للثقافة السطر الأخير
أحمد بنميمونللثقافة السطر الأخيرلو طلب مني أن أرتب اهتمامات الفرد في الحياة كيف ينبغي أن تكون ـ من وجهة نظر شخصية ـ لقلت: الثقافة ثم السياسة بمعنييها العميق والعام، ثم الاهتمام بالشأن المحلي والوطني لأسباب مبدئية، حتي يكون لي رأي في ما يجمعني كمواطن بالمؤسسات من حولي، وبجملة العلاقات الفكرية والاجتماعية والاقتصادية، وبقيم الحرية والخير والجمال في تعبيراتها الجمالية وشتي تجلياتها، وما يتبع ذلك مما له الأثر الكبير في تحقيق السعادة والأمن للذات ولمن حولها، ثم أخيرا الانتخابات، ولكن ليس من وجهة نظر انتهازية، تصرح بما لا تؤمن به، وتري الأمور من جانب ما يمكن أن يراكمه الشخص لنفسه ولعشيرته الأقربين، من فرص وأغراض وثراء بلا حدود، وبلا أفق سوي أفق الأغراض الضيقة الآنية، الساعية إلي الكسب الفوري السريع.ومن هنا كان خلافي واختلافي في آن، مع تلك (العقلية الانتخابية) التي هيمنت علي المؤسسات السياسية في بلادنا، وأثرت في توجيه هذه الأخيرة الوجهة التي تريدها، وهكذا أصبحنا نجد هذا الحزب أو ذاك، لا يراهن إلا علي عدد المقاعد والمناصب الجماعية أو التشريعية خدمة للعابر، وتحقيقا للمكسب الفوري، ولا يهتم بالعمق الأخلاقي والفكري لمرشحيه، ولا بالتكوين والتأطير السياسيين للجماهير. فأصبحت قيمة (المناضل الحزبي) داخل صفوف تلك المؤسسات التي ندعوها أحزابا سياسية لا تتحدد بمقدار فعاليته الأخلاقية والفكرية، أو حركيته السياسية، وإنما تتحدد بما يبديه من قدرات أخري ومهارات لا نستطيع تسميتها في هذه الكلمة.وطبيعي أن نجد هذه الأحزاب، إذا حدث وفاز أحد مناضليها بمقعد أو بمنصب، في هذه الجماعة أو تلك، أو تحت هذه القبة أو تلك الغرفة، لا يهتم بجعل الثقافة إلا حيث تجعلها نشرات الأخبار في تلفزيونات وفضائيات البؤس الفكري والفني والثقافي، في السطر الأخير، قبل تقديم صيغ الإعلان عن ختام النشرة، موجزة كانت أم مفصلة، وتوديع المستمعين أو المشاهدين أو إيداعهم في أسرة نوم لا يراد لهم أن ينتبهوا منه إلي تحقيق يقظة، أو مشروع نهضة ، وكيف ينهض من لا يـُحرَّض علي تفكير، أو يُدفع إلي تحقيق تغيير، أو علي الأقل، إلي المطالبة به، صغيرا كان أم كبيرا؟ ولن ينجز شيئا من ذلك، ما دام يعاني هو نفسه، من حرمان ثقافي يكرسه انعدام البني الثقافية، وغياب فرص تقريب الثقافة من المواطنين، ومحاولة عزل المثقفين عنهم، بتهميش المثقف الذي يعيش ظروف إقصاء هو مكره علي قبولها.إن هناك في مجتمعنا فئة ً تمارس التدمير الثقافي تجب مواجهتها بنشر روح المقاومة الثقافية التي بدأتها أجيال سابقة من مثقفينا، أسست لبناء المجتمع المدني، في هذه المدينة التي أريد لها أن تتنكر لذاكرتها وماضيها، وأن تحمل في حاضرها فكرا وثقافة هما فكر الاستسلام وثقافة القبول.فإن في شفشاون الآن معهداً موسيقياً كان يجب أن يكون اليوم، باعتبار عمره الطويل، أحد المعاهد الموسيقية المحترمة في المغرب، وباعتبار العناصر التي عملت به منذ أكثر من ربع قرن، فلقد تنازلت البلدية عن مسؤوليتها الجماعية في تنشيط هذه البنية الثقافية الهامة، كما تنازلت وتخلت عن المكتبة الراشدية متذرعة أنها تشرف علي مكتبة أخري، ما زلنا نشهد ما تعرفه سنويا من تراجع وإفقار، في الوقت الذي كان يجب أن تغتني رفوفها بالجديد من العطاء الفكري الذي يمثله التنامي النسبي لحصاد المطابع في السنوات الأخيرة في الحياة الفكرية في المغرب.وإذا كان الأمر في ميزانيات بعض الحكومات المغربية يُقدم لنا كمثال مؤلم، علي فقر ميزانيات الشؤون الثقافية منذ أوائل السبعينات، بل ومنذ إنشاء وزارة تختص بإدارة هذه الشؤون، ورغم ما أصبح عليه الأمر في السنوات الأخيرة، فإن مكانة الثقافي لا تزال في الصف الأخير من اهتمامات الحكومة، تكريسا منها لتبعية الثقافة، وتحجيما لدورها، وإحباطا للمثقفين، ودفعا بهم للوقوف علي باب الحاكمين، وانتظار ما يمكن أن يجودوا به علي الثقافة من فتات موائدهم، أو ميزانيات الحيوي أو الأولوي مما يهتمون به، ولهذا لا نستغرب إذا كنا قد شهدنا في السنوات الأخيرة في شفشاون،(باعتبارها إحدي أنشط المدن المغربية ثقافة: شعرا ومسرحا وموسيقي ورياضات فكرية وأنشطة ثقافية جمعوية مدنية ) معرضا فلاحيا للماعز، قد كلف خلال ثلاثة أيام من الخوض في (وحل) إحدي ساحات المدينة أكثر مما يكلف عقد مهرجانها الشعري مثلا. وربما حظي َ الماعز بعناية أكبر يستحقها في نظر مسؤولينا علي المثقفين شعراء كانوا أم علماء أم فنانين.وبالنسبة لما يحظي به الشأن الثقافي في ميزانية المجلس البلدي، فلا يزال يؤشر علي ضعف الاهتمام الذي يصل في أحيان كثيرة إلي الاعتذار عن إنجاز أي نشاط، أو تقديم أي دعم أو مساهمة، بانعدام المخصصات في هذا الباب أو باستنفادها.وإذا كانت عظمة الدول تقاس بوفرة ما تخصصه من ميزانيتها العامة للبحث العلمي، فإن فقرنا المعرفي وبؤسنا الثقافي تعبر عنهما ميزانية الشأن الثقافي محليا ووطنيا، إذ لا يزال هناك من يعتبر الثقافة والعلم ترفا زائدا، ومطلبا يتعلق برفاهية لا يمكن أن يقدمها شعب جائع علي مطلب الخبز ـ رغم اعتراف الجميع بأن مرحلة (جوّع كلبك يتبعْك) قد انتهت ـ لكن ماذا نصنع إذا علمنا أن (ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان)؟ وما السبيل إلي التقدم بإنساننا إلي طور آخر من النمو حتي يمكن أن يدرك ما يحققه لنفسه وشعبه من خلال الوعي والعمل الثقافيين، عبر إسهامه في النهوض وخدمة مفهوم المجتمع المدني؟إن هناك أشخاصاً فرضت عليهم ظروف خاصة أو عامة أن ينقطعوا عن الدراسة، أو أن يتوقفوا عن التحصيل، ومن بينهم من فشل في تحقيق أي مستوي ثقافيّ ٍ، وأمثال هؤلاء حين يجدون أنفسهم في موقع المسؤولية فهم يناصبون الثقافة العداء، ويقلبون ظهر المجن لكل عمل فكري أو فنيّ ٍ جادّ ٍ، فيعارضون أي عمل ثقافي، ويسارعون في الهدم والتدمير.فما أفجع ما يمكن أن تلقاه الحياة الثقافية علي أيديهم، وتحت إشرافهم، وقد عرفنا أساليب تحايلهم، وطرقـَهم التي ركبوها حتي وصلوا إلي مراكز القرار الجماعي أو التشريعي، ورصيدهم من الفكر والثقافة أفرغ من فؤاد أم موسي، فهل ترحمنا الاستحقاقات المقبلة؟أم هل يكفي الاحتفال بالوردة والدوس علي حقوق الشباب بمزيد من التغاضي عما يصنع بؤس اللحظة الراهنة لتكريس ما يتأكد يوميا أنه وراء تعلق الشباب بثقافة الوهم والحدس الخائب؟ (وأغرب من الاحتفال بالورد ة، الذي أقام مهرجانه الحاشد، حزب مغربي كان قد اشتق شعاره في زمن الجمر والرصاص من صلابة الحجر وجمال البنفسج. احتفال حزب يميني ديمقراطي، في الأيام الأخيرة، باليوم العالمي للشعر، في تجمع ضيق بائس حزين، يزري بمجد المغاربة في العصري السعدي القوي !!!) أم هل ستجري الرياح ـ مرة أخري ـ بما لا تشتهي سفننا المحلية الصغري، فيبتلع الطوفان سفينة البلد بركابها جميعا؟ حفظ الله بلادنا من مؤامرات كل حاقد علي الثقافة،ومن شر حاسد إذا حسد، وفتح لها كل أبواب التقدم ، آمين.حرره ووقعه علي مسؤوليته الخاصة:العبد الفقير لله تعالي: أحمد بنميمونشاعر من المغربQMK0