجد عاطفالذي يعودمثل جدار تتداعي حجارته، يذهبون جميعاً في ذلك الصباح:ـ الصديقة الحميمة تتصل هاتفياً في وقت مبكر جداً فيخرج إلي الساحة كيلا تسمعها زوجته. تقول ـ دون أن تعطيه مجالاً للكلام ـ انها اختارت أن تنهي علاقتها به، وأنها تتمني له التوفيق في العائلة، والحظ الجيد في الحياة.. انها تغادر قبل أن تطالها الألسن. لا يرغب في قول شيء ويطفئ الهاتف النقّال وهو يشعر بمرارة حادة.. ان شيئاً في صدره قد انطفأ.ـ بعد قليل، الزوجة الهائجة مشدودة الأعصاب، التي سمعت رنّة الهاتف وأطرقت أذنيها علي الشباك محاولة سماع ما يقال، تحطم أواني المطبخ وتجمع ملابسها وتسمع الحيّ ما في جعبتها من شتائم، وأخيراً تصفق الباب بعنف وتستقل سيارة الأجرة المنتظرة منذ دقائق أمام المنزل.. إنها لا تريد البقاء معه ولا تركه. لا التفاهم معه علي شيء أو الاختلاف. لم يدر هل يعذرها أم ينقم عليها..ـ الأولاد المراهقون يشتمون أباهم الجالس علي الأريكة. يوضّبون بسرعة حقائبهم في رحلة طويلة، ويستقلون سيارة أخري قد تأخذهم إلي المجهول. وعلي الأغلب سيتذكرون كل مساوئه كأب وإنسان، وستمضي سنوات كثيرة قبل أن يتذكّروا أياً من حسناته. ذلك سيحدث فقط عندما يفهمون.. عندما يختبرون الأشياء ذاتها بأنفسهم!ـ السائق، في سيارة العمل، الذي تبعثه الشركة كل صباح ليقله، يأتي حاملا رسالة التوقيف تمهيداً للفصل (بعد أن تظهر نتيجة التحقيق المالي). يعرض عليه كعادته أن يدخل ليسقيه القهوة، ويرفض السائق مستهجناً العرض.. لقد ساعد علي توظيفه ورعاه طوال سنوات، بل لا يزال له في ذمته مبلغ أقرضه إياه ونسيه. ذهب كل هذا الآن أدراج الرياح ولم تعد له قيمة. سيبحثون في ملفات الشركة كلّها وستكون فرصة ذهبية لينسبوا إليه أي عجز أو خطأ.ـ صديق العمر يأتي يستفسر عمّا سمعه، ليتأكد من الشائعات (وربما ليصنع بنفسه أخري!). بدا أنه أخذ موقفه سلفاً وأتي فقط يبحث عمّا يستكمله به. يحدّثه بإيجاز ويجيب علي بعض الأسئلة ويتحفّظ علي البقية. عندها يرشف الصديق من الفنجان رشفة مجاملة واحدة غير مقتنع، ويغادر دون كلام.ـ القط الذي يطعمه ما تيسر، يطل عليه ويذهب. لا يختلف كثيراً عنهم إلاّ من حيث الوضوح: يدور حول القدمين ويموء إلي أن يأكل. مثل جدار تتداعي حجارته، يغيبون في ذلك الصباح. ينقر بأنامله الحاجز الخشبي لأريكة السنديان ثم يحدّق فيها.. لقد اشتراها بالمتبقي من المبلغ الذي اختلسه، أما غالبيته فقد اشتري به هدايا لصديقته، وزوجته، وأولاده، وحتي أنه أقرض الآخرين قليلاً.يغلق الباب علي المشاهد التي تتبدي لبصيرته فيشعر بالراحة.. إنه الآن لا يري أحداً.ہہہويعلو مجدداً المواء وتتكرر الخرمشة الرقيقة علي المعدن. يوارب الباب قليلاً وينتظر أن يدفعه كعادته. يدخل بثقة ويموء برقة ويتمطّي جسده ببطء. حين يمشي ترتفع أكتافه علي التوالي. يمزّق له نصف الرغيف ويضعه علي الأرض ليأكله. حين يشبع يلعق مخالبه ويلعب مع أصابعه، ثم يقفز إلي جانبه علي الأريكة ويتكوّر: رأسه مغمض العينين، ويستكين تحت أصابعه.كان منظره دافئاً في القلب ويغسل كل الانفعالات المعقّدة، فوق أنه.. الوحيد الذي يعود!كاتب من فلسطينQSR0