عندما تنجلي الحرب وتنتصر الشعوب تسقط أوهام حفاري القبور والغزاة
المخرج المسرحي الفلسطيني فتحي عبدالرحمن:عندما تنجلي الحرب وتنتصر الشعوب تسقط أوهام حفاري القبور والغزاةرام الله ـ (فلسطين) ـ القدس العربي : حين انجلي غبار الحرب، انجلي المشهد عن حفار القبور، كوحش في الفلاة لم يقرأ الكتب الضخام تسربل بالحديد والموت والشهوة، نظر بعينين مطفأتين وجبين بارد إلي المرأة الثكلي وصاح لست أحقر من سواي ، وعندما لم تجبه صرخ فيها ولي شفيع لكنها لم تجبه، فنظر حوله لم ير سوي القبور والموتي وغبار حرب لم تدم طويلا.من ثنائية الموت والحياة لدي بدر شاكر السياب يقدم المسرح الشعبي في رام الله مسرحيته حفار القبور إعداد حازم كمال الدين وإخراج فتحي عبدالرحمن، في عرض مسرحي يحاول أن يحاكي قسوة الواقع وعبثيته، لكن الواقع العالمي يرفض إلا أن يتفوق علي كل صورة للقسوة. تلعب شخصية حفار القبور في ذهنية المتلقي العادي دورا سلبيا بما ترمز إليه وفي ذهنية المتلقي القارئ أو المتابع للشأن الثقافي مضمونا فلسفيا ورمزية عالية. كيف تعامل المسرح الشعبي مع هذه الشخصية؟ شخصية حفار القبور لها أبعادها ودلالاتها المختلفة، وأسلوب التعامل أو تناول هذه الشخصية ينبع من المبرر الدرامي في استخدامها وتوظيفها لتعطي الدلالات التي تقدم فكرة العرض المسرحي. في المستوي الواقعي حفار القبور هو الشخص الذي يمتهن مهنة إنسانية من جانب ومن جانب آخر مهنة صعبة، فهو يعمل في مقبرة وفي مكان موحش وهو في الغالب شخصية واقعية وطبيعية وقد تكون خيرة وذات خصال إنسانية ولكن دراميا تم توظيف حفار القبور ببعد فلسفي ورمزي، فكل من يقبل ويتواطأ ويشارك في فكرة الحرب وقتل الأبرياء وموتهم المجاني والعبثي وكل من يقوم بمهنة (السمسرة) والمتاجرة بأرواح البشر بالمحصلة هو حفار قبور بالمعني الرمزي.و حفار القبور بمسرحيتنا هو ذلك الشخص الذي وبسبب رغبات وحاجات ـ قد تكون إنسانية ـ وقد يكون مدفوعا بحاجة الجوع والنهم لحاجات محروم منها يتحول وبضغط من قوي الشر والعدوان إلي شريك ومتواطئ مع فكرة الحرب العدوانية وقتل الأبرياء، أوهامه بأنه سيحقق رغباته وحاجاته من خلال تواطئه يكشف العرض المسرحي أنها تتبدد وتسقط أمام الحقائق الكبري وهي أن المحتلين ومشعلي الحروب المجانية لا تهمهم حياة البشر والأفراد حتي لو كانوا أعوانهم وشركاءهم، مثل شخصية حفار القبور، تتبدد أوهامه ويكتشف أن مكانه في المقبرة مع المنذورين للموت العبثي والمجاني، ودراميا تتبدد أوهامه عندما يذهب إلي الحانة حيث النساء والمتع لتحقيق رغباته فتلفظه الحانة وأمواله التي جناها علي حساب حياة الآخرين ليعود إلي المقبرة ثم يكتشف أن أقرب الناس إليه قد أزهقت روحه في هذه الحرب … إذن هل هي حتمية حفار القبور ؟؟ هي حتمية لكل حفاري القبور، في الحروب العدوانية وعندما تحتل الجيوش بلدانا وشعوبا يلتصق ويتواطأ البعض مع هذه الجيوش لتحقيق مصالح ضيقة، قد يحققون بعض المكاسب ظاهريا ولكنها وبالنهاية لن تكون مكاسب حقيقية وبالتالي حفار القبور تسقط كل أوهامه عندما تنجلي الحرب وتنتصر الشعوب بقضاياها العادلة ولأن أهداف قوي الشر وحفاري القبور معاكسة للتاريخ وللمعني الإنساني وللحياة فهي تهزم. هنا تكمن أهمية هذا العمل المسرحي؟ وفي هذه المرحلة السياسة؟ بالطبع، في منطقتنا وفي العالم الذي يعج بالحروب بفعل قوي الشر التي ترغب بالهيمنة والسيطرة علي العالم لمصالح اقتصادية وفردية، هذه الحروب المشتعلة في ما يقارب ثلاثين دولة مصيرها الحتمي هو الهزيمة، العرض المسرحي وجّه رسالة لكل حفاري القبور بأن مصيرهم الهزيمة ويبشرهم بخيبة الأمل. ورسالة أيضا للجمهور (للضحايا) بأن أنظروا ماذا يفعل حفارو القبور؟ للجمهور أيضا رسالة تقول لا تصمتوا تجاه حفاري القبور، تجاه مشعلي الحرائق، قد يكون هناك تفاوت نسبي وبحجم المتواطئين (حفاري القبور) من مكان إلي آخر ولكنهم موجودون في كل مكان فيه حروب وهم أدوات يستخدمها الاحتلال لقتل أبناء شعبهم والبشرية جمعاء . مسرحية حفار القبور هي نص مقتبس عن رائعة الشاعر العراقي الراحل بدر شاكر السياب المعروف بجزالة ألفاظه وخياله الفني وتشاؤميته أيضا، كيف واءمتم بين النص الشعري والنص السردي (النثري)؟ أولا ما بين كلمة اقتباس أو إعداد أو التعامل بتصرف هنا تكون المصطلحات دقيقة، حفار القبور لبدر شاكر السياب هي من أعماله الجميلة والخالدة وهي التي ألهمت زميلي وصديقي المسرحي حازم كمال الدين أن يستوحي منها نصا مسرحيا للعرض وأن ينسج بدقة ما بين النص الشعري والنثري ما يريد أن يقوله و أشير هنا إلي ان النص كتب منذ ما يقرب العشرين عاما و أنا كمخرج أجريت مجموعة من التعديلات قد تكون واسعة كي يكون العمل المسرحي راهنا ومؤثرا وفاعلا الآن بزماننا ومكاننا، ولكن روح قصيدة السياب وروح نص حازم كمال الدين هي التي كان لها كل هذا الحضور الطاغي في العرض. مثل هذه الأعمال ذات الطابع الشعري هل تلقي عبئا علي عاتق الممثل وفريق العمل؟ المسرح الشعري والمسرح ذو الأبعاد الفلسفية هو تحد للكاتب والمخرج والممثل، المعادلة هي كيف نقول الأشياء المعقدة بلغة فنية تعبيرية جزلة ومرنة، هي تحد للمخرج بأن يجد حلولا إخراجية وصورا ومعالجات فنية تنقل روح النص ومضمونه للمتلقي بمستوياته المختلفة، بالنسبة للمثل تحد أكبر لأن النصوص الشعرية تتطلب مواصفات لها علاقة بالقدرة اللغوية والتعبيرية والصوتية والقدرة علي الأداء بما يتناسب مع موسيقي الشعر وروحه. وأعتقد أن مسرحنا الفلسطيني مقل بتناوله للمسرح الشعري أو بأعمال مسرحية الشعر لغتها وروحها، وبالتالي كيف يستطيع الممثل أن ينقل هذه اللغة إلي عواطف وانفعالات عميقة تعكس مضمون الصراع وتعكس خصوصية كل شخصية درامية هذا يتطلب جهدا مضاعفا من الممثلين حتي بالأشياء البسيطة، بطريقة النطق بتشكيل الكلمات بكيف لا يصبح الشعر عائقا في التعبير وينبع من أعماق الشخصية. فتحي عبدالرحمن ينتمي إلي مدرسة فنية تري أن النص هو الركيزة الأساسية في العمل المسرحي بمعني أنك تنظر إلي المسرح من زاوية النص، ألا تجعل الدلالة اللغوية الممثل يستسهل الإلقاء علي حساب الأداء؟ هنا يأتي دور المخرج وجهد الممثل أيضا، دور المخرج هو أن يخلص الممثل من العيوب المتراكمة التي قد يكون قد تلبسها من تجارب سابقة وقدرته علي إيجاد حلول إخراجية تسهل عملية توصيل الأفكار العميقة في النص وكيف يمكن أن يتابع مع الممثل الوصول إلي أعماق الشخصية وانفعالاتها وقدرتها علي أن تكون كما ينبغي أن تكون مجسدة علي خشبة المسرح، بنفس الوقت وبالنسبة للممثل بين أن يصبح ملقيا للشعر وبين أن يعيش شخصية ويجسدها وينقدها وهو يؤديها دون أن يفقدها بريقها وعواطفها المؤثرة علي الجمهور. بكثير من القسوة قدم المسرح الشعبي مسرحيته حفار القبور ، هل يرضيكم هذا الحكم؟ الواقع أقسي من المسرح، والواقع أكثر سوريالية وعبثية، نحن اجتهدنا أن نقدم صورة عن هذه الحالة المجنونة من القتل اليومي الذي يحدث بفلسطين ولبنان والعراق وغيرها، وهي ناتجة عن الواقع وبالتالي مهما اجتهدنا بتقديم عرض مسرحي بنفس القسوة فالواقع يفرض قسوته وعبثيته، وهناك مبرر آخر مستمد من طبيعة النص الأصلي للشاعر الراحل،قد تكون الجرعة التي تلقاها المشاهد لها علاقة بتوقعاته فضمن ثقافتنا المسرحية يحضر الجمهور العرض لغرض الترفيه والتسلية ونحن لسنا ضد الترفيه والمتعة كعنصر أساسي في أي عمل مسرحي ولكن حتي القسوة قد يكون فيها متعة، متعة الكشف عن هذه العبثية والقتل ولأن العرض خالف توقعات المشاهد شعر بالقسوة. خاصة إذا كان المشاهد يعيش تحت ضغط سياسي واقتصادي يصبح الهروب من الألم إلي المتعة أكثر ضرورة؟ أكثر ضرورة وأكثر مطلبية وأعتقد لو لم يكن لدينا كل هذا الكم من الآلام لتعامل الجمهور مع العرض بشكل مختلف مع ملاحظة أن هناك تباينا لدي الجمهور فهو متنوع ومختلف. حفار القبور هو طالب المتع النهم والساحرات من جهة، ومن جهة أخري الضحايا. من يحاكم من علي خشبة المسرح؟ هذا من الموضوعات التي تمت مناقشتها مطولا في بداية التجربة، هل حفار القبور مجرم ويستحق العقاب؟ أم أنه ضحية قوي الشر والعدوان؟ بأية طريقة نقدمه؟ نحاكمه أم نعفيه؟ هذه شخصية مركبة بالبعد الإنساني. هو شخص له حاجاته الإنسانية ورغباته ويعيش حالة من الحرمان، وبالمعني الفلسفي هو شخصية توافق علي الحرب والدمار من اجل موقفه الأناني، هذا التناقض يخلق شخصية معقدة ومركبة فهو خلال العرض كان يضعف أمام المواقف الإنسانية وكان ينهار لأنه شعر انه تحول إلي وحش، ولكن سرعان ما تسيطر عليه رغباته فيمشي خلف الساحرات وأمراء الحرب لتلبية رغباته.وتجار الحروب بلحظة ما يكتشفون حجم الدم والكارثة التي يرتكبونها ولكن بعد فوات الأوان. يري البعض أنك ومن خلال العروض التجريبية بسطت المضمون الفلسفي والمعني للمشاهد باستخدامك للمواد الفيلمية المصورة؟ المادة الفيلمية ليست اختراعنا. هي أسلوب موجود في كل المسارح ولكن السؤال هو كيف نوظف المادة الفيلمية في العرض وما هو المبرر الدرامي لها؟ فنحن قدمناها في عروض تجريبية من باب التجريب ونحن لسنا متمسكين بها ولنري أيضا إلي أي مدي قد تساعد دراميا في تحقيق التواصل مع الجمهور والمتعة البصرية، منهج العمل لدينا يقوم علي البناء والهدم واستخدام المادة الفيلمية هو ضمن هذه المعادلة، والجمهور المسرحي غير متجانس فالأكثر نخبوية والأكثر ثقافة ومتابعة للمسرح قد لا يحبذونها أو لا يحبذون بعضها، لكن الجمهور العادي الذي لا يملك ذلك التراكم المسرحي ولا يملك ذائقة مسرحية عالية يحبذ غالبا عناصر الإبهار والربط والتصعيد الدرامي كالمادة الفيلمية، ولكن هل نقدم عرضا للنخبة وآخر للجمهور البسيط؟ هذا من الأسئلة التي تطرحها الفرقة وتحاول إيجاد حلول لها وبدائل للحلول وأعتقد أن من حقنا أن نجرب كل الحلول للوصول إلي الصيغة النهائية للعرض، كما أن هناك عرضا قدمته الفرقة مساء الجمعة 13/4/2007 في قصر رام الله الثقافي وهناك أيضا مشاركة لنا في مهرجان مسرح الهواة بدمشق في 18/4/2007 وهو مهرجان مهم تحضره كافة الفرق المسرحية في الوطن العربي، وعند عودتنا سنتابع تقديم عروض المسرحية في فلسطين ضمن برنامجنا المحدد. التقاه: توفيق العيسيQMS0